
أفكار وأسْمَار
من طُغيان المادية على النفوس تصوُّرُ كثيرٍ من الناس أن مفهوم " الرزق " منحصر في الأشياء المادية المحسوسة التي ترجع إلى المال، والنفوذ، والجاه، والمناصب؛ حتى إنهم بشكل لا شعوري إذا دعَوا أو دُعي لهم بسعة الرزق أو سمعوا هذه الكلمة تنصرف أذهانهم تلقائيا إلى هذه الأمور.
ولا شك أن هذه الأشياء من الرزق، ولكنه غير منحصر فيها، بل هو أوسع من ذلك، وإذا تأمل الإنسان في حاله وانعتق قليلا من أسْر المادية وجد في نفسه من النعم ما لا يُحصى، وأكثرها أمور معنوية داخلة في مفهوم" الرزق " ولكنه لاعتياده عليها وإلْفه لها لا يشعر بها، مع أنها من أعظم النعم.
فراحة البال رزق، والشعور بالأمان والراحة مع من تُساكنهم رزق، وطاعة أولادك لك فيما تحب رزق، ووجود الزوج أو الزوجة الصالحة المُحبّة رزق، وكونك تصحو من نومك لا تشكو أرقا ولا تعبا ولا وجعا، وكون جميع أعضائك سليمة وعاملة، كل هذا من الرزق، وتحت كل جزئية من هذه الجزئيات تفاصيل كثيرة لا تنحصر، ولهذا قال الله عز وجل " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".
بل إن الأمور المادية تكتفي الشريعة فيها بالتبلُّغ والتزوُّد بما يسُدُّ الحاجة فقط ويُغني عن مسألة الناس، وكثيرا ما كانوا يخافون من سوء العاقبة إذا انفتحت عليهم الدنيا وبُسِط لهم فيها، ونبَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الغِنى غنى النفس، وأنَّ مَن بات آمنا في سِرْبه، مُعافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حِيزتْ له الدنيا بحذافيرها، وكان يدعو في دُبر كل صلاة:" : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ عَمَلٍ يُخْزِينِي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ صَاحِبٍ يُرْدِينِي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ أَمَلٍ يُلْهِينِي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ فَقْرٍ يُنْسِينِي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ غِنًى يُطغيني".
وبالطبع ليس المقصود هو ألا يدعو الإنسان بالمال الحلال الواسع أو نحو ذلك، ولكن المقصود ألا يغفُل عن ترتيب مراتب الأرزاق وألا ينسَى ما أُوتِيه منها، حتى إذا حُرم من بعضها لحكمةٍ يعلمها الله = أعرَض ونأى بجانبه.
واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طبيبَ القلوب، فأتى على ترتيب الأطباء.
وترتيبُهم أن الحالَ إذا أمكن إصلاحُه بالغذاء لا يستعملون الدواء، وما أمكن إصلاحُه بالدواء الضعيفِ لا يستعملون الدواء القويَّ، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكَيِّ، وقيل: آخِرُ الدواء الكيّ.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أولاً أمر القلوبَ بذِكر الله فحسب فإن (بذكر الله تطمئنُّ القلوب) كما أن بالغذاء تطمئنُّ النفوس، فالذكرُ غذاءُ القلبِ، ولهذا قال أولاً: "قولوا لا إله إلا الله"، أمرَ بالذِكر لمن انتفع مثل أبي بكر وغيره ممن انتفع، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليلَ، وقال: (أولم يتفكروا) (قل انظروا) (أفلا ينظرون) إلى غير ذلك، ثم أتى بالوعيد والتهديد، فلما لم ينفعْهم قال: أعرضْ عن المعالجة، واقطعِ الفاسدَ لئلا يُفسِدَ الصالحَ.
- الإمام الرازي-
"لا تيأس من قَبول عملٍ لم تجِد فيه وُجودَ الحضور، فرُبَّما قُبل من العمل ما لم تُدرَك ثمرتُه عاجلاً":
أي: إذا لم تجد العلامة على قَبول العمل، التي هي حضور قلبك فيه مع الله تعالى بأن تلاحظ أنك حاضر بين يديه، فلا تيأس من قبوله؛ فإنّها علامةٌ، والعلامة لا تطَّرِد؛ لأنه رُبّما قُبل من العمل ما لم تُدرَك ثمرتُه: أي علامةُ قبوله عاجلاً، وإنّما الشَّرطُ في القَبول: الإخلاص، أي قصْد وجه الله تعالى بالعمل.
وأمّا الحضور بالقلب واستلذاذه بالطَّاعة ووجدان حلاوتها، فهي علامات لا شروط.
- الحكم العطائية وشرْحها للشرنوبي-
فإن قال قائل: إذا كانت المقدمات ضروريةً صادقةً والعقول مشتملة عليها، وهذا الترتيب الذي ذكرتموه في صورة القياس أيضا واضح، فمن أين ثارتِ الخلافات بين الناس في المعقولات؟!.
قلنا: إنما كان ذلك لقصور أكثر الأفهام عن مراعاة الشروط، ومَن يتأمَّلها لم يتعجَّب من مخالفة المخالف فيها؛ لا سيما وأدلة العقول تنساق إلى نتائج لا يُذعِن الوهمُ لها، بل يُكذِّب بها، لا كالعلوم الحسابية؛ فإن الوهم والعقل يتعاونان فيها، ثم مَن لا يعرف الأمور الحسابية يعرف أنه لا يعرفها، وإنْ غلِط فيها فلا يدوم غلطُه، بل يمكن إزالتُه على القرب، وأما العلوم العقلية فليس شأن الخائضين فيها هكذا.
