
بشرىٰ
في أي عمل قائم أو مشروع أعمل عليه أفضّل دائمًا جعل فواصل الراحة فيه زمنية مقترنة بمواقيت نشطة فعّالة، مستصحبًا فيها معنى الأفضلية والخيرية التي خصصنا بها: «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، ولعل هذا سبب رغبتي في أن تكون غالب الفواصل عندي مقترنة بمواقيت الأذان والصلوات، إذ أكون الخليفة.
للمهتمين بتدبر القرآن والاستهداء به في حقول المعرفة المختلفة، سوف يُعقد منتدى القرآن العالمي في أكتوبر القادم في دولة قطر.
فإنه ولا بد؛ أن يُخطئ الإنسان في جنب ربه، ولما كان اقتراف الذنب محتمًا على كل مكلّف بعينه ولم يكن حصرًا لفئةِ أفرادٍ منهم؛ كان هذا سُنًّة عامة في الخليقة.
وقد اتفق العقلاء أن سنن الخلق لها غايات تُقصَدُ بها، ولا يقوم لهذه الغايات غير تلك السنن.
ولا يخفى على ناظر أو مُجَرب ما يعقُب الذنب من انكسار في النفس، وضيق وكره يصيب المرء نفسه.. وظنٍ واهٍ أنه بعيد أو طريد.. وإني أرى أن هذا الانكسار أوضحُ سبيل -إن لم يكن الأقرب- في التعبّد وإلقاء السمع والشهادة بالعبودية.
وقد حصل، أن الإنسان إذا رأى نفسه في غير موطن ذنب -حتى وإن لم يكن في طاعة- فإنه يطمئن لهذا ويظن أنه الآن أقرب وفي المنطقة الآمنة.. فإذا تعرض لسماع وحي من كلام الله أو رسوله فإنه يمرُّ في أذنه كمن يسمع ترنيمة "مريحة نفسيًّا"، وقد لا ينصت متفكرًا متدبرًا.. وقد يتخذ من الوحي خلفية تشغيلية للمكان الذي هو فيه بحجة: 'هذا أفضل من لا شيء'.. لأنه يرى أنه غير مخطئ.
في حين أن العائد بنفس منكسرة بعد اقتراف ذنب يقر به، إذا كان عاقلًا فإنه يطرق السمع.. لأنه يرى أنه مخطئ. فيتحقق له من الآلاء والشهود ما لا يتحقق للأول الذي أغلق على نفسه باغتراره بانعدام خطئه.
وهذه هي الغاية التي أقصد، إن الله جعلنا نُذنب ليبقينا -إن عَقِلْنا- في منزلة العائد التائب المُقبل المحتاج الفقير.. وهذه المنزلة هي: الخيرية، ففي الحديث الصحيح: "كلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ، وخيرُ الخطّائينَ التَّوّابونَ."، وهي ما جاءت به البشائر في سورة التوبة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فافتتح بالتوبة، وجعلها باب الفضائل والرحمة..
وبلغة أهل المنطق على طريقة المقدمة المنطقية من الدرجة الأولى تتلخص الفكرة:
التوبة باب الفضائل والرحمة، ولا تكون التوبة إلا بعد خطأ وكل بني آدم خطاء.
فالنتيجة المنطقية: أن كل بني آدم واقفين على باب الفضائل والرحمة. وخيرهم من يدخل الباب، يعني من يتوب. والله يريد أن يتوب عليكم.
ومن يدخل الباب يَفرَحُ نفسُه ويفرح به ربه: "لَلهُ أشَدُّ فَرَحًا بتَوْبَةِ أحَدِكُمْ، مِن أحَدِكُمْ بضالَّتِهِ، إذا وجَدَها."، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
إن الطبيعة الإنسانية تبدأ دائمًا بحفر حفرة في الموضع الذي تنوي أن تشيّد فيه جبلًا!
ولا خلاف بين المسلمين أن جنس النساك الزهاد الساكنين في الأمصار أفضل من جنس ساكني البوادي والجبال، كفضيلة القروي على البدوي والمهاجر على الأعرابي.
