
Alternative Everything
جاء في الصحيحين عن سيدنا الفاروق رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قدم بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذ وجدت صبيًّا في السبي أخذته، فألزقته ببطنها، فأرضعته. فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟» قلنا: لا والله. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».
أتأمل أحيانًا وأنا أحادث طفلًا؛ يحدثني تارةً منشغلًا بما في يده، ثم يستلقي، ثم يقوم، ثم يحك أنفه، ثم يسرح بنظره بعيدًا متأملا ما أقول أو منشغلا عنه. فأرى الهوة بين ما أدركه أنا بالمعارف والتجارب، وبين براءته وبياض صفحاته. وأرى، وأنا أناوره الكلام، كيف يتمكن منّي عطفي عليه، ورحمتي به، ومداراة بساطته وفرط حركته، ومحاولتي لأن أفهمه وأُفهِمه. ثم أقيس ما بيني وبينه على ما بيني وبين الملك، جلّ وعلا — وله سبحانه المثل الأعلى — فإذا كانت هذه نظرة إنسان لإنسان بينهما بضع عشرات من السنين، فكيف بنظرة الرب السرمدي تبارك وتعالى إلى أحدنا؟
ليس هذا القياس على سبيل التشبيه أو التمثيل، تعالى الله عن ذلك، وإنما هو تقريب للمعنى إلى الفهم، كما قارب سيدنا ﷺ رحمته تعالى برحمة الأم، مع بقاء الفارق الذي لا يُدرَك. إنني إذ أقول أن علمي أو قوتي أو فهمي في علم الله وقدرته كالعدم، فكأنني قد أعطيت ذلك وزنًا، إذ لا لغة ولا إدراك يمكن أن يحيط بفارقٍ كهذا. وإننا جميعًا، وما أوتينا من علم وقوة، والكون وكل ما فيه إزاء خالقنا تعالى، أقرب إلى العدم منا إلى الوجود، بل لو قلت أنّا عدمٌ محض، لما شعرت أن ذلك مجاز، بل هو أشعر في نفسي بالحقيقة من المجاز.
وأتساءل أحيانًا، وأنا أقف بين يدي الملك أدعوه، أرفع يدي تارة، وترتخي تارة، وأقاوم حك وجهي تقديسًا للمقام تارة، ثم أعود فأحكه، وأسرح، ثم أستدرك، فأجمع ذهني مرة أخرى؛ هل ينظر إليّ تعالى كما أنظر أنا إلى ذلك الطفل الذي أحادثه؟ فيحلم على شرودي وشتاتي ويداري ضعفي؟
لا ينبغي أن يُفهم من هذا المعنى إسقاط وزن الإنسان، فقد شاء الله بحكمته المطلقة له أن يوجد، فخلقه وكرّمه، وخاطبه وكلّفه، وحمّله الأمانة وأُقام عليه الحجة؛ فصِغَرُه بالنسبة إلى عظمة خالقه لا يُسقط عنه قدره ولا مسؤوليته. ولا يُفهم من هذا المعنى إسقاط هيبة المقام، بل يجتمع في قلب المؤمن رجاء رحمة الله تعالى حد الشعور بالصغار والانعدام مع تعظيمه وشهود آياته في محراب الكون المهيب.
ولستُ أختزل علاقة المؤمن بربه في صورة الطفل مع الكبير، ولا أعني إسقاط تكاليف الإيمان؛ فالمرء مؤاخذ بما يعي ويدرك. وقد قرأت أن رجلًا سأل فقيهًا: ما حجمي في ملك الله، وما قيمتي ليحاسبني أو يعفو عني؟ فقال له: أرأيت لو لم يكن في ملك الله إلا أنت، أما كان ما في السماوات والأرض مسخرًا لك؟ قال: بلى. قال: فلو بعث إليك رسولًا وأنزل كتابًا، أما كنت مطالبًا بالإيمان ومؤاخذًا بالكفر؟ قال: بلى. قال: أما كان لك ساعة وقيامة؟ قال: بلى. قال: فإنك في ملك الله وحدك كالناس أجمعين. أو قريبا من هذا المعنى.
