
الزاوية الحمراء
التيه في حبائل الـ«لا»
الـ«لا» والـ«نعم» لهما حكاية معقّدة في دواخلي، ولا أستطيع التنبؤ بأي احتمالات لهذه المسألة. أحسد الآخرين الذين يعرفون متى يقولون نعم، ومتى يقولون لا، لكنني لست كذلك. أنا التي أتكئ على الـ«لا» كثيرًا، ودومًا أضعها في مقدمة احتمالات ردودي، في قلقي وتوجّساتي. أنها تُبعدني عن الانكشاف، وتُلبسني عنادًا أتوارى خلفه. أما الـ«نعم» لديّ، فهي لا تظهر إلا في حالة الرضا التام والطمأنينة التامة.
لذا، كيف أنطق الـ«لا»؟ ونبت في داخلي، واستطال، تساؤلٌ مغلّف بالحيرة. مضيت في هواجسي متسارعةً في سيناريوهات: كيف أقولها؟ عندما أقول: لا، سأكون عصيّة وصعبة الحضور، وسوف تتوالد رغباته لكي يحترف الركض خلفي. وماذا لو كان ممن يمضون سريعًا عندما يُقال لهم: لا؟
شعرتُ بإحساس الخسارة يسطو على لحظتي، فتجاسرتُ في تداعياتي بأن الرجال لا ترهبهم هذه الكلمة؛ يظنون أنها شيءٌ من التمنّع، لذا هم يستطيبون الـ«نعم» بعدها، باعتقادهم أن هذه تأتي بعد تلك.
وانغمستُ في التساؤل: كيف أنطقها؟ هل أنطقها بإحساس صارم لا يخلّف وراءه رجاءً؟ أم أنطقها بصوتٍ يجعل الأمنيات تدخل من الباب الموارب؟ أم أنثرها في حضرته مغموسةً بالدلال، وكأن الـ«لا» نصفها نعم؟
وماذا لو قلتها وأردفت معها: «لا، ما أقدر»؟ أو استبدلتها بكلمة: «مستحيل»؟
وتوجّعتُ لأنني أستهلك كل هذا الوقت في التفكير في نطق الـ«لا»، وأيقنت أنني لا أحتاج إلى كل هذا الجهد. فقط، أين هو الآن لأقول له: لا... وربما قلت نعم، تلك الـ«نعم» التي يخشاها قلبي دومًا.
يهجرنا الشتاء كما تهجر النساءُ الرجال، بذلك التدرّج المتقن.
تهتز أوراق الشجر بمداعبة النسيم، وتهتز مشاعر المرأة بلطافة التعامل.
هل تعرف هذا المشهد من أي فيلم ؟
سيارة واقفة أمام إشارة المرور، والمطر ينهمر على الزجاج. امرأة تفكر في اتخاذ قرار مصيري، ورجل بجوارها يستمع إلى أسعار الخضار عبر راديو السيارة. وفي الخارج، يقف رجل أمام السوبرماركت يبلله المطر الغزير، منتظرًا قرار تلك المرأة.
شخصيات خالدة من مشاهد محدودة
في رواية «المعطف»، قدّمت مشاهد محدودة شخصية «بتروفيتش» بوصفه أشهر خيّاط في الروايات، كما جعلت عدة مشاهد في «مدام بوفاري» من «هوميه» أشهر صيدلي في عالم الروايات. أمّا الشيخ «علي الجنيدي»، الذي ظهر في رواية «اللص والكلاب» في مشهدين أو ثلاثة، ومن ذلك الحوار الطويل الذي جمعه بسعيد مهران، فقد غدا واحدًا من أشهر الشخصيات المتصوفة في الرواية العربية.
باسم سمرة
دوره في مسلسل «عين سحرية» سيكون علامة في أدوار الشر في الدراما المصرية، إنه شرّ الرجل المنهك، شرٌّ مؤسَّس على قناعات أيديولوجية، وفيه ذلك الحس الشيطاني الذي تستلطفه، وفيه أيضًا ذلك البعد الإنساني الكامن في مجاهل تلك الشخصية. وجماليات الأداء لدى باسم سمرة تجعلنا نرحّب بمتاهات تلك الشخصية التي لا ندري إلى أين ستمضي بالمشاهد.
سطوة المديح
المغردون، عندما يمتدحون روايةً أو مسلسلًا أو فيلمًا، يحرّكون فيك من حيث لا تشعر قابليةً للتأثر بهذا المديح، فتفترض تلقائيًا أن هذا الإطراء نابع من جودة فنية للعمل. ولهذا، عندما تقرأ أو تشاهد ذلك العمل، تكون قد دخلته مهيأً سلفًا، ومتعاطفًا، ومنبهرًا، لأنك أُغرِقت برؤية تدفعك إلى التعاطي معه من باب الإعجاب.
وهذا المديح ليس بالضرورة أن يكون قراءةً واعية للعمل أو رؤيةً نقدية، فمجرد وضع صورة للغلاف، أو نشر خبر، أو اقتباس، أو عبارة عابرة، كل هذه التعبيرات قد تُصنَّف ضمن دائرة المديح للعمل.
إنك لا تسأل كيف تشكّلت بدايات ذلك المديح، ولا كيف تدحرجت كرة الثلج، وهل هي نابعة من إعجاب حقيقي، أم من مديح أصدقاء، أو مجاملات مغردين، أو حتى مديح مدفوع الثمن في حملات دعائية.
وعندما تنتهي من القراءة أو المشاهدة، قد تجد نفسك غير قادر على التعبير عن رأيك الشخصي حتى لا تبدو نشازًا خارج السرب؛ لذا يبدو لدى البعض أن الاصطفاف مع فريق المعجبين هو الخيار الأسهل.
تساؤل
هل توجد شخصية نسائية على غرار نموذج أكاكي أكاكيفيتش، بطل «المعطف»، أو جوناثان، بطل «الحمامة»، أو ستونر، بطل رواية «ستونر»، أو شبيهة برائف أفندي، بطل «مادونا صاحبة المعطف»؟
بحسب ما قرأت، لم أعثر على نموذج نسائي مماثل في هذا النوع من الشخصيات، فالشخصيات النسائية غالبًا ما تُكتب وتُرسم أطرها النفسية حول عذابات الفقد أو أوجاع يتسبب فيها رجل ما.
أما أن نجد في الروايات نساءً يمتلكن هشاشة أكاكي أكاكيفيتش، أو فردانية جوناثان، أو انغلاق ستونر النفسي، أو هامشية وعادية رائف أفندي، فذلك في حدود اطلاعي نادر أو غير متحقق بالوضوح نفسه.
ومن يتذكّر نموذجًا نسائيًا مماثلًا فليشاركنا باسم تلك الشخصية.
النهايات
في القصص القصيرة، ليس هناك أذكى من نهاية «السيدة صاحبة الكلب» لتشيخوف، وفي السينما، ليس هناك نهاية عاطفية موجعة كنهاية فيلم Last Night.