Select your region
and interface language
We’ll show relevant
Telegram channels and features
Region
avatar

قناة الإنصاف والعدل(١):

elincaf210374
مصدر التلقي( النص والإجماع والقياس) منهج الاستدلال(فهم السلف الصالح)
Subscribers
1 030
24 hours
10
30 days
-20
Post views
71
ER
5,53%
Posts (30d)
62
Characters in post
3 355
Insights from AI analysis of channel posts
Channel category
Religion and Spirituality
Audience gender
Male
Audience age
35-44
Audience financial status
Middle
Audience professions
Research & Academia
Summary
April 29, 09:21

صفة الصفوة(٣٧٨/١) [ابن الجوزي]:
ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز ابن عبد العزى
١٧٩- محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز ابن عبد العزّى
ابن عامر بن الحارث بن حارثة ابن سعد بن تيم بن مرة يكنى أبا عبد الله أمه أم ولد.
عن الزبير بن بكار قال: جاء المنكدر بن عبد الله إلى عائشة أم المؤمنين فشكا إليها الحاجة فقالت: أول شيء يأتيني ابعث به إليك فجاءتها عشرة آلاف درهم فقالت: سرُعَ ما امتحنت به يا عائشة. ما امتحنت به يا عائشة وبعثت بها إليه فاتخذ منها جارية فولدت له بنيه. محمداً وأبا بكر وعمر. وكلّهم يذكر بالصلاح والعبادة، ويحمل عنه الحديث.
وعن أبي معشر قال: دخل المنكدر على عائشة فقالت: لك ولد؟ قال: لا. فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك.
قال: فما أمست إلا بعث إليها معاوية بمال فقالت ما أسرع ما ابتليت، وبعثت إلى المنكدر بعشرة آلاف فاشترى منها جارية فهي أمُّ محمدٍ وعُمر وأبي بكر.
قال الشيخ رحمه الله: وإنما شكا المنكدر إلى عائشة للقرابة التي بينهما فإنه من ولد حارثة بن سعد بن تيم، وأبو بكر رضي الله عنه من ولد كعب بن سعد بن تيم.

April 28, 22:49

شرح حديث (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب استحباب الترتيل في القراءة.
حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني عاصم بن بهدلة عن زر عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها)].
قوله: [باب استحباب ترتيل القرآن] هذه الترجمة فيها أن ترتيل القرآن مستحب، وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أنه لا خلاف بين أهل العلم في جواز قراءة القرآن بدون ترتيل ولكنه مع الترتيل أفضل، وصنيع أبي داود هذا يدل على أن ترتيل القرآن مستحب، حيث بوب بالاستحباب ولم يبوب بالوجوب، فأورد حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: [(يقال لصحاب القرآن: اقرأ وارتق)] يعني: في الآخرة.
قوله: [(ورتل كما كنت ترتل في الدنيا)] هذا هو محل الشاهد.
قوله: [(فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)] هذا في الآخرة، ومن المعلوم أن ذلك مثل التسبيح وغيره مما يلهمه الناس وليس تعبدًا، وإنما يتعبد بقراءته في الدنيا، وإذا انتقل إلى الآخرة فله بالحرف الواحد عشر حسنات.
إذًا: هم في الآخرة يلهمون التلاوة ويلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.
وقد ذكر الخطابي وغيره أنه جاء في بعض الأحاديث (أن عدد آي القرآن على قدر عدد درج الجنة، ولكن لا نعلم شيئًا عن هذه الأحاديث التي أشاروا إليها، وهذه الأحاديث التي أشار إليها الخطابي أشار إليها صاحب عون المعبود، لكن لم يذكرا من خرجها ولا درجتها ومنزلتها، ولا وجودها في أي مؤلف، لكن ذكر الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٥/ ٢٨٣) أن هذا الحديث هو عند ابن أبي شيبة، وذكر أن إسناده ضعيف.
قوله: [(يقال لصاحب القرآن)].
صاحب القرآن هو الذي يقرؤه ويعمل به وليس الذي يقرؤه فقط دون أن يعمل به؛ لأن القرآن يكون حجة للإنسان ويكون حجة عليه، ومن لم يعمل بالقرآن فإنه يكون حجة عليه، كما قال ﵊: (والقرآن حجة لك أو عليك) والحديث في صحيح مسلم، وهو من أحاديث الأربعين النووية، وفي الحديث الآخر حديث عمر في صحيح مسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين).
أما اشتراط الحفظ في هذا الحديث فلا يوجد شيء يدل عليه، فيمكن أن يكون ذلك بالحفظ ويمكن أن يكون بغير الحفظ، لكن لا شك في أن الحفظ له ميزة؛ لأن الإنسان يستطيع أن يقرأ ماشيًا وراكبًا ومضطجعًا وعلى غير وضوء، بخلاف الإنسان الذي لا يحفظ فإنه لا يتمكن من قراءته على غير وضوء؛ لأنه لا يقرأ إلا من المصحف، ولا يتيسر له ذلك في كل وقت، إذ لابد من أن يكون على طهارة عندما يقرأ القرآن من المصحف، لكن أمور الآخرة علمها عند الله ﷿، فكون الإنسان يكون حافظًا وأنه يقرأ هو من أمور الآخرة، ولا ندري كيف تكون أحوال الآخرة بالنسبة لمن لا يحفظ وهو مكثر من قراءة القرآن.
شرح سنن أبي داود للعباد ١٧٧/‏٣

