
نور الحكمة
🌍
دحو الأرض:
🌍
--------
ورد في القرآن الكريم عدة تعبيرات متعلقة بخلق الأرض:
1️⃣
التعبير الأول: الخلق:
كقوله تعالى (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) فصلت :9.
2️⃣
التعبير الثاني: المدّ:
قال سبحانه (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الرعد : 3.
(وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) الحجر : 19.
(وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ق : 7.
3️⃣
التعبير الثالث: الدحو:
قال الله تعالى (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) النازعات.
4️⃣
التعبير الرابع: الطحو:
قال الله تعالى (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) الشمس: 6.
👀
استفسار:
يظهر من بعض المفسرين أن (المدّ) و(الدحو) و(الطحو) كلها بمعنى واحد، وربما أضاف إليها (الخلق) أيضًا. وبناء على ذلك: نرجع إلى الآيات الكريمة في سورة النازعات:
(أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا).
🔸
فاستنتج البعض أن خلق الأرض متأخر زمانًا عن خلق السماء، ثم أشكل على ذلك بآية أخرى، وهي قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة: 29، فإنّ الظاهر من الآية الأخيرة أن خلق الأرض متقدّم زمانًا على خلق السماء.
🔺
والجواب على ذلك:
1️⃣
أولاً- يلزم التدقيق في الآيات الكريمة، إذ لكلمة (الأرض) وكلمة (السماء) عدة معانٍ، وليس بالضرورة أن يكون الأرض المقصودة هي الأرض التي نعيش عليها لوحدها، ولا السماء التي نراها بالعين لوحدها. ومن هنا يأتي سؤال مشهور، ما المقصود بالسماوات السبع؟
وربما (أرض) مقصودة في آية كريمة، تختلف عن (أرض) مقصودة في آية أخرى، وكذلك (السماء).
2️⃣
ثانيًا- لتقريب الفكرة: دعونا نتذكر ما يحدث عند الخبّاز:
1- يصنع العجين.
2- يكوّر العجين.
3- يبسط كل كرة بمفردها بواسطة المحور.
4- وضع العجينة المبسوطة المفرودة على صاج، أو إدخالها إلى التنور.
وبعد ذلك تصبح جاهزة للأكل.
ولذلك: الأقرب أن (الخلق)، (المدّ)، (الدحو)، (الطحو) لها معاني مختلفة، وتتحدث عن مراحل مختلفة في تكوين الأرض ونشأتها، وهو نظير ما ورد في السماء أيضًا (البناء- جعلها سبع سماوات .... إلخ).
3️⃣
ثالثًا- ليس من الضروري أن تتقدّم كل مراحل الأرض، على كل مراحل السماء أو العكس. وبالتالي مثلاً: يمكن أن تكون مرحلة (أ) من مراحل تكوين الأرض متقدّمة على مرحلة (أ) من مراحل تكوين السماء. ولكن تكون مرحلة (ب) في السماء متقدمة على مرحلة (ب) في الأرض، فتأمل جيدًا.
4️⃣
رابعًا- لاحظوا في الآيات السابقة:
(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا)
عندما يذكر القرآن الكريم (مدّ الأرض) يعطف عليها بحرف (الواو) جعل الرواسي، وهذا يظهر منه التغاير بينهما، وأنّ المدّ يختلف عن جعل الرواسي.
🌟
أما في الدحو (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) ذكرها بدون عطف على الدحو، ولعل الظاهر من ذلك أن الآيات تشرح المقصود من الدحو بأنّه إخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال، بحيث تصبح جاهزة لحياة الإنسان والحيوانات عليها. وبعبارة أخرى: الدحو هو مرحلة تشكيل التضاريس والظروف الملائمة لحياة الإنسان والحيوان.
5️⃣
خامسًا: كلمة (ثم) أو عبارة (بعد ذلك) لا تدل (بشكل دائم) على التأخير الزماني، بل ربما كان لها معانٍ أخرى.
💥
توضيح بمثال:
قال الله تعالى (هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ).
والزنيم هو من لا يُعرف أبوه، أو ابن الحرام، ومن الواضح أن هذه الصفة تكون متقدّمة زمانًا على أفعال الإنسان نفسه كالهمز والمشي بالنميم، وليست متأخرة زمانًا.
