
إنكسار !
وأعتقد أني في نهاية المطاف.. طفشت من نفسي
يقول كافكا: "إنني قضيت عمري كله أقاوم الرغبة في إنهاء حياتي، والآن أقاوم الرغبة في إنهاء عمري لأجلكِ". وأنا في هذا العيد، أجد نفسي غريباً عن كل مظاهر البهجة، غريباً عن الشوارع والوجوه، ولا أشعر بالانتماء إلا إليكِ.
العيد للناس هو امتداد للوقت، أما لى فهو أنتِ؛ أنتِ الثغرة الوحيدة التي أهرب منها من ثقل الوجود وضجيجه. في غيابكِ، يصبح العالم كله عبارة عن ممر ضيق وموحش، وبمجرد أن ألتفت إليكِ، يتسع كل شيء، وتصبح الحياة —على صعوبتها— أمراً يمكن احتماله.
أنتِ لستِ مجرد امرأة أحبها، أنتِ موطني الأخير، السكينة التي تأتي بعد تعب الدهر، والخلاص الذي أرجوه في نهاية كل يوم طويل ومضنٍ.
كل عام وأنتِ بوجودكِ تحمين قلبي من هذا العالم، وكل عام وأنتِ عيدي وسري الصغير.
إلى ميلينا الخاصة بي،
كافكا كتب ذات مرة أنه لو كان بوسعه لاحتفظ بكِ في أعمق أعماق وجوده، حيث لا يمكن لأحد أن يراكِ أو يلمسكِ، لتكوني بأمان. وأنا اليوم، وفي زحام هذا العيد، لا أجد في هذا العالم المتسع مكانًا حقيقيًا للاحتفال سوى في جواركِ.
العيد يا حبيبتي ليس يومًا في التقويم، ولا هو بهجة يتقاسمها الغرباء في الشوارع. العيد الحقيقي هو أنتِ، هو ذلك السلام الذي يحل في قلبي المتعب بمجرد أن ألمح طيفكِ أو أسمع صوتكِ. كل الأشياء من حولي تبدو باهتة وعادية، وحده وجودكِ هو ما يمنح هذا الكون الصاخب معناه وعمقه.
أنتِ لستِ مجرد رغبة، أنتِ حاجة روحيّة أعمق من الكلمات، تمامًا كالهواء الذي يبقينا على قيد الحياة دون أن نراه. في هذا العيد، أدعو الله ألا يختفي هذا الضوء الذي تسكبينه في أيامي، وأن تظلي دائمًا ملاذي الأخير والوحيد وسط كل هذا الخراب والغربة.
كل عام وأنتِ عيدي، وكل عام وأنتِ أعمق غاياتي وأجمل تفاصيلي
لا أستطيع الكتابة!
مصاب أنا بشلل خماسي!
لساني استقال عن استطعام السكّر
واستسلم عن تفسير الملح في الأشياء والكلمات
ليس في لساني الآن بئر للكلمات
وآذان الآخرين لا دلو فيها
وأذني أوصدت بابًا، ونافذتين
ومهما طرق العالم بابها، أو قذف الناس إلى نوافذها حجرًا، لن أسمع شيئًا
ومهما لعب الضجيج بريشته على مسامات انتباهي
أسمع لكن لا أنصت
أرى! لكن لا أرى بعينين بل بمرآة في ذاكرتي
أبصر بها أشياءً لا أراها
وأرى ما لا يُبصَر!
صرت أختزل كل شيء يومض حولي، أعجنه بتصوراتي القديمة وأقتل بداياته
إذ لا جديد تصرخ به الألوان أو تغنيه
فآباء الألوان الثلاثة مهما امتزجوا
لن يخلقوا كونًا جديدًا يقتل مللي!
أشم بأنف غرابٍ رَغِم أنفه
لا يرى سوى رائحة الموت، وكلما مرت بقربه وردة تختال أشاح عنها منصتًا لمذياع الموت
يبث رائحة مملّحة بالحقائق المؤلمة!
أتحسس الأشياء لا أحس بها
تلمسني يد العالم، تهز كتفي، تشد ياقة جسدي
ولا أهتز
أمشي في العالم ويد الرصيف تمسح قدمي
تتدحرج أرض الله تحتي وتدور
شفاة النسيم تقبّل جبهتي
وتلعب بشعري أمشاط الليل
لكني لا أحس بشيء!