قضيت مع هذه القطعة لابن تيمية فترة أقلّبها لشيء ما في نفسي، فلمحت منها أن أحد المقاصد المعتبرة في تعبدنا عند إيكال العمل والقيام به هو طبيعة التكوين الشخصي والانفعالي عند الإنسان، وكيف هي النفس بعد الامتثال، بمعنى أن القائم بالعمل مقصود كما أن العمل مقصود معتبر، فهو زهد وفاعلية، وذلك أن من الناس من يقصر به علمه ويضعف به طبعه عن مقامات الفقه في العبادة، فيظن أن غاية ما في الأمر الديني (الروبوتية) افعل ولا تفعل، وهذا جمود؛ فكان لا بد من اختبارات ضمان الجودة في التعبد التي لا تتم إلا عبر وسط اجتماعي فاعل، كالحلم وكظم الغيظ والإيثار والعدل جميعها بطبيعتها فضائل تفاعلية، لا يمكن ادعاء امتلاكها، فضلًا عن قياس نضجها إن كان صاحبها حبيس صومعة العزلة.
مفهوم الابتلاء المطروق في القرآن مفارق لما اعتادته مناطق وأفهام البشر حول الدين وموقع الابتلاء منه، والحقيقة أن هذا مأخذ يؤخذ على رجال الدين ومَن يسمّون أنفسهم وعّاظًا، مَن يطرقون هذا الباب بنبرة التمريض والتوجع ثم الترغيب وحث الناس على الاحتساب، حتى بتنا نرى أنماطًا من التدين الميت، نفوس انهزامية، رثّة الحال والهيئة، تركت الدنيا تقصيرًا وتفريطًا وانشغلت بمصابها تحت مسمى الصبر والزهد ظنًا أنها بذلك تحقق مراقي الدرجات في الإيمان، وما هو بذاك، وكأن الحياة لم يكن بدء خلقها وابتداءها الابتلاء، وشاهد هبوط أبينا إلى الأرض ما زال قائمًا فينا وفي ذريته حتى الآن.
يستعجل العبد أمر ربه في ابتلائه طبعًا وفطرة، ظنًا أنه بلغ شأوه في مصابه، وقد غُيّب عنه أن ثمّة ربوة هي مرحلة تالية لما سبق من تمزّق وتفرّق وتحمّل لازمة الوصول، يستقر عليها شاهدًا مُشهدًا ربه وحدانية تصرفه وتقديره وتسليمه له، وأن وجوده قائم بقيومية ربه، لا حاجة له فيما بقي وفيما فني، ولا يعلم ما التقدير الآتي عليه، ولا يملأه شيء سوى فراغه من كل شيء، النسيم هناك عليل وقد طاب الشهود.
فهم الدين وتلقيه وتبليغه فن من الفنون المفقودة ذات الحساسية البالغة، وذلك أن ارتباطه وثيق مع روح الإنسان وجبلّته وبيئته وأخلاقه، فيتشكل فهمه وتلقيه بحسب ما طبعت عليه النفس من فسحة أو نزق، وعليه يأخذ التبليغ شكله، ومن ثم طابعه في نفس المبلّغ إليه.
أقول ذلك لما وجدته من نَفَس بيّن في ثنايا كلمات واستدلالات بعض العلماء والمفتين وتعاملهم مع الأحكام، وكيف أن كلًا يتكلم بمرآة جبلّته وبيئته دون أن يشعر، وقد يبعد بذلك عن روح الوحي ومقاصده، وهنا مكمن الخطورة والتشوّه إذا لم يحسن التخلّص.
يمكنني إرجاع أسباب التشتت والملل وفتور قوى النفس عن العمل إلى الذهول عن الالتزام بواجب الوقت، وإدراك أن عمر الإنسان ووجوده محكوم بعمل زمني مخصوص ما دامت صفة التكليف فيه قائمة، وذلك بأن يعيش بروح الإنسان العامل وجوبًا.
وأحسب أن هذا أكثر ما لُبّس علينا بفعل طبيعة الحياة المراحلية التي نشأنا فيها وعليها والتي أنتجت لنا إنسان القطيع، الذي يعمل بالتأقيت والمكافأة وإن لم يكن فإن عُدّة عمله من نافلة العمر والوجود بدليله النفسي والهممي.