April 28, 11:09

الحديث: لا يَرَوْنَ الروايةَ عن الداعية إلى البِدَعِ ولا شهادتَه، ولهذا لم يكن في كُتُبِهم الأمَّهاتِ كالصِّحاح والسنن والمسانيدِ الروايةُ عن المشهورين بالدعاء إلى البِدَع، وإِنْ كان فيها الروايةُ عمَّنْ فيه نوعٌ مِنْ بدعةٍ كالخوارج والشِّيعة والمُرجِئة والقَدَريَّة، وذلك لأنهم لم يَدَعُوا الروايةَ عن هؤلاء للفسق كما يظنُّه بعضُهم، ولكِنْ مَنْ أَظهرَ بِدعتَه وجَبَ الإنكارُ عليه بخلافِ مَنْ أخفاها وكتَمَها، وإذا وجَبَ الإنكارُ عليه كان مِنْ ذلك: أَنْ يُهجَرَ حتَّى ينتهيَ عن إظهارِ بدعته، ومِنْ هجره: أَنْ لا يُؤخَذَ عنه العلمُ ولا يُستشهَد».
مع الإشارة إلى أنَّ تمامَ كلامِ الذهبيِّ الذي أَوردَه المعترضُ مِنَ «المُوقِظة» هو حجَّةٌ على المعترضِ لأنه ذكَرَ ضروبًا مِنَ الاجتهاد في نقدِ رواية أهل الأهواء، وكأنه أَفردَه بالذِّكر لدِقَّتِه، وليس ذلك منه قصرًا للاجتهاد فيمَنْ ساءَ حفظُه كما فَهِمَه المعترضُ، فهذا نصُّ كلامِهِ: «..فإِنْ كان كلامُهم فيه مِنْ جهةِ مُعتقَدِه فهو على مراتبَ: فمنهم مَنْ بِدعتُه غليظةٌ، ومنهم مَنْ بِدعتُه دون ذلك، ومنهم الداعي إلى بدعته، ومنهم الكافُّ، وما بين ذلك؛ فمتى جمَعَ الغِلَظَ والدعوةَ تُجُنِّبَ الأخذُ عنه، ومتى جمَعَ الخِفَّةَ والكفَّ أخذوا عنه وقَبِلوه: فالغِلَظُ كغُلَاةِ الخوارج والجهميَّة والرافضة؛ والخفَّةُ كالتشيُّع والإرجاء؛ وأمَّا مَنِ استحلَّ الكذبَ نصرًا لرأيه كالخطَّابيَّة فبالأَوْلى ردُّ حديثِه.
قال شيخُنا ابنُ وهبٍ: العقائد أوجبَتْ تكفيرَ البعضِ للبعضِ أو التبديعَ، وأوجبَتِ العصبيَّةَ؛ ونشَأَ مِنْ ذلك الطعنُ بالتكفير والتبديع، وهو كثيرٌ في الطبقة المتوسِّطة مِنَ المتقدِّمين؛ والذي تَقرَّر عندنا: أنه لا تُعتبَر المذاهبُ في الرواية، ولا نكفِّر أهلَ القِبْلة إلَّا بإنكارِ متواترٍ مِنَ الشريعة؛ فإذا اعتبَرْنا ذلك وانضمَّ إليه الورعُ والضبطُ والتقوى: فقَدْ حصَلَ مُعتمَدُ الرواية؛ وهذا مذهبُ الشافعيِّ رضي الله عنه حيث يقول: «أَقبلُ شهادةَ أهلِ الأهواء إلَّا الخطَّابيَّةَ مِنَ الروافض».
قال شيخُنا: وهل تُقبَلُ روايةُ المُبتدِع فيما يُؤيِّد به مذهبَه؟ فمَنْ رأى ردَّ الشهادةِ بالتُّهمة لم يقبل، ومَنْ كان داعيةً مُتجاهِرًا ببدعته فلْيُترَك إهانةً له وإخمادًا لمذهبه؛ اللهم إلَّا أَنْ يكون عنده أثرٌ تَفرَّد به، فنُقدِّم سماعَه منه.