ولكن، هل يملك المؤمن إذا تأمل الحديث المتقدم، ثم تأمل جلال الخالق، إلا أن يخطر بقلبه معنىً كهذا؟ إنه، وإن كان في ملك الله كأنه الناس جميعًا، فهو في ملكوت الله كالعدم.
[2/2]
ثم مع تحول الإسقاطات لخطاب شوفيني مشترك، يفقد هذا الخطاب طابعه الانفعالي المؤقت، ويتحول إلى تصورات راسخة، فلا يعود الإنسان يرى في الآخر إلا ما أسقطه عليه، ولا يعود قادراً على تمييز ما إذا كان هذا الحكم نابعاً من واقع خارجي أو من ظل داخلي. وهنا يبلغ الطاعون ذروته، حين يتحول الوهم إلى مسلمات، ويصبح احتقار المقابل شعوراً منصفاً في نظر صاحبه.
لا ينشأ هذا المسار عشوائيا، إذ ثمة مؤثرات موجهة تستدعي هذا الظل وتوجّهه، لكنها لا تنجح إلا بقدر ما تجد من صدى يتلقاها ويبقيها حية. فالغاية هنا كشف العلل التي تسمح بهذا الاختراق، وتحميل كل إنسان المسؤولية تجاه نفسه، خصوصا النخب الصغيرة والمتوسطة الأقرب لوجدان الناس والتي بدأت تتداول مقولات ليست سوى مظلوميات ظلية متهافتة لواقع كُلّي لا يختلف في العمق في مشكلاته ولا فيما يحدق به.
عندما تقف برهة لتحضر كلاما تقوله عن هؤلاء أو أولئك، فتثبّت أنك لست مدفوعا بحمية عمياء ضد أناس هم ليسوا في الغالب إلا منك وأنت منهم، في معركة كلامية لا طائل منها إلا مفاقمة التمزق في واقع يكتنفه التمزّق أكثر من أي شيء آخر.
الخطاب الشوفيني بوصفه طاعوناً نفسياً
———
[2/1]
يستخدم كارل يونغ لتحليل اللاواعي في الإنسان ما يسميه النماذج الأولية archetypes، وهي أنماط نفسية فطرية تتجلى اطّراداً فيما نعبر عنه بتصوراتنا وسلوكنا، أحد هذه النماذج الأولية هو الظل، إذ يمثل الظل كل ما يقمعه الإنسان ويكبته في نفسه، أي الجوانب التي يخجل منها ويرفضها في ذاته سواءً لكونها تمثل انحرافاً أخلاقيا أو ضعفاً أو نقصا ما. غير أن الظل لا يبقى متواريا في اللاواعي، بل يميل بطبيعته إلى الظهور عبر آلية نفسية، يسميها يونغ الإسقاط؛ حيث يميل صاحب الظل إلى نسبة ما هو مرفوض في ذاته إلى خارجها، فيتوهّم صاحب الظل علله في الآخر.
والظل هنا ليس تفسيراً مختزلاً للسلوك بدوافع الغيرة أو الحسد كما في التشخيصات النفسية الشعبوية أو ما يسمى بعلم النفس العكسي، ولا مجرد توصيف لانفعالات سلبية عابرة، بل هو نمط أولي يفسر كيف يتشكل وعينا وسلوكنا تحت تأثير ما هو مكبوت أو مجهول داخلنا، وكيف يمكن أن تتشوه مدركات الإنسان وسلوكه حين يعجز طويلاً عن رؤية أو مواجهة إشكالاته النفسية، سواء النابعة منه أو التي يورطه فيها الواقع، وكيف يصير يسقط مناقصه على الآخرين ويضخمها ويهاجمها كتجلٍّ لكراهيتها في ذاته هو. وأخطر ما في الظل، أنه لا يُدرك في الذات إلا بعد أن يستنزف الإنسان طويلا في وهم الآخر الشرير.
