
أحمد سيف
الحمد لله .. وبعد،
من شهور قريبة عاهد أحدنا ربه في ليلة من ليالي القيام والتهجد بقلب صادق ألا يعود لحياته قبل رمضان، ثم انقضت تلك الليالي وذهب نورها، فتخطفتنا الدنيا والهوى وسطوة المعاصي وتغشتنا النومة تلو النومة حتى باتت قلوبنا خاوية على عروشها الأولى.
هنا تأتي عبادات بلا قلوب وظاهر يخالف الباطن؛ ومن ثم آلام وأحزان لا يعلمها إلا الله.
فمن عجز عن الاستقامة فلا يعجز عن صدق الندم والضراعة إلى الله؛ فيستصرخ ربه؛ أن يا رب ليس لي سواك وقد أُغلق دوني كل باب فلم أعد أجد قلبي؛ فأحيه من بعد الموات وتداركني برحمة من عندك قبل فوات الأوان
الحمد لله .. وبعد،
من العادات التي تستهويني إذا ما نزل بنفسي شيء من الأحزان أو أحاطت بي صنوف من الهموم؛ أني إذا ما انصرفت من صلاة الصبح أطوف الشوارع القريبة من مسجدنا وأنظر إلى السماء.
الحقيقة أنا لا أعلم من نفسي منزلة إيمانية تؤهلني لاستمطار الرحمات بمجرد النظر إلى السماء، ولا أحسن استحضار هاته المعاني التعبدية التي يذكرها العلماء حال النظر إلى السماء من معاني الافتقار إلى رحمة الله والتأمل والتفكر؛ إلا أني أؤمل ساعتئذ وأشتهي رحمة الله بي.
ولست أملك هاهنا نصوصًا شرعية خفية أو كلمات عميقة تخفى على الناس سوى كثرة نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء حتى أن الله عز وجل وصف حاله صلى الله عليه وسلم وواساه يوم أن قلب وجهه في السماء يرجو تحويل القبلة فأتته البشرى مسطورة في كتاب رب العالمين يحملها من السماء للأرض جبرائيل عليه السلام.
لا أخفيكم؛ أكثر هذه المعاني قد أذهل عها إذا ما تغشتني الهموم؛ بيد أني إذا ما انتهيت من طواف الطرقات والنظر إلى السماء حال الإصباح؛ أعود بنفس غير التي ذهبت بها.
أردت من هذا أن أبعث رسالة لكل من أحاط به شيء من هذه الهموم أن يجرب تلك العادة فيشهد جماعة الفجر ثم يطوف حال سكون الشوارع يستقبل يومه بالأذكار والنظر إلى هذا البناء الشاهق متعبدًا إلى الله بنظره إلى السماوات
التهلكة هي أن يذنب العبد ذنبًا ثم لا يعمل بعده خيرًا حتى يهلك.
أبو عبيدة الجراح
الحمد لله، وبعد،
النقاب والمعارك الكبرى
من المعاني المتجذرة في قلبي أن ثمة معارك شريفة جدًا أحسبها لا تكاد تتكرر كثيرًا في حياة المرء.
وإحدى كبريات هذه المعارك هي تلك التي يخوضها الإنسان في أزمنة التحرر من مسلمات الاستقامة الأولى، إثر استدعاء المصطلحات الفكرية الرنانة، بل والعلمية الكبرى، والخلاص من ربقة أدبيات سلفية الصحوة وجمود القول الأوحد.
في زمن تتزين فيه صفحات الأزرق بصور المنتقبات المتناثرة هاهنا وهناك، بنقاب الزينة، والعيون المكتحلة، والأظافر المطلية، ومقاطع الظهور الملفت؛ هاهنا تأتي معركة كبرى اسمها معركة النقاب الأول، فأضحى ثبات المنتقبة اليوم واستمساكها بهذه العبادة؛ أحد أعظم تلك المعارك التي أعنيها.