ينبغي أَنْ تتفقَّد حالَ الجارح مع مَنْ تَكلَّم فيه باعتبار الأهواء: فإِنْ لاح لك انحرافُ الجارح ووجدتَ توثيقَ المجروح مِنْ جهةٍ أخرى فلا تحفل بالمنحرف وبغمزِه المُبهَم، وإِنْ لم تجد توثيقَ المغموز فتَأنَّ وتَرفَّقْ.
قال شيخُنا ابنُ وهبٍ ـ رحمه الله ـ: ومِنْ ذلك: الاختلافُ الواقع بين المتصوِّفة وأهلِ العلم الظاهر، فقَدْ وقَعَ بينهم تنافرٌ أَوجبَ كلامَ بعضِهم في بعضٍ؛ وهذه غمرةٌ لا يخلصُ منها إلَّا العالمُ الوافي بشواهد الشريعة، ولا أَحصرُ ذلك في العلم بالفروع، فإنَّ كثيرًا مِنْ أحوال المُحِقِّين مِنَ الصوفيَّة لا يَفِي بتمييزِ حَقِّه مِنْ باطله عِلمُ الفروع، بل لا بُدَّ مِنْ معرفة القواعد الأصوليَّة، والتمييزِ بين الواجب والجائز، والمستحيلِ عقلًا والمستحيلِ عادةً، وهو مقامٌ خطرٌ، إذ القادحُ في مُحِقِّ الصوفيَّةِ داخلٌ في حديثِ: «مَنْ عادى لي وليًّا فقَدْ بارزني بالمحاربة»(١٣)، والتاركُ لإنكار الباطل ممَّا سَمِعه مِنْ بعضهم تاركٌ للأمر بالمعروف والنهيِ عن المُنكَر.
ومِنْ ذلك: الكلامُ بسبب الجهل بمراتب العلوم، فيُحتاجُ إليه في المتأخِّرين أكثرَ، فقَدِ انتشرَتْ علومٌ للأوائل وفيها حقٌّ: كالحساب والهندسة والطبِّ، وباطلٌ: كالقول في الطبيعيَّات وكثيرٍ مِنَ الإلهيَّات وأحكامِ النجوم؛ فيحتاج القادحُ أَنْ يكون مميِّزًا بين الحقِّ والباطل، فلا يُكفِّر مَنْ ليس بكافرٍ، أو يقبل روايةَ الكافر.
ومنه: الخللُ الواقعُ بسببِ عدم الورع، والأخذِ بالتوهُّم، والقرائنِ التي قد تتخلَّف؛ قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «الظَّنُّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ»(١٤)؛ فلا بُدَّ مِنَ العلم والتقوى في الجرح؛ فلِصُعوبةِ اجتماعِ هذه الشرائطِ في المُزَكِّين عَظُمَ خطرُ الجرح والتعديل»(١٥).
ويتَّضِحُ هذا بمثالٍ: عِكرِمةُ مولَى ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مثلًا رُمِيَ بأنه يرى رأيَ الخوارج وبالكذب وقُدِحَ فيه بقبول جوائز الأمراء(١٦)، ومع ذلك فهو ثقةٌ وحديثُه في الصحيحين، لأنه إِنْ ثَبَت أنه يرى رأيَ الخوارج فلم يكن داعيةً ولعلَّه إنما وافقهم في بعض أقوالهم إِنْ ثبَتَ ذلك عنه، ولأنَّ الكذبَ: مرادُ مَنْ رماه به إِنْ ثبَتَ عنه: هو الخطأُ على ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، لا تعمُّدُ الكذب عليه، وأمَّا قبولُ الجوائزِ فقَدْ كان الزُّهريُّ أَشهَرَ بذلك مِنْ عِكرِمةَ ولم يردُّوا روايتَه بذلك؛ وقد قال ابنُ جريرٍ: «لو كان كُلُّ مَنْ ادُّعِيَ عليه مذهبٌ مِنَ المذاهب الرديئة ثبَتَ عليه ما ادُّعِيَ به وسقطَتْ عدالتُه