يرى يونغ أن المجتمعات مثل الأفراد، لها عقل واعي وباطن لاواعي، وكما يتأثر الإنسان في وجوده بقدر من اللاواعي الفردي، فأيضاً هنالك لاواعي جمعي collective unconscious يؤثّر به ويحرّكه. ويرى أن هنالك طواعين نفسية psychic epidemics يتفشى خلالها وهم ما بين جماعة أو شعب؛ هذا الوهم يتخلّق من الأزمات الكبرى التي تثير في الناس مخاوف وتفرض عليهم حالة من الدفاعية الجماعية. وكما أن للفرد ظل، فإن للجماعة ظل مشترك كذلك يعتمل في الأزمات ويساهم في خلق طواعين نفسية أو يفاقم طواعين موجودة سلفا، وكلما خيّم الظل على جماعة كلما تضخم فيها الإسقاط، فلا يظل الإسقاط مجرد إدراكات مشوهة عن الآخر، بل يتحول لطابع دفاعي جماعي معلن. فالظل هنا نشأ عن شعور مشترك بين كل فرد في الجماعة، شعور بفجوة بين الصورة التي يحملها عن جماعته، كالقوة أو التفوق أو العراقة، وبين واقع ينازعه هذه الصورة ويشعره بالتشوش والتناقض والارتباك. هنا، يتدخل الخطاب الشوفيني بوصفه أداة إسقاط، فيحول الظل من مجرد شعور غامض إلى قضية جماعية وتصورات تعلنها جماعة ما بوصفها معبّرة عن وجدانهم وما يدينون به إزاء قضية أو جماعة أخرى، فيجد فيها أفراد الجماعة تسكيناً للغموض الذي يثقلهم وتبريراً يقيهم مواجهة أنفسهم.
هنالك ميزة خطيرة في الخطاب الشوفيني لا تتوفر في أي طاعون نفسي آخر، وهي قدرته العالية رغم هشاشته على اختراق اللاواعي الجمعي بالتدريج، مهما كان الواعي حصيناً معرفياً وأخلاقياً، فبرغم أنه ينشأ عبر صراعات سقيمة تتولاها نخب تافهة وانتهازية، إلا أنه ينتهي بابتلاع حكماء الجماعة وعقلائها؛ ذلك أن كل خطاب يوجَّه ضد جماعة ما يؤجج حميتها، والحمية ليست مجرد تعصب عادي، فهي تتجلى عبر معناها الحرفي، إنها انفعال عصبي فائر، ولكونها فائرة فهي قادرة على التحميس والتأليب السريع، لذلك هي أسرع انفعالاً للواقع من العقل والحكمة اللذان باعثهما الترّوي والبرود.
ومن يسمح لنفسه أن تنساق خلف خطابات الاستقطاب الشعبي والعرقي، تحت أي مبرر وبأي قدر، سيجدها في الأخير تهيم ضمن قطيع ضخم من الزومبي. فالشوفينية تجسيد حي وحقيقي لفكرة الزومبي، قطعان هائمة جائعة شرسة تتحرك بالغريزة لتنهش وتستمر في ذات الوجود الدوراني بلا غاية أو وجهة، فكما يهيم الزومبي مدفوعاً بجوع وهمي لا يميته بحثاً عن غذاء لن يشبعه، يهيم الشوفيني أيضا مدفوعا بالخوف من عدو وهمي لا يحاربه ويناضل ضده في معركة خيالية ذات مكتسبات خيالية، فبواعث الاثنين غريزية محضة، ومكتسباتهما وهمية.
المفارقة، أنه كلما كان الآخر قريباً في الأصل، كان أمثل في استيعابه لإسقاطات الظل، لأن القريب من جماعة ما يشبهها بما يكفي ليحمل ظلها، ويختلف عنها بما يكفي لتنكره وتتمايز عنه، فيضخّم التشابه الإسقاط بدل أن يحجّمه، ويجعل الشوفينية أكثر حدةً.
وفي ظل أجواء عامة يغلب عليها القلق أو الشعور بعدم الاستقرار تتسارع هذه العملية، ويصبح الخطاب الشوفيني وسيلة سهلة لتفريغ التوتر، لا لأنه يفسر الواقع تفسيراً دقيقاً، بل لأنه يمنح شعوراً سريعاً بالتماسك، نحن-مقابل-هم. ومع هذا التقسيم، يُعاد بناء العالم في الإدراك بطريقة مشوهة تُخفف العبء الداخلي، ولو بشكل مؤقت.