🔘
مثال آخر:
عندما تقول لابنك: (أنا نصحتك وأوضحت لك عواقب هذا العمل، ثم إن عندك عقل، وعليك الاستفادة منه في معرفة الحق من الباطل).
من الواضح أن امتلاك المخاطب للعقل ليس متأخر زمانًا عن النصيحة، ومع ذلك استفدنا من كلمة (ثم) للربط بين الجملتين.
قال الله تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)( ).
عندما يتحدّث القرآن الكريم عن قوم ملعونين على لسان الأنبياء، فمن أهداف ذلك أن نتعظ ونعتبر، لئلا نقع فيما وقعوا فيه، فنستحق نحن اللعنة كما استحقوها.
فما معنى (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ)؟
هنا معنيان رئيسيان:
المعنى الأول:
(التناهي) بمعنى الانتهاء، يقال: انتهى عن الأمر وتناهى عنه؛ إذا كفّ عنه.
ويكون المعنى عندئذ أنهم كانوا يفعلون المعصية ولا ينتهون عنها، أي لا يتوبون منها ولا يستغفرون.
فالمشكلة إذن في الاستغراق في المعاصي بدون أن يرجع الإنسان إلى ربه وإلى رشده، فيراجع نفسه ويستغفر ويتوب.
المعنى الثاني:
التّناهي: تفاعل من النّهي، أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا عن المنكر.
فالمشكلة إذن في ترك (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وهنا يُطرح سؤال:
كيف يطلب منهم أن يُنهوا عن المنكر، وهم فعلوا ذلك المنكر؟
ويجاب عليه:
أولاً: حتى من يفعل المنكر، مأمور بأن ينهى نفسه وينهى الآخرين عن ذلك المنكر، ومطلوب منه أن يصرّح بقبح ذلك الفعل، عسى أن يؤثر ذلك النهي في نفسه أو في الآخرين، لئلا تنقلب الصورة بحيث يصبح المنكر معروفًا في أذهان الفاعلين والمجتمع.
إذن المطلوب أن يبقى العاصي معترفًا بسوء عمله، وصادحًا علانية بقبح ذلك الفعل، حتى لا تسوّل له نفسه أكثر، فيرى المنكر معروفًا، ويرى المعروف منكرًا.
ثانيًا: هناك قوم لم يفعلوا نفس المعصية والمنكر، ولكن حيث أنّهم تركوا النهي عن المنكر، فاعتبرهم القرآن الكريم مشاركين وفاعلين للمنكر، كل ذلك بسبب عدم نهيهم وعدم غضبهم لغضب الله تعالى.
روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) قال: (وإنما عاب ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم، ورهبة مما يحذرون، واللّه يقول (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)( ))( ).
وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)( ) قال : (أما إنّهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم، ولا يجلسون مجالسهم، ولكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم، وأنِسَوا بهم)( ).
كما أنّ الراضي بالمعصية شريك فيها، كذلك الساكت عن المعصية شريك فيها أيضًا.
قال الله تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا)( )، علمًا أنّ الذي عقر الناقة في الخارج هو شخص واحد، ولكن الباقين إمّا راضون بذلك وإما ساكتون مداهنون، فاعتبرهم القرآن الكريم كلهم مشتركين في الذنب (بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا).
حتى نستعد لإحياء عاشوراء بمرتبة أعلى من الوعي والبصيرة، علينا البدء بالاستعداد من الآن، وذلك عبر تخصيص وقت شبه يومي للقراءة الواعية حول النهضة الحسينية، أو استماع محاضرات حسينية تحليلية مختارة.
ودمتم بخير وسعادة
٨- ذو القعدة - ١٤٤٧ هـ
الشيخ مرتضى الباشا
ينبغي أن يكون مؤذن الإعلام ومؤذن الجماعة حسن الصوت، متقن للأداء، فإنّ ذلك من دواعي الاستماع وجذب الناس إلى المسجد والجماعة. ومن المؤسف ما نراه من حرص بعض الناس وتنافسهم على الأذان علمًا أن أدائهم أشبه ما يكون بالنفخ في الصور.
7- ذو القعدة – 1447 هـ
مرتضى الباشا