April 28, 11:09

وبطَلَتْ شهادتُه بذلك لَلَزِمَ تركُ أكثرِ مُحدِّثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلَّا وقد نسَبَه قومٌ إلى ما يُرغَبُ به عنه»(١٧).انتهى.
فعلى كل هذا التفصيل يبقى نفس السؤال مطروحا:
فمن يرى بالتفصيل في حق الأخذ برواية المبتدع يقال لمن احتج بهذه الفتوى للانتصار لقوله:
لماذا سلمت بالحكم على الراوي أنه مبتدع ولم تعمل القاعدة أن مسائل الجرح والتعديل اجتهادية؟!.
ثم ايحق لكل من لا يقول بالتفصيل أن يرده بدعوى نفس القاعدة أو ينظر في أدلة القائلين بها والمخالفين فيلزم قول من حالفه الدليل؟.
والزم من ذلك كله ايحق لنا رد تعديل عالم للرجل بإيراد نفس القاعدة؟.
ونختم هذا المنشور ولنا موعد مع بقيته فهذا المقطع لا يحتاج لتوضيح بل هو مبين لكل ما جاء فيه:
قال الشيخ حفظه اللَّه:
وينبغي التنبُّهُ مرَّةً أخرى إلى أنه ليس معنَى كونِ الجرح والتعديل وإسقاطِه على شخصٍ معيَّنٍ أمرًا اجتهاديًّا يقبل الإصابةَ والخطأ: أنه يسوغ ردُّه بدون حجَّةٍ كما زعَمَ المعترضُ أنه لازمٌ لذلك، وأنَّ فيه تجريئًا على إسقاطِ أقوال العلماء، ولا أنه ليس منه ما قد يُقطَعُ به لا سيَّما إِنِ اتَّفقَتْ أقوالُ النُّقَّاد، فاللهُ عزَّ وجلَّ قد أمَرَ بسؤال أهل العلم وأمَرَ بالردِّ إلى الرسول وإلى أُولي الأمر في أمور الدِّين كُلِّها، ولا يخفى على طالبِ علمٍ بَلهَ داعيةٍ أنَّ مُعظَمَ الأحكامِ الشَّرعيَّة العمليَّة إنَّما أُخِذَتْ بالظنِّ الرَّاجح والاستنباط والاجتهاد الذي يميِّز أهلَ العلم عن عموم الناس؛ فلا تُشترَطُ قطعيَّةُ الحكمِ للإلزام بالقول وللإنكارِ على المُخالِفين بدون بيِّنةٍ؛ وإنَّما يكفي لذلك غلبةُ الظنِّ، وإِنْ كان كلامُ أهلِ العلم في ذلك يحتمل الصوابَ والخطأَ في نفسه إذا لم يتمَّ الاتِّفاقُ عليه، فغيرُ العلماء مُلزَمون بعدمِ الخروج عن أقوال العلماء، ومُلزَمون إذا اختلف العلماءُ أَنْ يأخذوا مِنْ أقوالهم ما اطمأنَّتْ أنفُسُهم إلى أنه أوفقُ لأدلَّة الشرع مِنَ الكتاب والسُّنَّة؛ ولفظةُ الحاكم في الحديث كما تَشْمَلُ حُكْمَ الفقيهِ في استنباطِ حكم الشرع في الواقعة مِنَ النصوص فهي تَشْمَلُ حُكْمَ الناقد في الرِّجال بناءً على ظواهر الأحوال.انتهى.
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد للَه رب العالمين.