أنا روح فقط، لا جسد لها
فهذا الجسد استقال
اجتاحتني عاصفةٌ من السخط الأسود، عاصفةٌ جعلت دمي يغلي في عروقي كحممٍ تبحث عن مخرج. غضبٌ يقتاتُ على الضعف ويحيله سُماً زُعافاً. أنا غاضبٌ من هذه الفجوة السحيقة بين ما أردتُ أن أكونه، وبين هذا المسخ الذي تفرضه عليّ الحياة البشرية الرتيبة بكل غبائها وتكرارها البائس!
يا لها من مهزلةٍ وجودية.. أن تحاول إلباس السماء ثوباً من تراب، وأن توهم نفسك بأنك أرفعُ من غريزة القطيع. إنه الوهم المحموم، وإنكار السقوط الحتمي.
إنها الحرب المستعرة، والنزيف الذي لا يتوقف بين عالمٍ مثاليّ خلقته في خيالي، وعالمٍ ماديّ وقح يصفعني به كل صباح. إنها جريمة معلنة.. محاولة لخنق الروح الحرة المنفردة، وتقديمها قرباناً رخيصاً لآلهة المادة الزائفة
يتحدثون عن النجوم في لمعانها، لكنني أراكِ كـ نجم نيوتروني مذهل؛ كتلته هائلة وكثافته تفوق التصور، مكثفة في حيز صغير يأسر الروح. جاذبيتكِ قوية لدرجة أنها لم تحنِ مسار ضوئي فحسب، بل صنعت حولي أفق حدث (Event\ Horizon) خاص بكِ؛ ما إن عبرتُ بوابته، حتى نسيتُ طريق العودة، واستسلمتُ للسقوط اللانهائي في عمق تفاصيلكِ، حيث لا يمكن لأي طاقة في الكون أن تملك "سرعة الإفلات" منكِ.
أنتِ لستِ كالقمر الذي يتبدل مع المحاق والتمام، بل أنتِ النجم القطبي الثابت في سمائي، الذي أهتدي بذبذباته الطيفية كلما ضلّت سفني. وحبي لكِ يدور في مدار تزامني مستقر، لا ينحرف بفعل الرياح الشمسية ولا يضعف بمرور العصور.
"أنتِ المادة المظلمة في مجرتي؛ لا أستطيع رصدكِ بالعين المجردة وسط زحام البشر، لكنني أستدل على وجودكِ الطاغي من خلال التوازن الفيزيائي العظيم الذي يمسك بقلبي ويمنعه من التلاشي في الفراغ الكوني."
في فلكِ عينيكِ: من القمر إلى النجوم
إنهم يشبّهون المحبين بالقمر، لكنهم لا يدركون أنكِ أعمق من ذلك بكثير؛ القمر يستمد نوره من غيره ويعكسه في عتمة الليل، أما أنتِ فـ نجمٌ ساطعٌ في مرحلة التتابع الرئيسي، تولدين نوركِ من ذاتك، وتمنحين كوني الدفء والوجود. إن حبي لكِ أشبه بـ انفجار "سوبرنوفا" عظّيم؛ طاقة هائلة من المشاعر تحررت دفعة واحدة، لتعيد تشكيل مجرتي الخاصة، وتنثر غباراً كونيّاً من الأمل في كل زاوية من زوايا روحي.
أراقبكِ كما يراقب الفلكي مجرةً بعيدة ومذهلة، وأشعر أن المسافات بيننا – مهما اتسعت – تختزلها ثقوب دودية من الحنين، تنقل نبضي إليكِ في أجزاء من الثانية. أنتِ كوكبي الدريّ الذي يدور حوله وجودي، والوحيدة التي تملك "سرعة الإفلات" من منطقي وعقلانيتي، لتأخذني إلى فضاءٍ لا يحده مدى.