تيك المعارك التي تخوضها المرأة المسلمة في زمان الاستضعاف والتهاوي في قارعة التنازلات والانتكاسات الفكرية؛ ذلك الزمان الذي تُشهر فيه رايات التوسعة والخلاف الفقهي على موائد شتى، قربانًا للخلاص من وسم التشدد والجمود الفقهي ومدرسة القول الواحد، ولامذهبية المعاصرين.
يظن كثير من الناس أن خلع النقاب هو الصورة المنفردة للانتكاس أو الحيدة عن الطريق، أو غياب قناعات الأمس القريب وضفائر الاستقامة الأولى المجدولة، في حين غفلة أكثرهم عن صورة كادت أن تكون الأشهر، وهي بروز صاحبة النقاب بأنواع من الثياب والزينة والتصدر؛ فلا يزال القلب يتشرب معاني التمرد على النقاب الأول والملاحف ذوات السواد القاتم؛ حتى تأتي الثمرة الأخيرة بهجر النقاب أو الحجاب كله.
كثيرًا ما أتخايل أن أول شهيدة في هذا الدين، سمية رضي الله عنها، لم تخض معركتها الأسطورية وكفاحها الخالد مع رجالات قريش بالحروب ولا بالنضال المسلح؛ بل خاضتها بالثبات على أمر ربها في وجوه المتجبرين.
وها هي أم غلام الأخدود تأتيها صيحة رضيعها من قلب النار، في مشهد سرمدي حفَرَته الأيام في ذاكرة نضال الثابتات: "يا أماه، اصبري؛ فإنك على الحق."
وإني لإخال أن من نساء المسلمين اليوم من تأتي يوم القيامة فتقول: يا رب، مُنعتُ ستر وجهي في الدنيا، وأوذيت، فثبتُّ وسترته فيك ولك؛ فما أسعدها يوم خوف الناس.
ولعل منهن من تأتي ربها، ويكون النقاب يومئذ أعظم أعمالها في زمان صار هجرانه من علامات فقه المرأة وإحاطتها بالخلاف العالي، فلا يغفر الله لها بصلاة ولا زكاة ولا صيام، بل يغفر الله لها بحجابها؛ فالموازين عند الله غير موازين البشر.
ولا تزال كلمات أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تزين صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يوم أن قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، شققن مروطهن فاختمرن بها.
ثم حريٌّ بامرأة مسلمة، إذا رأت أختها تختلع نقابها، أن ترحمها وتشفق عليها في مصيبتها، فلا تفتخر بفضل درجة لها، ولا تحتقر صنيعها، بل تدعو الله أن يردها مردًا جميلًا.
ثم حري بأحدنا وهو يرى تلك المشاهد أن ينكسر بذنوبه وقد علم من نفسه ما لا يعلمه الناس؛ فلا يجمع معصية وجهلًا.
وإن من علامات حماقة الرجل أن يشهد مشهدًا من تلك المشاهد، ثم يعود ليذكرنا بأن ستر الوجه من مسائل الخلاف، وأنه يجوز للمرء أن يترك قولًا لآخر بتقليد سائغ أو اجتهاد مجتهد ؛ فإن أقبح الحمق هو ذاك المتلبس بلبوس الفقه والدين.
والله المستعان.
الحمد لله .. وبعد،
تراكم الذنوب بعد مواسم الطاعات؛ الذنب تلو الآخر دون توبة ولا ندم؛ سيؤول بك حتمًا إلى نفس النتيجة السنوية إذا ما أقبلت أيام الطاعات الكبرى كرمضان والعشر: قسوة القلوب والإحساس باليأس والإحباط.
من شهور قليلة كانت لنا قلوب بها شيء من حياة إثر صيام النهار وقيام الليالي ذوات العدد؛ ثم انقضت تلك الليالي وتوارت تلك المشاعر خلف حجب القسوة والنسيان، وعدنا إلى غفلتنا الأولى والتعايش مع الذنوب دون ألم يذكر.