April 28, 11:09

هذا، وعبارتي في الفتوى المذكورة وإِنْ كانت تحتمل أنَّ تكون حكمًا على العموم فلا يُمنع أَنْ تكون مِنَ العموم الغالب، لأنَّ «غالبَ الشَّيءِ يقوم مَقامَ كُلِّه»، وحتَّى ولو كان التَّجريحُ بالكذب مُتَّفَقًا عليه ومُلزِمًا للغير بقَبولِهِ فلا يضرُّ القولُ بالتعميمِ، لأنَّ الاجتهادَ ليس في كون الوصف كالكذب أو غيره سببًا للتجريح، وإنَّما الاجتهادُ في كون الوصف متحقِّقًا في الشخص وفي كونه كذبًا متعمَّدًا يسقط به الشخصُ وروايتُه، وفي كون البدعةِ مانعةً مِنْ قبول روايته، فليست البدعةُ كالكذب، أو في كونِ غلطِه ممَّا يقدح في حفظه ويُضعِّفُ روايتَه، وفي كون الرواية المعيَّنةِ ضعيفةً أو لا، فإنَّ الروايةَ المعيَّنةَ للرَّجل الضعيف قد تكون لها شواهدُ مِنْ أحاديثِ غيرِه تُقوِّي روايتَه.انتهى.
فنقول لأصحاب لمن إطلاق اعمال القاعدة ولم يفصل هلا اعملت الفتوى على وجهها!.
ولما كان الحكم على الكذاب والمبتدع بالأدلة ملزم فهل يصح إيراد هذه القاعدة جوابا لمن طالبك بموقف من هذا المبتدع أو الكذاب؟.
ثم قال الشيخ حفظه اللَّه:
وبعبارةٍ أوضحَ: فالتَّجريحُ بالكذب مُتَّفَقٌ عليه لكن ليس ذلك محلَّ اجتهادٍ، وإنَّما مُرادُ أهلِ الشأن بذلك هو تعمُّدُ الكذب، فيبقى الاجتهادُ في تحقيقِ المَناط فيما يرويه الراوي: هل هو تَعمَّدَ الكذبَ أم وَهِم فيه أم غَلِط قبل أَنْ يُحكَم بأنه كذَّابٌ، ثمَّ إِنْ كان غلطًا فهل هو مِنَ الغلط الذي لا يخلو منه بشرٌ حتَّى الحُفَّاظُ، أم هو كثيرُ الغلطِ والخطإ أو فاحشُه فيكون ضعيفًا، كما أنَّ معرفةَ كونِه كذَبَ أو خالف مَنْ هو مُجمَعٌ على عدالته أو مَنْ هو أوثقُ منه مبنيٌّ على تتبُّع الطُّرُق والروايات، ثمَّ هل تحتمل الجمعَ بينها أم لا تحتمل، ثمَّ إنَّ تحديدَ: هل آفةُ هذه الروايةِ الساقطة أو الحديثِ الواهي مِنَ الراوي الفلانيِّ أم الراوي الفلانيِّ يحتاج إلى معرفةٍ وضربٍ مِنَ الاجتهاد أيضًا، فيحيى بنُ مَعينٍ ونُظَراؤه لم يجدوها في بطون الكُتُب كما نجدها نحن أنَّ فلانًا ضعيفٌ أو فلانًا سيِّئُ الحفظ، وإنما قالوا ذلك بعدما اختبروا رواياتِه، ولم يتخيَّروا بالتشهِّي بل بالسَّبر للروايات والاجتهاد في نقدها، ونحن جاءتنا ثمرةُ اجتهادِهم بعبارةٍ وجيزةٍ فيها خُلاصةُ حُكمهم فظنَّ مَنْ ظنَّ أنَّ هذا ليس لهم فيه اجتهادٌ ومجاهدةٌ ـ أيضًا ـ مع التحلِّي بالعلم والتقوى حتَّى لا يجوروا عليه في الحكم، ومَنْ جاء بعدهم يبحثون في بطون الكُتُب، وقد يجدون تعارضًا في الراوي بين مَنْ يَصِفُه بالكذب ومَنْ يَصِفُه بكثرة الغلط والأمرُ محتملٌ فيحتاج إلى ترجيحٍ، وذلك لا يكون بالتشهِّي بل بالاجتهاد والسَّبر لأقوال النُّقَّاد.