يقول لنا التاريخ الجيوسياسي لفلسطين منذ عصور ما قبل الميلاد إلى عصرنا هذا أمرًا جوهريًا ينبغي ألا ننساه أو نتناساه، وهو أن حُكم بيت المقدس طالما كان التتويج للهيمنة على أقاليم الهلال الخصيب وما حولها، أي أنه المنتهىٰ لا المبتدىٰ.
مرحلة العشرينات في هذا العصر هي مرحلة الالتحام بالذات، مرحلة أن تنظر لنفسك بعين نفسك، أن تشعر في كل سنة منها أنك كبرت لا سنة واحدة بل سنتين وثلاث، تشعر بذاك شعوراً حقيقياً تحسه يسري في كل ما تكابده من مواقف وخواطر وأفكار.
وأخطر ما في العشرينات أنها منحنى الفتوة الصاعد، أي أن المسؤولية والاعتداد بالذات والاستقلالية في النظر للأمور وكل سمات الرجولة النفسية والجسدية تبدأ تتأجج وتفرض نفسها على الإنسان وتظهر عليه. ولأنها كَذا، عالية التوتر، فإن ذكرياتها ومواقفها وأزماتها، إن لم تنعجن بالذات، فستنعجن بالنظرة للذات، وكل ما يجره الإنسان من عشريناته، سيرافقه لسنوات طويلة، فليست الثلاثينات سوى ظل العشرينات.
وقد يُقال أن كل عقد في العمر هو ظل الذي قبله، لكن إن كان الإنسان يعذر نفسه على طيشه وحماقاته في عقده الثاني لكونه لم يستوِ بعد، فإن قدرته على معذرتها تتضاءل كلما كبر ولربما اختفت هذه القدرة في بعض مراحل العمر وزواياه، ذلك لأن كل فعل أو رد فعل كان قد صدر بوعيٍ حذر وإرادة فتيّة يصعب معها أن تُتّهم النوايا في وضوحها وإصرارها.
وإن كان من وصايا تجنّبه تكاليف العشرينات، فهو أن يعلم أن كل ما يفعل، واعيا به كان أو أرعناً، قاصدًا أو مستهتراً، يرتدّ على نفسه وهمّته، وأن الأخذ من الآن هو أخذٌ من المستقبل، وأنْ لا شيء يمضي سُدىً، فعبثه بسريرته وخباياه هو تخريبٌ لصفاءِ نظره لنفسه والناس والقضايا والوجود برمّته، وإرباؤه بها عن مواطن الخنا والريبة يزيده صفاءً وحكمة.
فلا يستنزف فتوّته في لهوٍ أو عشق وصبابة، وأن يعرف أنه بقدر ما يصّعَّد فيما يُحسن من عمل أو صنعة بقدر ما يفرّغ نفسه مستقبلاً لأمور أجلّ، فالجِد كل الجد في الكسب والترقّي مجالات الاختصاص هو مناط العشرينات، وليجهد أن يتزوج مهما بدا الأمر صعباً ومتعسّرًا، فالزواج يسكّن النفس ويغلق عليها كثيرا من أبواب العبث ويؤجج فيها المسؤولية والرجولة.
إن من الأسلم للإنسان أيّاً كان سنّه أن يعذر نفسه حالما يدرك مثالبها، والإنسان السويّ يُهدَى آخراً لعذرِها مهما طال عذلهُا، ولا مدى ولا عمر ولا حال تقف عنده رحمات المولى وهداياته، والكل قد أصابه شيء من غبار العالم ووحله، لكنّه يوفّر على نفسه الكثير من اللوم والانهيارات عندما يأخذ عمره بجد ويحذر من أن يضخّم عليها في مصارع الحق أو عند شيبتها هامش العار والندم.
يغيب عن كثير من الواقعيين وهم مستميتون في التأكيد على واقعية الأحداث وتقريع الفكر المؤامراتي مهما كان معتبراً، أن الاستغراق في الواقعية لا يقل إشكالاً عن الاستغراق في المؤامرة، كل ما هنالك أن هؤلاء توهموا أن كون الظاهر ظاهراً يكفي لبناء تصور واقعي لكل هذه…
لا أمعن صقلاً للنفس من الفقد، إنه التجربة الحق إذا ما كان الحديث عن تحولات الإنسان؛ والفقد مراتب، فليس الفقد بالهجر أو السَّأْم مثل الفقد عنوةً بالموت، فإن كان الأول يحطّم في النفس حواجبها عن حقائق الحياة، فإن الآخر يحطم فيها حواجبها عمّا وراء الحياة.
