
اَلْفُتُوح اَلسَّكَنْدَرِيَّةِ فِي دُرَرِ اَلْمَكْتَبَاتِ اَلْأَلْمَانِيَّةِ
اُعلن اليوم عن نتائج جائزة (حمد للترجمة والتفاهيم - الدوحة) وكان من الفائزين فيها:
مركز نماء ممثلا في الأستاذ المجتهد الخلوق محمد محسن. ومركز نماء يكفيه اسمه، وهو أشهر من أن يُعرف به عربيا، وفخر للباحث العربي أن تخرجه في بضعة أماكن منها نماء. ومنها الخلوق المتواضع د. محمد عبدالعاطي، وهو صاحب خلق ودماثة وصبر وجدّ على العثمانية وتاريحها الطويل الضارب في أوطاننا.
ومنها البروفيسور يانس شاينر (Jens Scheiner) وهو مشروفي في أطروحة الماجستير، ولأني على علم كبير بالرجل ولأنه غير معروف عربيا فأحب أن أُعرف به في ترجمة في مختصرة، أما نماء ود. محمد فلا أظن أن أحدًا منهما بحاجة لمزيد تعريف عربيا.
بروف شاينر هو مشرفي في موضوع رسالة الماجستير (وموضوعها في تاريخ صدر الإسلام وبناء المصادر المفقودة مع تطبيق على سيرة الإمام العدل الثقة موسى بن عقبة المدني [ت.141هـ] يسرّ الله أمرها وطبعها العربي قبل الدكتوراة إن شاء الله في الإسلام المعاصر) ... وقد كتبت معه بحثا في مسكوكات ثورة الزنج وتحليلها المادي على ضوء المرويات التاريخية (ضمن مشروع للمسكوكات بين قسم الدراسات الإسلامية وقسم الأركولوجيا) وآخر عن مناظرات الباقلاني في القسطنطنية حول المسيح والمسيحية.
وشاينر هو أحد أهم تلاميذة موتسكي، أمثل من اهتم بدراسة الأسانيد من المستشرقين (كتب رسالته للدكتوراة معه في هولندا). وشاينر اختصاصه الأكبر التاريخ الكلاسيكي للإسلامي ومصادره، وبخاصة مدينتي العلم والعلماء في الإسلام ... دمشق وبغداد.
فعن بغداد له كتاب رائدة عن بغداد وتاريخها حتى القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، وله عدة دراسات حول بغداد ومؤرخوها، والخلفاء العباسيين، والحالة الاجتماعية والسياسية والعلمية والجغرافية في بغداد وله كتاب عن فتوح الشام (دراسة نقدية للمصادر). وله دراسة افدت من منهجيتها كثيرًا عن فتوح الأزدي، وهي حول كتاب فتوح الأزدي تتبع مخطوطات الكتابات والنقولات اللاحقة عنه والدراسات حول الكتاب، ويبدو لي أنه كتبتها بعد السنوات الخمس التي ترجم فيها كتاب تاريخ الأزدي للإنجليزية وفحص جُل ما يتصل به (وقد فاز بالجائزة عن ترجمته لهذا الكتاب). وله دراسة عن مكتبة ابن عساكر الشخصية جمعها مما حدث به ابن عساكر من الكتب في أسانيده في تاريخ دمشق.
وإذا أردت أن احصر اتجاهات البحث عن البروف شاينر فهي مجالات ثلاثة. 1) التاريخ وما يتصل به، وهو باب اجتهاده واشتغاله وله دربة في أسانيد كُتب التاريخ وعمل على نقدر المصادر. 2) الإسلام في فترة تكوينه وتأثره بالعصور القديمة المتأخرة (خاصة تأثر الإسلام بالمسيحية) وله مشروع كبير يقوم عليه في هذا الباب، وسمعت كثير مما فيه فما أقنعتني الحُجج العلمية التي في المشروع وقد قرأت كتاب د. سامي عامري (وهو خريج أمريكا في النقد الكتابي) عن (هل القرآن الكريم مقتبس من التوراة والإنجيل؟!) فما رأيت حجة أو إنجيل منحول فيه شبهة اقتباس ولا مخطوطة عبرانية فيها شبه اقتباس (بمعنى التعلم من مسيحيي الجزيرة) إلا وتتبعها ونسفها برأيي القاصر (على أن هذا المشروع بروف شاينر هو الذي يديره أما العاملون فيه ففريق كبير). 3) المصادر والممارسات العلمية في تاريخ الإسلام الكلاسيكي بعموم، وخاصة بغداد، وله في ذلك عدد من الأوراق المنشورة.