- الإمام الغزالي-
وفي البخاري عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه كأنّه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه اهـ.
ولا يُفهم من هذا أنّ استنارة وجهه خاصةٌ بوقت السرور؛ لأنَّ أصلها ظاهر في كل وقت؛ لأنَّ نورانيته ﷺ ذاتيّة لازمة، وكمالها وتمامها خاصٌّ بوقت السرور.
وهذا أمرٌ معروف في كل حُسنٍ يتجلّى تمام حسنه عند السرور، وقد دخل ﷺ على عائشة وأساريره تبرُقُ – أي يلمعُ منها شبه البرق – فقالت: يا رسول الله أنت أحقّ بقول أبي كبير الهُذَليّ في ربيبه تأبّط شرّا:
وإذا نظرتَ إلىٰ أسرّة وجهه
بَرقَتْ كبرقِ العارِضِ المُتهلّل
وهـذا أصلٌ - كما قال القاضي أبو بكر بن العربي في (سراج المريدين) - في قلب المعنىٰ الحسن وأخذِه من غير حقه ووضعه في حقه، وكان ﷺ يُعرف غضبُه ورضاه في وجهه لشدّة صفاء بشرته وقوة نورانيته.
- من شرح جسوس على الشمائل-
وفي البخاري عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه كأنّه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.اه.
اعلم أنّ تشبيه بعض صفاته ﷺ بنحو الشمس والقمر، إنّما يصحّ على ضربٍ من التّجوّز، بل هما اللّذان يُشبَّهان بنوره ﷺ؛ إذ الأضعفُ هو الذي يُشبَّه بالأقوى.
وما يقع في المديح من تشبيهه ﷺ بالشمس والقمر والسراج؛ فالمراد منه التمثيل بأحسن ما يُعرف في الوجود، وإلّا فهذه الأضواء به استنارت، فهي كالفروع ونورُه الأصل، وهي المتأخرة ونورُه الأول، وهي التي تطرأ عليها الطوارئ، ونورُه المصون المحفوظ منها، بل هو الذي يَجِلّ عن البقاء على حاله إذ لا يزال يتزايد ويستفيض.
- من شرح جسوس على الشمائل، بتصرف-
" قد نرى تقلُّب وَجهِك في السماء" أي عَلِمْنا سؤالك عما لم تُفصِح عنه بلسان الدعاء، فَغَيَّرْنا القِبلة لأجلك، وهذا غاية ما يَفعل الحبيبُ لأجل الحبيب.
كل العبيد يجتهدون في طلبِ رضاي، وأنا أطلبُ رضاك " فلنُولِّينّك قِبلةً ترضاها".
- الإمام القُشيري-
وفي حديث عائشة: " ما أرى ربك إلا يُسارِع في هواك".
قال الحافظ ابن حجر: أي ما أرى الله إلا مُوجِداً لِمَا تريد بلا تأخير، مُنزِلًا لِما تُحِبّ وتختار.
في " إنباه الرواة" للقفطي، قال:
" شاهدتُّ على نسخةٍ من كتاب "إصلاح المنطق"، يقرُب أن يكون بخط المَعرّيين، أن الخطيب أبا زكريا يحيى بن علي بن الخطيب التّبريزي قرأه على أبي العلاء، وطالبَه بسنده متصلاً، فقال له:
إن أردتَّ الدراية فخُذ عني ولا تتعدّ، وإن قصدتَّ الرواية فعليك بما عند غيري". اه
وقد كان لأبي العلاء رواية لبعض كتب اللغة وغريب الحديث إلا أنه لم يكن مُكثِرا، وكان انصرافه إلى العلم وتحرير المسائل، فهو من العلماء الشعراء، أو من الشعراء العلماء، وليتَ هذا المبدأ الذي اتخذه المعريّ يسُود في هذه العصور التي غلَب فيها على طلاب العلم السعيُ واللهث وراء الإجازات من غير دراسة حقيقية للعلم، حتى يحضُر بعضهم الدروس وينام فيها، وينتظر يوم الإجازة، ليكتب على الفيسبوك أجازنا شيخنا، وقرأنا على شيخنا، وهو لا يعرف شيئا.
من العناوين المُوهِمة: كتاب مناقب الأئمة الأربعة، للقاضي أبي بكر الباقلاني، فكثيرا ما يُظن أن هذا الكتاب في فضائل الفقهاء أرباب المذاهب السُّنية الأربعة، وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، رحمهم الله تعالى، وقد رأيتُ بعض الأفاضل يَعرض هذا الكتاب ظانًّا أنه في هذا الغرَض، في حين أن الكتاب يتحدّث عن مناقب الخلفاء الراشدين الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، رضي الله عنهم، فهم المقصودون بالأئمة في سِياق هذا التأليف، فالكتاب يُعدّ من كتب علم الكلام وخصوصا ما يتعلق بمبحث الإمامة، ومن اللافت للنظر أن الباقلاني ذهَب فيه إلى عدم القطع بتفضيل أحد الأربعة على غيره، قال:" والأمة لا تنكر أن تكون أفعال الأئمة الأربعة متقاربة عند الصحابة، ولذلك لم يُجمعوا على تفضيل واحد منهم، هذا أقرب إلى الصواب وأقدرُ على الاحتجاج". اه.