
بـين ـ أروقة الكُتب "اليمن"
كلُّ احتمالاتِ الهزيمةِ مُمكِنةْ
فاربَح جنودَك
إن خسِرتَ الأحصِنةْ
وامنَح جُنونَك عُزلةً أُخرى
وهَب رئتيك حُزناً آخراً
لِتُدخِّنَهْ
الموتُ ركعتُك الوحيدةُ
لا تمُت
وإذا اضطررتَ فواقِفاً كالمِئذنةْ
والليلُ منفاك الطَّويلُ
فلا تخُن منفاك
ماذا لو يظنُّك موطِنَهْ ؟!
جافاك مضجعُك القديمُ
وخانك الخِلُّ النديمُ
وأوحشتك الأمكِنةْ
تمتدُّ وحدَك مثل جُرحٍ
تنزوي كالجُرحِ
تأتيك الجِراحُ مُلوَّنةْ
لا وحيَ يُقرِئك السَّلامَ
ونصفُك الباكي نُبوءاتٌ
ونصفُك شيطنةْ
فاركُض برُوحِك نحو مديَنها
كما مُوسى
مضى رُوحاً فلاقى مديَنَهْ
واحمِل على إيمانِك الدُّنيا
وإن صعُبَت
تكُن في عينِ قلبِك هيِّنةْ
قد تُبصِرُ النَّبعَ الغزالةُ
في اللظى
لو أنَّها بالنَّبعِ حقَّاً مُؤمِنةْ
والنَّاسُ يا بنَ النَّاسِ
جمٌّ شرُّهُم
فإذا جنَيتَ الشرَّ فاختَر أهونَهْ
وعليك إن غُمَّت مودَّةُ صاحبٍ
اترُكهُ للأيامِ تكشِفُ معدِنَهْ
وأطِلْ جفاك تُهَبْ وجانِب تُجتَنَبْ
وازهَدْ بلومِك خشيةً أن تُدمِنَهْ
فالحُرُّ لن تلقاهُ مُنكسراً
على حَدِّ الأسِنَّةِ
بل بحدِّ الألسِنةْ
واهجُر أخا الفحشاءِ
واقطَع كلَّ من آخاهُ
إنَّ الفُحشَ عدوى مُزمِنةْ
عند الشَّدائدِ مُطمئِنَّاً كُن
فلا تقسُو الرِّياحُ
على الغُصونِ الليِّنةْ
لا بأسَ بالخوفِ القليلِ
فرُبَّما
بلغَ المُسافرُ بالمخاوفِ مأمَنهْ
يا أيُّها الولدُ المُسافرُ بالسُّرى
أتغارُ من نهرٍ يُقبِّلُ سوسنةْ ؟
نامَت حبيبتُك
التمس لك دمعةً
ما للهوى نومٌ عليك ولا سِنةْ
ستُحِبُّك امرأةٌ غداً وتخُونُها
فاعذُر هواك
ولا تقُل : ما أخونَهْ
لا حُبَّ إلا ما انكسرتَ بهِ
فلا تذهَب
سُيرجِعُك الحنينُ لِتحضنَهْ
عُدْ وانكسِر
عُدْ وانتظِر
عُدْ وانتصِر
كلُّ احتمالاتِ الهزيمةِ مُمكِنة
_وليد الشواقبة.
من أجمل المفارقات التي لاحظتها في رواية واحة الغروب للروائي بهاء طاهر، حرصه على انتقاء مفرداته حين يصف التراب. هذه المادة التي تبدو ساكنة تحت أقدامنا، لكنها ساحرة في خصائصها، واسعة في ما تمنحه من شعور خالص. تأمل اللغة حين تُنصف المادة، فلا تختزلها في مفرد واحد، ولا تتعامل معها بوصفها شيئًا متشابهًا لا اختلاف فيه. إن ثراء العربية في وصف الأرض مدهش إلى حد يستحق التوقف عنده.