خبر جميل بفوز ثلاثة ممن جمعتنا بهم صداقات أو مواقف إنسانية أو صلات علمية: نماء (المكان الموقر بفريقه) ود. محمد عبدالعاطي (الخلوق المتواضع) وبروف شاينر (المستشرق الغارق في التاريخ).
الحمد لله وحده، وصلني اليوم بالبريد عضوية أقدم جمعية ألمانية للدراسات الشرقية (1845م)، فرع: الدراسات الإسلامية/دراسات الشرق الأوسط [بالتسمية المكملة من السبعينات]. وهي جمعية (DMG : Die Deutsche Morgenländische Gesellschaft)، أو ما عُرف في الكتابات العربية…
الحمد لله وحده،
وصلني اليوم بالبريد عضوية أقدم جمعية ألمانية للدراسات الشرقية (1845م)، فرع: الدراسات الإسلامية/دراسات الشرق الأوسط [بالتسمية المكملة من السبعينات].
وهي جمعية (DMG : Die Deutsche Morgenländische Gesellschaft)، أو ما عُرف في الكتابات العربية التي أرّخت للاستشراق الألماني – كبدوي والعقيقي – بـ (الجمعية الشرقية الألمانية). وهذه الجمعية، منذ أواسط القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين [وحتى الحرب العالمية]، نشرت كثيرًا من الدراسات القوية جدًا وأخرج أعضائها ذخائر من التراث الإسلامي، التي جعلت للاستشراق الألماني سمعته الجيدة التي ما زال يعيش عليها في أوروبا والعالم العربي على حد سواء، خصوصًا في مجلتها التي تصدر حتى الآن [zdmg]، وكثير من هذه الدراسات مجهول إلى الآن [عربيا وأوروبيًّا]. ثم إن هذه المجلة [أعني zdmg] كانت من أكثر ما طالعت في عام 2022م، ففي هذا العام جردت كثير من عناوينها المتصلة بالدراسات العربية [أو بالأحرى اللغويات المقارنة لأنها تخصص القوم في ذلك الوقت] والدراسات الإسلامية [خاصة ما اتصل بالسيرة والتاريخ ثم القرآن والتحقيق، ولم يعجبني أغلب ما طالعت فيما اتصل بالسيرة (سوى التحقيق) والقرآن].
وهذه العضوية الأكاديمية الرابعة التي أحصل عليها والحمد لله، وهذا ليس شيئًا كبيرًا، فالحصول على العضويات الأكاديمية أمرٌ ميسور عند من تأهل له وسعى له من الباحثين، لكني أُحدّث بهذه العضوية بالذات لسببين.
أما الأول، فهو كثرة قراءتي في مخرجات هذه الجمعية قديمًا.
وأما الثاني، فلأن من شروط العضوية في هذه الجمعية أن يُزكيك ورقيًّا أستاذان في مجالك تكتب أسماؤهم، وقد كتبت أسماء عدد من الأساتذة الذين درست معهم ولم أخبرهم بطلب التزكية، ثم وصلت تزكياتهم، ولا أعلم من هم بالضبط، ولا أريد أن أعلم أيضًا، والفضل كله لله، والحمد لله رب العالمين.
اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب انصر أهل غزة، وعوِّضهم عمَّا لاقَوا جنَّتك ونعيمك يا رب العالمين. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
من أظرف السيمنارات التي درستها هذه السنة سيمنار عن عُملات الخلفاء من الأمويين للعثمانيين. وهو سيمنار مشترك بين تخصص التاريخ الإسلامي في معهدنا ومعهد دراسات الآركيولوجيا والآثار المسيحية. ويقع هذا الفرع ضمن ما يسمونه (التاريخ المادي) وهو الذي يُبالغ فيه المستشرقون أحيانا (بعضهم وليس جميعهم) حتى يعتبرونه أعظم أدلة التاريخ، وهو مثله مثل غيره من قرائن التصحيح ودلائل الترجيح، وليس ما وُجد فيه هو الفصل دوما في المختلف فيه، وكم طُويت آثار تاريخية للأمم والشعوب وبقيت أخبارها ناطقة في الكتب!