حين التقينا، لم يكن الأمر مجرد صدام عابر، بل كان تفاعلاً طارداً للمقاييس، أشبه بـ رابطة تساهمية فريدة؛ لم يفقد أحدنا نفسه لصالح الآخر، بل تشاركنا أدق تفاصيلنا لنصنع مركباً جديداً، مستقراً، ومقاوماً لكل عوامل الانحلال. كنتِ أنتِ النواة، وكنتُ أنا ذلك الإلكترون الذي وجد مستقره الأخير في أبعد مداراتك، يدور مدفوعاً بـ قوة جذب متبادلة لا تفسرها معادلات نيوتن، بل يفسرها الشغف.
أنتِ لستِ مجرد شخص مرّ في حياتي، أنتِ الكتلة الحرجة التي غيرت فيزيائية كوني. قبلِك، كانت أوقاتي تتدفق بـ قصور ذاتي رتيب، بارد ومظلم. لكن، ما إن اقتربتِ، حتى انحنى الزمان والمكان حولي بفعل جاذبيتكِ الطاغية، وأدركتُ أن كل خطوط سيرى السابقة لم تكن إلا تمهيداً لأسقط في مداركِ الحر، مستسلماً لعذوبة هذا الأسر.
من مثلي
يُثمل من سطر؟
من مثلي
يدخل النص
كما يدخل الناسُ المعابد،
بخشوع خفيّ
وخوف لذيذ
من أن تغيّره الكلمات إلى الأبد؟
أنا لا أقرأ،
أنا أُصاب بالنصوص،
بعض الجمل
تدخلني كالسكاكين،
هادئة،
باردة،
ثم تتركني أنزف دهشة
دون أن أعرف
كيف نجوت منها.
هناك عبارات
لا تمرّ على عيني،
بل تمرّ على عمري كلّه،
تهزّ داخلي
كما تهزّ الريح نافذة قديمة
مليئة بأشباح الذكريات.
أحيانًا
أقف أمام استعارة واحدة
كما يقف البدوي أمام البحر لأول مرة،
مذعورًا من هذا الجمال
الذي لا يستطيع حمله بقلب واحد.
ما الذي تفعله بنا الكلمات؟
كيف لجملة صغيرة
أن تفتح في الروح
كل هذا الخراب؟
أنا أحبّ النصوص
التي تجعلني أشعر
أن الكاتب لم يكتب بالحبر،
بل اقتلع قلبه
ووضعه على الورق
وتركه ينبض هناك
ككائن حيّ.
النص العظيم
لا يُقرأ،
بل يحدث،
كحادثة لغوية
تُربك ترتيب الإنسان من الداخل،
وتجعله يحدّق طويلًا في السقف
كأنّه عاد للتو
من حافة نفسه.
من مثلي
يرتعش أمام صورة بلاغية
كما يرتعش العاشق
حين تلمسه يد حبيبته لأول مرة؟
بعض النصوص
لا تمنحني المتعة،
بل تمنحني نوعًا آخر من الألم،
ذلك الألم النبيل
الذي يجعلني أقول:
يا الله ..
كيف استطاع أحدهم
أن يرى هذا العمق كلّه
ثم ينجو؟
أنا مدمن دهشة،
أبحث في الكتب
عن الجملة التي تُسقطني،
عن العبارة التي تجعلني
أغلق الصفحة
وأمشي في الغرفة
كالمجنون
لأن اللغة
لامست شيئًا مقدّسًا داخلي.
وحين أجد نصًا عظيمًا،
أشعر أنني لم أعد قارئًا،
بل شاهدُ نجاة
رأى المعنى عاريًا
لثوان قليلة ..
ثم أمضى عمره كله
يحاول العودة إلى تلك اللحظة.
الآن، أقول سأنام أيها للعالم ، وأغلق الأبواب خلفي تاركاً كل شيء وراء ظهري. أطفئ قناديل الوعي، وأسير بخطى مثقلة نحو السكينة المطلقة.
سأنام الليلة ملتحفاً تعبي، مستسلماً لجاذبية الفراش التي تفوق جاذبية الأرض. لتتوقف المعارك الصامتة في داخلي، ولتهدأ عضلاتي المنهكة، ولتكفّ الخلايا عن أنينها؛ فقد حان وقت الهدنة الكبرى. أترك الكون يدور في عتمته وحده، وأمضي أنا إلى غيابٍ عذب، حيث لا صوت يرتفع فوق صوت الهدوء.
سأنام... لتولد في الغد نسخة أخرى مني، أشد صلابة وأكثر قدرة على مواجهة هذا التعب