فالتراب في العربية ليس مفرد واحد، بل تتعدد أسماؤه بتعدد صفاته، وتختلف مفرداته باختلاف نعومته وخشونته، وصلابته ورطوبته.
وبعض هذه الأسماء حضر في القرآن الكريم محملًا بدلالات الخلق والتحول. فنجد التراب في قوله ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ﴾، والطين في قوله ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، ثم الحمأ والصلصال في قوله ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾؛ والحمأ هو الطين الأسود المتغير، والصلصال هو الطين اليابس الذي يُسمع له صوت إذا نُقر عليه.
ونجد الصعيد في قوله ﴿فَيُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، والصعيد وجه الأرض، والزلق ما كان أملس لا تثبت عليه قدم. وهكذا لا تكتفي العربية بتسمية الأرض، بل تصفها حتى في أدق أحوالها.
ثم تتسع المفردات لتشمل الحصباء والحصى، والغبار، والدقعاء، والسبخة، ولكل منها هيئة ودلالة. فإذا أردنا وصف الأرض بحسب رطوبتها وجدنا الطين والوحل والثرى، ذلك التراب الذي أصابه البلل، وإذا انتقلنا إلى وصف تضاريسها وطبيعتها وجدنا البيداء والفلاة والمرج والغيضاء والروضة والسهل والصخر والقفر.
وحتى الرمل، حين أراد القرآن أن يصور انهيار الجبال وتبدد صلابتها، قال﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾. والكثيب هو الرمل المجتمع المرتفع كالتل، والمهيل هو الرمل المتساقط الذي ينهار بعضه فوق بعض.
تأمل المفارقة، الجبال التي طالما بدت رمزًا للثبات والرسوخ، تنتهي إلى كثيب من الرمل، لا يمسك بعضه بعضًا، ولا يملك أن يقاوم الانهيار.
بالنسبة للعوام (التراب) مجرد كلمة، لكن اللغة أنصفته، عالمًا كاملًا من الاختلافات والتحولات في مفرد واحد.
_سحر سلطان.
"لم أفهم معنى ذلك الموت، لا أفهم معنى للموت، لكن ما دام محتّماً فلنفعل شيئاً يبرر حياتنا. فلنترك بصمة على هذه الأرض قبل أن نغادرها."
من رواية واحة الغروب، الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008. من أجمل الروايات التي قرأتها مؤخرًا. وكلما قرأت عملًا للروائي بهاء طاهر، وجدتني عاجزة عن المفاضلة بين كتبه أو تحديد أيها أكثر جمالًا.
رواية ساحرة، وأعتقد أنها من الأعمال التي أنصفت الصحراء أدبيًا. لم أقرأ وصفًا لها يماثل هذا الثراء منذ قراءتي (من أنت أيها الملاك) لإبراهيم الكوني، الروايتين تلتقيان في قدرتهما على تحويل الصحراء من امتداد جغرافي شاسع إلى عالم نابض بالحياة والدلالات.
واللافت في واحة الغروب، أن القارئ الذكي سيدرك أن الواحة نفسها دلالة رمزية أن المكان، الذي يبدو بعيدًا عن العالم ومنقطعًا عنه، يتحول إلى مساحة تكشف الإنسان أمام نفسه، وتناقضاته.
"أسيرُ على معراج العِزَّة في كلِّ مَرّةٍ أبني فيها الحدود بيني وبين الآخرين؛ ذلك أنَّ العمقَ جوهرٌ عظيم لا ينبغي أن يُكْشَف لأيِّ إنسان تلتقيه، بخلافِ السطح الذي يُعدّ -بالأصل- واجِهةً للجميع. إنَّ حدودي كأسوار المنازل المنيعة، لا يجترئ أن يدخلها اللصوص، وضعاف العقول."