وخلاصة ما أود قوله: إن لتأخير التوبة اليوم والتمادي في العصيان ثمنًا مؤلمًا يتجرعه القلب لا محالة إلا من وفقه الله لتدارك نفسه؛ ولعل من أعظم وسائل الخلاص من هذه الحالة؛ الدعاء والاستغاثة بالله عز وجل
الحمد لله .. وبعد،
لعل من الرحمات المبثوثة في جنبات هذه الشريعة أن الله عز وجل جمع شتات المهمومبن والمبتلين بالذنوب وجعل لهم مخرجًا في ذكر واحد؛ وهو الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
فالإنسان إذا اجتمع على قلبه هموم الدنيا، وجراحات الذنوب كادت الدنيا أن تسود في وجهه وتضيق به نفسه وأنفاسه؛ هاهنا يرحمه الله بالصلاة على رسوله ويبشره ساعتئذ بغفران ذنبه وكفاية همه.
وهذه والله رحمة من رحمات الله بعباده المقصرين.
بل وأحيانًا يعجز الإنسان عن تجويد الدعاء وجمع قلبه عليه؛ فيهرع إلى الصلاة على نبي الله فتتابع عليه رحمات الله؛ إن أتى الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم بخشوع قلب وتصديق لوعد الله.
فدونك ليلة شريفة يتبعها يوم من أيام الله تزداد فيهما الصلاة على نبينا مزية وفضلًا ما قدرناها حق قدرها.
فاللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين صلاة تغفر بها ذنوبنا وتفرج به كربات عبادك المهمومين.
الحمد لله.. وبعد،
لي تعقيب أسوقه مختصرًا بخصوص صيام غد بإذن الله تعالي:
01- خرَّج مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في صيام يوم عاشوراء: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله..
ومن ثم تقرر عند أهل العلم أن صيام العاشر يكفر ذنوب سنة مضت.
02- يوم عاشوراء له حرمة قديمة وصومه فيه فضل مشتهر ؛ قيل: صامه نوح وموسى عليهما السلام؛ لنجاة موسى وقومه من فرعون، وورد في بعض الآثار أنه هو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي؛ بل ذكر ابن رجب أن قريشًا كانت تعظمه وتصومه في الجاهلية.
وفي مسند بقي عن النبي صلى الله عليه وسلم: يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء فصوموه.
03- أكثر أهل العلم على استحباب صومه الآن وتكفير ذنوب عام بحصوله .. وكان أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم يصومونه؛ وكانت نساء الصحابة يُصومن صبيانهن الصفار تعظيمًا لهذا اليوم.
04- وهنا مسألة في ماهية الذنوب التي يكفرها صيام عاشوراء..
هل التكفير يشمل جميع ذنوب السنة؟
الإجابة: لا!
مذهب جمهور السلف والأئمة= أن التكفير مختص بالصغائر دون الكبائر ، والمتقرر عمومًا عند عامة أهل العلم أن الكبائر تكفرها التوبة خصوصًا.
حكاه غير واحد من الفقهاء، بل حكاه ابن عبد البر إجماعًا.
ومرد ذلك عندهم إلى أن نصوص الإطلاق الواردة في صيام عرفة وعاشوراء وغيرهما مقيدة بنصوص استثناء الكبائر من المغفرة كما في الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان.
ومن ثم فهم جمهور أئمة الإسلام أن المقصود هنا: مغفرة صغائر الذنوب.
05- فإن عُدِمت الصغائر، حكى النووي عن جماعة هنا رجاء تخفيف شيء من الكبائر لا محوها بالكلية.. فشرط محو الكبائر عندهم= التوبة الخاصة!
06- ليس معنى كلامي هذا تزهيد الناس في فضل اليوم ولا تضييق واسع رحمة الله عز وجل؛ بل المقصود أن نعبد الله على علم، فتعلم أن أفضل العمل هاهنا: إقران الصوم بعموم التوبة!
وبهما يحصل بإذن الله تكفير كل ذنوب السنة برحمة الله.