قُدر لي حضور هذا السيمنار والذي حضرت فيه أفضل تدريب عملي في مجال لم أكن أعرف فائدته على وجهها حتى دخلت فيه، وتدربت عمليا على يد إحدى أمهر أستاذات المجال. وعمليا هنا = ندخل المعمل/المتحف ونحلل المسكوكات ونراجع بياناتها على المراجع.
كم هو بديع أن تبحث عن عصر عبد الملك بن مروان في كتب التاريخ وتجد سطر "وضرب في جند أجنادين كذا وكذا من الدراهم بحمص" ثم تبحث تصنف المسكوكات فتستخرج بعض هذه المسكوكات والدراهم ضربها عبد الملك في حمص، أو في بعلبك، أو في دمشق، أو في حلب، أو في منبج، أو في أنطاكية!
تجد ذلك، ثم تُراجع البلاذري أو الطبري أو ابن الأثير أو ابن عساكر فتجده يقول: وضُرب في عصر فلان كذا وكذا، وضُرب في مدينة كذا باسم القاضي فلان (التنوخي مثلا)، فتنظر في مسكوكات المدينة فتجد حرف الـ[ت] والذي يرمز إلى توقيع القاضي (التنوخي) على السكة! تكامل مبدع، لمن يحب الرواق! وكم حدثني المتخصصون في المجال أنهم صوبوا (أو رجحوا) معلومات تاريخية ذُكرت في الكتب التاريخية بهذه الدراسات المادية المكملة.
كانت هذه هي أول مرة أفحص مسكوكات أو أراها في الطبيعة دون صور، والطريف أنني رأيت هذه المسكوكات في مجموع أوروبي جمع دراهم ودنانير وفلوسًا (جمع فِلس)، والآن هذا المجموع في طور تصنيفه ودراسته وإتاحته للباحثين.
وأما علم الآثار والسِكة الإسلامية (المسكوكات) فكانت أول معرفتي الحقيقية به من صديق غرفة تعرفت عليه العام الماضي في مؤتمر الدراسات المملوكية الذي تعقده مدرسة الدراسات المملوكية التاربعة لجامعة شيكاغو ضمن مؤتمرها السنوي، والذي عُقد العام الماضي في دار الآثار الإسلامية في الكويت، وكان صاحبنا أتم الدكتوراة في الآثار المادية للإسلام وعلى مدار أسبوع سمعت منه حكايات لا تنتهي عن هذا العلم، وكان ورقته عن آثار بناء وقفية (على ما أذكر) في عهد نور الدين محمود، وقد تعرف على تاريخ حاكم المدينة من آثار الوقفة التي حُفظت لنا للآن. وقد صادف ذلك عندي، أني وقتها كنت أسمع سلسلة صلاح الدين للشيخ أحمد السيد، وكان ثلثها الأول عن نور الدين محمود وعصره، وكنت أقول: كم في التاريخ من زوايا لا تنتهي!
ولعل لي عودة أوسع للحديث عن هذه التجربة وفائدتها العملية لاحقا إن قدر الله وأعان.
.
الصورة من المجموعة التي نعمل عليها وهي مجموعة تضم 3500 مسكوكة عربية في ولاية سكسونيا السفلى بألمانيا. وهذه الصورة لفلوس (جمع فِلس) ضربت في صدر الإسلام في عصر الأمويين، وفيها تطور الضرب ظاهر جدًا، بداية من الأشكال البيزنطية الصِرفة، إلى صورة القيصر البيزنطي مع الصليب/الصُلبان، ثم بداية دخول بداية الكلمات العربية (طيب - جائز - جيد ... إلخ)، وحتى استبدال صورة القيصر بصورة عبد الملك بن مروان (خليفة زمانه) وتوسع الضرب في بلاد المسلمين في ذلك الزمان (بلاد الشام)، ثم استبدال صورة عبد الملك بـ "لا إله إلا الله وحده" (على وجه) وسورة الإخلاص (على الآخر) مع بقية الأشكال المميزة للختم، ثم تعريب العملة كاملة (حوالي 72ل 76هـ). حتى جاء العباسيون واستبدلوا سورة الإخلاص بـ "محمد رسول الله" بالشكل المعروف على راية العقاب. أما العثمانيون، فلم نصل إلى دنانيرهم ودراهمهم بعد :)
رأي غير مألوف (Unpopular opinion) في ترجمات الدراسات القرآنية الغربية للعربية.