وكمثله يقال في ثبوت البدعة على الراوي، فقَدْ رُمِيَ كثيرٌ مِنَ الرُّواة برأي الخوارج أو القدريَّة أو بالتشيُّع أو الإرجاء، وبعضُه ثابتٌ عليهم وبعضُه ليس كذلك، فيحتاج إلى تحقيق الحقِّ في ذلك بالتَّحرِّي والاجتهاد.
ثمَّ في البدعةِ تفصيلٌ زائدٌ على التفصيل في الكذب، فالكذَّاب ـ بعد ثبوتِ كذبه ـ يُطرَح مُطلَقًا، انتهى.
فيتلخص من كل هاته الفقرة أن العبرة بتحقيق المناط.
والسؤال دائما موجه للمتترسين بهاته الفتوى:
إذا تحقق المناط وطرح الرجل مطلقا فما الموقف؟.
فلا يسلكن السلفي مسلك بعض الدعاة الذين أهدروا هذا الأصل وهو الموقف من المخالف، لكن بأسلوب السخرية والانتقاص:(موقف الحافلات ....).
فاهتبلها من تربوا في احضان دعاة إرجاء لهذا الفن الجليل عن مسمى العلم،(لا تشتغلوا بهذه الأمور واشتغلوا بالعلم).
فسنوا سنة سيئة، كساها الإغراء بدعوى سعة زاد الدعاة علميا.
ونمقوها بدعوى الإنصاف للمنتقدين فحادوا عن التجاوب مع الحق فزلت الاقدام وجانبت المنهج السلفي جزاء وفاقا، بل وقعوا فيما عابوه على غيرهم ولم ينصفوهم ولا هم أعرضوا عن الاشتغال بهذا العلم عموما.
كيف لا وقد صدر هذا من قامات علمية في فتنة سيد قطب، فكانت هي مصدر هذا الشرخ، سامحهم اللّه ومنهم من ساعد على ترسخ جذور هذه البلية على مر الأيام.
قال الشيخ حفظه اللَّه:
والمُبتدِعُ فيه تفصيلٌ، فإنه ـ بعد تحقيقِ ثبوتها عليه ـ يجب التحقُّقُ: هل هي مانعةٌ مِنْ قبول روايته ـ لكونها بدعةً مغلَّظةً أو كونِه داعيةً أو كونِ روايتِه تؤيِّد بدعتَه أو لاتِّهامِه باستحلال الكذب أو لأنَّ في روايةِ غيرِه غُنيةً عن روايته ـ، أم لا ـ لكونها بدعةً خفيفةً وكونِه غيرَ داعيةٍ إليها ولا متَّهَمًا بالكذب ولا في مرويِّه ما يؤيِّد بدعتَه أو للحاجة إلى روايته لِتَفرُّده بها ـ؟ كما سيأتي شاهدُه في كلام الذهبيِّ، والمسألةُ فيها ثلاثةُ أقوالٍ لأهل العلم ذكَرَها ابنُ تيميَّة في «منهاج السُّنَّة النبويَّة» ورجَّح هو التفصيلَ فقال: «وردُّ شهادةِ مَنْ عُرِف بالكذب مُتَّفَقٌ عليه بين الفقهاء، وتنازعوا في شهادةِ سائرِ أهل الأهواء: هل تُقبَلُ مُطلَقًا؟ أو تُرَدُّ مُطلَقًا؟ أو تُرَدُّ شهادةُ الداعية إلى البِدَع؟ وهذا القولُ الثالثُ هو الغالبُ على أهل