يعني أمثل وأكمل ما تفعله في يوم غد: أن تستقبله بالتوبة والصيام؛ فترجو محو ذنوب السنة بمافة أنواعها صغيرها وكبيرها إن شاء الله
07- طبعًا المقصود بالتوبة، التوبة بشروطها المشهورة على وجه شرعي صحيح، لا مجرد النطق بها دون عزم القلب وتصديقه .. وجماهير أهل العلم على قبول توبة التائب إذا استجمع شروطها.
08- من تعذر عليه صوم التاسع، فليحرص على صيام العاشر ولو تعذر عليه صيام يوم قبله أو بعده، فله إفراد العاشر بالصيام دون كراهة إن شاء الله
الحمد لله .. وبعد، هل يشعر أحد منا أننا بالفعل اقتربنا من منتصف الشهر؟ أما أنا فلا؛ بل لا أزال أذكر يوم الجمعة الذي سبق رمضان بليلة واختلاط مشاعري فبه وكأنه بالأمس القريب. هل هذه المشاعر التي نعيشها اليوم وذاك الذهول من انفلات الأيام هو نفس ما يعيشه أهل القبور؟…
الحمد لله .. وبعد،
من أصاب شيئًا من الذنوب والسيئات بعد رمضان ثم بعد العشر من ذي الحجة أو وجد من نفسه قسوة وفتورًا؛ فليذكر أن له ربًا رحيمًا يقبل التوبة كل يوم وليلة، ويعفو عن السيئات صباحًا ومساءً؛ فلم يجعل الرحمة مقصورة على مواسم الطاعات الكبرى بل يبث من الرحمات ما لا يدرك كنهه بشر ولا تحيط به الكتب والمداد.
الحمد لله .. وبعد،
ها هو يومنا يحزم حقائب الرحيل فلم يبق فيه إلا بعض ساعة من نهار؛ فلم تبق إلا سويعات الافتقار .. نعم والله الافتقار إلى الله وحده.
هنا وإن ضاق الزمان، تقضى الحاجات وتُفرج الكربات لكل من أتى الله بقلب منكسر لا يرجو إلا رحمة الله .. لا يعول على عمل ولا استقامة ولا اجتهاد .. فقط يقول: ليس لي شيء أستحق به مكانة عندك اللهم إلا رحمتك وغناك وفقري إليك وعزك وذلي إليك.
الآن تُرفع دعوات القلوب المنكسرة والفقراء إلى الله المحاويج.
اليوم يوم فصاحة القلوب لا الألسنة.
قال يا رسول الله: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ؛ أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن.
رضي الله عن فصحاء القلوب ولو كانت ألسنتهم أعجمية؛ فالعجمة الحقيقية اليوم: عجمة القلب لا عجمة اللسان.
فكم من رجل عامي لا يحسن البلاغة وترتيب الكلمات بيد أن له قلبًا فصيحًا منكسرًا ، وكم من صاحب لغة لا يحسن دعوة!
من كان له عند الله حاجة فليسأله ساعتنا هذه بقلب منكسر ونفس مضطرة وفؤاد يؤمل؛ أما والله ما ظننت أن ثمة بلاغة للقلب اليوم كانكساره في محراب رب السماء.
هاته سويعات المذنبين!
أولئك المنكسربن بذنوبهم .. الذين ليس لهم كثير حسنات يتكئون عليها ولا أعمال يطمئنون إليها.
ليس لهم إلا رحمة الله!
فاللهم لا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا.
اللهم هم وقد أوشك يومنا غلى الرحيل، وليس ثم عمل لنا نؤمل عليه ولا عهد اتخذناه مطمئنين؛ فاللهم ليس لنا إلا أنت، فمن ذا الذي يا رب لجأ إليك فأسلمته، ومن ذا الذي يا رب رجاك فخذلته، ومن ذا الذي يارب جاءك مضطرًا فرددته.
يا من لا تختلط عليه الأصوات ولا تشتبه عنده اللغات، لنا حوائج حبيسة صدورنا تعلم دقها وجلها؛ فاللهم وحدك نرجو ونؤمل فاختم لنا يومنا بخاتمة السعداء المقبولين واقض لنا حوائج ونفث عن كربات لا يعلمها إلا أنت.