قرأت كثير من مقالات وكتابات المستشرقين عن الإسلام الكلاسيكي (القرآن والحديث والتاريخ وعلم الكلام وتاريخه وبقية علوم الإسلام) فكان فيها فوائد مختلفة، لكن كان أبعد هذه الكتابات عن الإسلام وأقلهم فائدة وأكثرهم تشويها = الكتابات التي تتصل بكتاب الله سبحانه وتعالى ثم التي تتصل بأصول نقل الحديث النبوي.
نتاج المستشرقيين عن القرآن (أو ما يسمى بالدراسات القرآنية) مشوه جدا، لا يجمع جامع، وليس هناك منهج يؤطرها ألبتة حتى وصفها أحد متخصصهم بأنها "دراسات الاضطراب المنهجي".
وكل ما يكتبه المستشرقون عن البلاغة القرآنية والتفسير واللغة وقت نزول الوحي = لا يضاهيه ما كتبه المسلمون في ذلك.
ثمة باب واحد يمكن أن يستفاد منه في هذا الباب استفادة كبرى، ألا وهو المقارنات بين اللغات السامية التي يعقدوها للنصوص ويتتبعوا بها أصول اللغات القديمة، وهذا وإن كان الباب الأكبر الذي يفيدون به فهو عين الإشكال لأسباب كثيرة ليس هنا محل بسطها، لكن أبسطها أن أحد الدوافع التي تشوه البحث أحيانا = بحث كثير منهم عن الأصول المسيحية المقتبسة في القرآن (والآن زد عليها البيزنطية والساسانية إلخ). ولا يقصد بذلك ما في المسيحية من شرائع أقرها الإسلام، وإنما ما اقتبسه محمد ليبني به دينه الجديد. وهذا لعمري ضرب من الخيال لا علاقة به بمحمد وسيرته وما جاء به بيضاء نقي، صلى الله عليه وسلم.
أقول ذلك كله لأقول أني -من حيث الأصل- اتوجس من كل كتاب يترجم يتصل بالدراسات القرآنية لهذا السبب، حتى نرى الكتاب على حقيقية وعمل المترجم فيه، وكيف وضعه في سياقه. على الرغم من أهمية كثير من نتاج هذه الكتاب، ووجود مترجمين في هذا الباب يشهد لهم بالكفاءة.
وأتوجس أكثر وأكثر مما يسمى دراسات "المنهجيات الغربية للدراسات القرآنية" والتي كثير منها لوغرتيميات لا يجمعها جامع لاضطرابها في نفسها وبعدها عن النص القرآني الصافي الذي أرسله الحكيم الخبير، وليس لقلة العلم في ذاته...
ولا شك أن ثمة فوائد في هذه الكتابات، لكن الأمر على ما ذكرت، ويحتاج لخريت يغربل المعلومات التي يتلقاها غربلة ولا يسلم بكل ما يقرأ، خصوصا إن لم يكن متخصصا (أو على الأقل على علم) بكيف يبحث في كتب الساميات والكتب القديمة وإن لم يكن متقنا للغاتها!
.
تتمة: هناك محاضرة للدكتور عبدالرحمن حللي في أسمار وأفكار عن الدراسات القرآنية في الغرب قد تفيد في ذلك، وهي في التعليق الأول.
من ظريف صنيع المستشرق ألفريد فون كريمر [1828-1889] أنه لما حقق كتاب المغازي للواقدي وطبعه الطبعة الأولى في مدينة كلكتة في الهند عام 1856م، كتب سنده إلى الكتاب بعدما عثر على نسخة فريدة منه فاعتبر نفسه يرويه وجادة ثم أجاز من قرأ الكتاب بتحقيقه، فقال بعدما وصل إلى آخر راو للكتاب -أبو الحسن بن الطراح ت 584 هج- قال:
رواية الخواجة المحترم ألفريد ذي كريمر النمساوي -أيده الله- وجادة عن ابن الطراح ... وبعد تعداد نسخ هذا الكتاب بالطبع أجاز الخواجة المذكور ما فيه من الأحاديث والأخبار لكل من قرأه.