لا ينضج المرء بالنصائح، لا ينضج بالمواعظ، لا ينضج بتجارب الأخرين، ينضج المرء حين يقطع الفقدان جزءًا من قلبه، وينحني ظهره من خذلان أحبائه، وتتسيد التجاعيد ملامحه من قسوة التفكير، وتتهاوى طاقته ويصبح هش بـجسد هزيل من الركض في الطرق الخاطئة، ينضج المرء حين تقتطفه الحياة من جذوره.
جوزيه سارماغو
تُهدَر أصالتك حين تنتظر جزاءً لخيريَّتك، وحين تُسوِّغ أخطاءَك، وحين تقارن نفسك بغيرك، وحين تصدِّق أحكام الآخرين تجاهك، وحين تشرح نفسك وتعدِّد محاسنك إلى مَن يعرفك -حق المعرفة- ولا يعترف بك، الأصالة أن تكون أنت بمناقبك ومثالبك من دون صوت، الأصالة أن تعرف من تكون.
_نورا الطوالة.
أزعجتني العصافير
وتسألني في القطارِ الذي يقطعُ الليلَ
سيدةٌ قابَلَتْنِي
: أليسَ لك اسمٌ؟
فيذهبُ بي صوتُهَا في السؤالِ
فهلْ كلَّمَتْنِي؟!
وهل كانتِ الأرضُ تُطوى
أَمْ الريحُ صَوْبَ نهاياتِهَا صَوَّبَتْنِي؟
أقولُ: ولا شَغَفٌ بالطريقِ،
ولا قلتُ إنَّ السما أعجبتني.
أأَزْعَجَكَ العابرونَ؟
: نعمْ
والعصافيرُ في عُشِّهَا أزعجتني
ولا شيءَ مما أرى
يلمسُ الروحَ
لا صَخَبُ البحرِ فوقَ الشطوطِ،
ولا صورةُ القمرِ المستكينْ
سأنفضُ كفيَّ من كلِّ شيءٍ
وأغسلُ قلبي من الآخرينْ
دَمِي
لشحوبِ المصابيحِ في الشارعِ الجانبيِّ
دمي للغروبِ الحزينْ
دمي للندى في خيالِ الحديقةِ
أما الحنينْ!
فللنارِ تأكلُهُ،
أو لأربابهِ العاشقينْ
وأما الطريقُ.. فللضائعينْ
وأما أنا
فأنا في مواجهةِ الكلِّ وحدي!
أنا ضدُّ كلِّ السلالاتِ،
ضدُّ خطى البشريةِ قبلي،
وبعدي،
وضدي،
وضدُّ ملامحِ وجهي،
ورائحتي،
وكلامي…
وليسَ أمامي سوى ما يُعكِّرُ صَفْوِي،
وما يحجبُ الشمسَ عني
فماذا تريدونَ مني؟!
لَكُمْ أتركُ الأرضَ مائدةً للسكارى
ووحشًا تروِّضُهُ آلةُ الحربِ والتكنولوجيا
وأتركُ لونَ الفراشاتِ للكاميرات
وأتركُ ليلَ المدينةِ للغرباءْ
سأعملُ في آخرِ الرملِ
حارسَ أزمنةٍ من زجاجٍ
وأختارُ من حكمةِ الظلِّ
أن أتقمَّصَ دورَ الصدى
في كهوفِ النداءْ
سأعملُ في أزرقِ البحرِ
أحملُ لونَ السماءْ
وأقرأُ سيرتَهَا في البكاءْ
كأني تعبتُ من الأرضِ،
واستبقتني خطايَ إلى آخرِ الطرقاتِ،
فماذا على جسدي غيرُ أن يتناثرَ كالثلجِ
تحتَ عيونِ النوافذِ،
أو يتكوَّرَ في حِجْرِ سيدةٍ،
أو يسيلَ دما؟!
ستصطادُنِي نجمةٌ
في سكونِ القرى،
نجمةٌ لا تُرى
في الطريقِ إلى البيتِ
تصطادُني ربما...
_حسن عامر.