إنَّ موتَ صفيٍّ أو حبيب هو اللحظة التي يمتد فيها البرزخ إلى جوف الدنيا ويتلاحم بها تلاحم الغروب بالأفق، اثنان، لكنهما واحد. وبذا تتأجج حياة الإنسان، إذ لم يعد حيّاً في وجودٍ واحد، بل في وجودين معاً، يحس هذا ويشعر بذاك.
وحده الفقد بالموت يجعل ما وراء الدنيا أمراً مدرَكاً بالقدر الذي يبعث في الحياة معناها الحقيقي، معنى أنها ليست سوى غشاء أحلام يتلاشى طبقة طبقة كلما اقتربنا من الموت؛ أو على الأقل، بالقدر الذي يحجّم فيها الأوهام لأحقر ما يمكن، ويضعُ النفس موضعَ الحق مهشّماً فيها كل ما غذاؤه الأنانية والغطرسة من مزاعم ومطامح وآمال.
هنالك لحظات يقف فيها المؤمن أمامَ آيات الكون، فتتنزّل عليه رحمة من لدن الملك تبارك وتعالى، تكشف عن بصيرته حُجُبَ الاعتياد، وتحيلُ صدرَه فضاءً يجري فيه الجلال مجرى النَّفَّس، ثم يتأجج ما يجد، فلا تسكّنه الزّفَراتُ إلا تسبيحاً، فما يفتأ أن يزداد ما يراه جلالا.
هذه اللحظات، التي تأتي خاطفةً في الغالب، هي اصطفاءاتُ رحمةٍ من الودود، ينتشلُ بها العبد من غمراتِ الحياة ويرفعه عالياً إلى مقامات الملكوت، ويذيقُه شيئاً خالصاً من لذَّةِ الإدناء، كأنَّ ذا الجلال والإكرام يستخلصه لنفسه من كل الوجود في لحظةٍ خاطفة تذكيراً له بالأصل، بالمسكن الحق، بذاته تقدّس وتبارك وتعالى؛ وهو يأخذُه بها على حين غفلة دون أن يتكلّفها أو يستشرفها، لتكونَ ألذّ وأمعنَ اجتذاباً من الدُّنيا ونوازعها.
يصف الجيوستراتيجي جورج فريدمان شخصية الولايات المتحدة بأنها مراهقة، إذ أن المراهق يتسم بالثقة المفرطة والشعور الدائم بالقلق؛ والمراهقة في هذا السياق، ليست حالة نفسية فردية، بل مرحلة سياسية–حضارية تكون فيها الدولة قوية جداً لكنها قلقة وغير مستقرة من الداخل، إذ تملك الولايات المتحدة قدرة هائلة على الفعل، لكنها لا تملك الخبرة الحضارية الطويلة التي تمنح قراراتها توازناً ثابتاً، فيظهر سلوكها الخارجي مزيجاً من الحسم والاضطراب، وهذا التداخل بين القوة الكبيرة والقلق العميق هو ما يقصده فريدمان بوصف المراهقة.
يربط فريدمان هذه المراهقة بالمرحلة الأولى من المراحل التاريخية للدول: البربرية (تليها الحضارة ثم الانحلال)؛ فالبربرية هنا لا تعني الهمجية، بل تصف مرحلة حضارية يَعتبرُ فيها أصحابُ حضارةٍ ما أعرافهم وقيَمَهم مسلّمات كونية الخارج عليها خارج على نواميس الكون، إما أن يُستتاب أو يُقتل. بذلك يمكن اعتبار المراهقة طوراً من أطوار المرحلة البربرية.