"والحق أن هلموت ريتر كان محقا في تعليقاته حول جودة ترجمتي لرسائل الحارث المحاسبي، فلا يمكن نقل النصوص حرفيا إلى لغة أخرى ... ومثل هذه الإشكاليات في نقل النصوص بين اللغات المختلفة تعد أمرًا مألوفا قديما وحديثا. ونرى ذلك النقد اللغوي قد وجه للمهاجرين الألمان الذين استبدلوا لغتهم وكتبوا باللغة الإنجليزية، ويمكننا -في هذا السياق- مراجعة القراءة النقدية القاسية التي كتبها هاملتون أ.ر جيب - Hamilton. A. R. Gibb (1895-1971م) لترجمة فرانز روزنتال - Franz Rosenthal (1914-2003م) لمقدمة ابن خلدون. وحتى من كان من الألمان يتحدث الإنجليزية كأهلها مثل جوستاف إي. فون غرونيباوم - Gustave E. von Grunebaum (1909-1972م) اُنتقد أيضا من الأمريكان بسبب طريقته الفيبرية [نسبة لماكس فيبر] في الكتابة وتفكيره السيسولوجي، والذي يقلل من القدرة على فهم مراده.
وقد عاينت أنا نفسي مثل ذلك. فقد صُدمت عندما تُرجم بحثي الذي كتبته بالفرنسي (Prémices de la théologie musulmane) إلى إنجليزية أمريكية، وذلك أن ترابط وتكثيف الجمل المتقن في الفرنسية قد فُرق بين المقاطع القصيرة في الإنجليزية، وأُزيلت الجمل الاعتراضية بالكلية ومُزجت مع الجمل الأساسية، حتى شعرت -على المستوى الشخصي- بأن المستوى الفكري للنص أصبح سطحيا جدًا. أما المتحدثون الأصليون بالإنجليزية من الأمريكان كان لهم رأي آخر، فقد أكدوا لي أن هذه هي طريقة كتابتهم في لغتهم خلف المحيط الأطلسي، وأن النص أصبح أسلسل عليهم في الفهم بهذه الأسلوب من الكتابة. كان هذا الأمر تنبيها هاما بالنسبة إلي إلى عدم ترك الكتابة بلغتي الأم قدر الإمكان، حتى وإن اعتقدت أنني أتمكن من اللغات الأخرى (وبالفعل أنا أعرف عدد منها)"
.
يوسف فان إس في ذكرياته حول كتابته للدكتورة في فكر الحارث المحاسبي، وقد تعنى فان إس غاية العناء في نقل فكر المحاسبي للألمانية كما يظهر من مذكراته الطويلة حول هذا الأمر ومحاولة إتقانه له، وقد ذكرني كلامه بكلمة قالها روزنتال في مقدمة كتابه "العلم في تجل"، قال: "... كل كلمة مترجمة هي كلمة مشوهة... ".
والأمر نفسه ينطبق بالضرورة عند الترجمة للعربية، خاصة في حقل الإسلاميات، فهو حقل استقرت مصطلحاته العربية أكثر من أي حقل آخر في العلوم الاجتماعية بل إن الترجمة في هذا الحقل هي ترجمة وتحقيق، أو هي ترجمة استرداد -كما يصفها بعض الباحثين- لمفاهيم تراثية مكتوبة بلغة أجنبية لتكتب بلغتها الأصلية تارة أخرى.
والله أعلم
الحمد لله وحده،
يتوفر في معرض القاهرة إن شاء الله هذا الكتاب الذي صدر حديثا عن النبوات -وما أعظمه من موضوع- والمعنون بـ (لبنة السماء - دراسات حول مناهج علماء المسلمين في تأصيل نبوة محمد ﷺ) وهو كتاب جماعي قام بالمشاركة فيه باحثون متخصصون مشهود لكل واحد منهم في تخصصه.
وثقافة الكتب الجماعية الجادة -للأسف- شبه مُغيبة في وطننا العربي، والكتاب ثمرة مبادرةً من مركز تأسيس باركه الله والقائمين عليه.
قد ساهمت في هذا الكتاب بفصل عن ورقة مترجمة من الألمانية بعنوان (محمد والقرآن - النبوة والوحي) للألماني يوسف فان إس، ترجمةً وتعليقا. وكانت التعليقات كاشفة لبعض ما اكتنف النص من الغموض لتلبسه ببعض الألفاظ اللاهوتية المسيحية. إذ كُتب النص في سياق سجالي مسيحي ضمن موسوعة (المسيحية وأديان العالم) والتي حررها (هانز يونج). وكتب فان إس فيها خمس مقالات في أبرز ما يُمايزه عن المسيحية، وهي:
- محمد والقرآن - النبوة والوحي.
- السنة والشيعة - الدولة، الفقه، والثقافة.
- صورة الله والتصوف الإسلامي، صورة الإنسان والمجتمع.
- الإسلام والأديان الأخرى، المسيح في القرآن.
تعيد الورقة رسم صورة نبوة نبينا محمد ﷺ، وخطأ المسيحين عند النظر إلى سيرة محمد ﷺ عبر تصورهم الأُلوهي لنبي الله عيسى عليه السلام، كما تتبع أصول العداء المسيحي لشخص نبينا محمدﷺ نتيجة جهالات الرهان به في العصور الوسطى ونسجهم أساطير الضلال حوله ﷺ، وكيف أن بشرية محمد ﷺ هي أكبر دلائل صدقه، وكيف أن معجزته باقية بيننا إلى اليوم وهي القرآن الكريم.
وهذا الحوار من حوارات فان إس القليلة التي خاضها بها مجال (مقارنة الأيان) وقد ألتفت بعض الباحثين العرب هذه المقالات وأشاروا إليها ضمن ما جمعوه من جهود فان إس في هذا الباب (أعني باب مقارنة الأديان) وقد وقفت -بعد ترجمتي للنص- على دراستين حول هذا الأمر هما:
- السيد الشاهد، المسيحية والإسلام من الجوار إلى الحوار، القاهرة، دار الأمين، 2001م.
صباح كامل عرموط، الإسلام والمسيحية في عصر الرسالة من منظور المستشرق يوسف فان إس وهانز كونع، بغداد، بيت الحكمة، 2021م.
وإني لأشكر أخي البحاثة علاء عوض عثمان جهده الحثيث ودأبه الكبير لفكرة هذا الكتاب ابتداءً، ثم جمع الباحثين، وتجميع النصوص وتحريرها ثم العناية بها حتى النشر، فضلا عن جهده الشخصي بالتأليف والترجمة، وهو -مع ذلك- لم يطله طائل شيء سوى محبته للعلم والأجر من عند الله سبحانه وتعالى.
ومن نافلة القول أني وإن كنت نشرت عن الألمانية بعض النصوص العلمية المحررة من قبل، إلا أن هذا النص هو أول نص علمي أترجمته عن الألمانية من الجهة الزمانية، وقد أُرجئ نشره حتى أذن الله بخروج هذا الكتاب، وضُم اسمي إلى جوار هذه الباحثين المشاركين فيه وأنا من أقلهم منزلة ومقاما.
.
خاتمة تعقيبية:
فإني -والله الذي يعلم صدق الحالف به من كذبه- استحي غاية الحياء من كتابة أي شيء في هذه الأحداث إلا ما أتصل بالمدافعة والإصلاح والمقاومة وما نحن فيه من جسد واحد، وهذا أقل القليل. فإن الحديث حديثهم لا حديثنا، والنصوص الصادقة هي ما يُسطرونه، والميدان ميدانهم، وإنما حياتنا كلها هامش على متن ما يفتدونا به من أرواحهم. وإني أشهد بأن جهد واحد منهم فيما هم فيه خير من مليء الأرض من عمل عامل مثلي. وقد حُق للواحد منهم أن يقول:
لِتَعلَمَ مِصرُ وَمَن بِالعِراقِ
وَمَن بِالعَواصِمِ أَنّي الفَتى
لكن يشفع لي -وكل من شارك في هذا الكتاب إن شاء الله- أن الكتاب عن نبوة نبينا محمد ﷺ، وإخوانه من الأنبياء. وأني -وكل من شارك في هذا الكتاب إن شاء الله- ممن يحبهم ويتولاهم ويناصرهم ولو بكلمة أو بشطر كلمة، وعسى الله أن يجعل نصرتنا لهم بما هو فوق ذلك بكثير.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم..
الحمد لله وحده، صدر هذا الكتاب الجماعي الذي بعنوان (لبنة السماء - دراسات حول مناهج علماء المسلمين في تأصيل نبوة محمد ﷺ).
وقد ساهمت في هذا الكتاب بفصل عن ورقة مترجمة من الألمانية بعنوان (محمد والقرآن - النبوة والوحي) للألماني يوسف فان إس، ترجمةً وتعليقا.
وتفاصيله بالأسفل
👇