هذا التشخيص لا يصدر عن تأمل مرسل أو انفعالي، بل عن استقراء جيوسياسي أكاديمي معتبر، وهنا تكمن خطورته. فالنظام الدولي الحديث حالة طارئة على التاريخ، الاكتفاء برصده بالمنظور الكلاسيكي لصعود وهبوط الإمبراطوريات يُعد قصورا منهجياً، بل هو منظومة وحدات متداخلة تتجاذب بعضها البعض صعودا وهبوطا. لذا، فتشخيص أمريكا ينسحب إلى حد كبير على كل قوى هذا النظام.
العالم اليوم لا تقوده قوى ذات شخصية حضارية واضحة؛ فمعظم القوى الدولية بعد الحرب العالمية الثانية أُعيد إنتاجها أيديولوجياً وسياسياً بوصفها قوى جديدة أكثر من كونها جزءاً من تسلسل حضاري. وبهذا، نحن أمام عالمٍ من القوى الطارئة، أو «المراهقة» بتعبير فريدمان؛ عالم لا تديره عقول واتجاهات حضارية حقيقية، بل مسرح تتصارع فيه قوى متخبطة وجودياً لم تكتمل تجربتها الحضارية بعد، إن كان لها أي روح حضارية حقيقية، إنهم مراهقون بربريون يتنازعون شكل العالم القادم.
"الكذبة تلف نصف العالم قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها."
- مارك توين
———
قبل عشر سنوات، ظهرت نظرية صُنِّفَت مؤامراتية، اسمها الإنترنت الميّت Dead Internet Theory، تقول إن معظم المحتوى على الشبكة لم يعد من إنتاج بشر حقيقيين، بل من روبوتات تولّد مشاركات وتعليقات ومحتوى وهمي لأهداف سياسية أو استخباراتية أو تسويقية إلخ، وكان لأصحابها أدلّتهم. وكالعادة، انبرى الواقعجيون وسخروا منها واعتبروها أحد أشكال بارانويا المؤامرة؛ اليوم، بعد التطور الهائل المتصاعد أُسيّاً في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تبيّن أن أصحاب نظرية الإنترنت الميت كانوا - على الأرجح من دون قصد - يستشرفون واقعًا قريبًا، عالمًا رقميًا مكتظًا بالمحتوى المصطنع، أجساد وأصوات وصور بشرية وطبيعية لكنها بلا أصل إنساني أو طبيعي.
في العقود الماضية، كانت الأكاذيب تُروَّج عبر الدعاية أو الإعلام أو الإشاعات، وكانت مناورة الكذب ممكنة ولها نطاق عقلاني وآليات عقلانية، وكانت هذه المناورة تحتّم أن ينقسم الناس لفريقين، فريق الحقيقة وفريق الكذب، ويخوضون معارك فكرية وعلمية بالبراهين والأدلّة؛ أما اليوم، وبالتدريج، يصبح كشف الكذب مستعصياً بدون أنظمة الكذب نفسها، أي أن تقنيات الكذب صارت هي السبيل الوحيد لكشف الكذب، وبالتالي فإن النضال في سبيل الحقيقة، على الأقل في سياق الإنترنت، يصير بالتدريج أشبه بإخماد النار بالقش، عملية عبثية لا نهائية.
تُنتَج الأكاذيب اليوم وتُضَخ آليًا بسرعة وبطُرُق تفوق قدرة الإنسان على التمييز، ناهيك عن أن يكون له طاقة بمجاراة هذا الطوفان المخيف من الزيف. لقد صارت تقنيات توليد النصوص والصور والفيديو قادرة على بناء سرديات وروايات متكاملة بوجوهٍ وأصوات لا وجود لها في الحقيقة، وبقوة اختلاق ترعب الراصد بتطورها السريع الذي يضاهي الحقيقة أكثر كل يوم.
لقد أصبحنا أمام إنترنت ميّت بالفعل، ليس بالضرورة لأن معظم محتواه متولّد من روبوتات وبرمجيات، بل لأن الحدود فيه بين ما هو حقيقي وما هو مختلق تختفي شيئاً فشيئاً. اليوم تكاد لا تتصفح الإنترنت بشكل عابر دون أن تتساءل أكثر من مرة "هذا حقيقي أم مخلّق بالذكاء الاصطناعي". كل هذا، والذكاء الاصطناعي ما زال يُعتبر في المهد.