April 28, 11:09

تصنيف الناس بين الوهم والشك والظن واليقين.
الحمد للَه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد.
فإنَّ ترويج بضائعِ الشُّبُهات والأوهامِ مِنْ أَصاغِرِ القوم حُدَثَاءِ الأسنانِ الذين همُّهم التزعُّمُ على الرَّعاعِ والتصدُّرُ على الأتباع يؤدِّي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى مَسالِكِ التهلكة والرَّدَى وطريقِ الغواية والهوى، وصَدَقَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم حيث قال: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ العِلْمُ عِنْدَ الأَصَاغِرِ»، وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ العِلْمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وَمِنْ أَكَابِرِهِمْ؛ فَإِذَا أَتَاهُمُ العِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ فَذَاكَ حِينَ هَلَكُوا».[(الكلمة الشهرية رقم: ٢٥)،أوليات الداعية إلى الله].
وإذا تأملنا موضوعنا هذا (مسائل الجرح والتعديل اجتهادية)،ومنشأ هذا الشر من حيث فهم هذه القاعدة أو حسن توظيفها أو هنا معا.
فانها وليدة مقولة: "هم رجال ونحن رجال".
فاهل العلم لم يعيبوا قائلها، إذ هو أهل لها في مقابل طبقته.
ولا من وظفها في أهل طبقته إذ الكل تحت سقيفة الدليل نصا كان أو إجماعا أو قياسا.
بل هو من المبادئ من حيث تربية الناشئة وحثهم على تكريس ذلك في حياتهم اليومية.
كل هذا كي لا يقابل كلام أهل العلم بالرد، استناداً لهاته القواعد باطلة كانت أو صحيحة المورد باطلة الإيراد.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه اللّه شرح رياض الصالحين(٣/‏٢٣١):
كما أن ولاة الأمر من الأمراء والسلاطين يجب احترامهم وتوقيرهم تعظيمهم وطاعتهم، حسب ما جاءت به الشريعة؛ لأنهم إذا احتقروا أمام الناس، وأذلوا، وهون أمرهم؛ ضاع الأمن وصارت البلاد فوضى، ولم يكن للسلطان قوة ولا نفوذ.
فهذان الصنفان من الناس: العلماء والأمراء، إذا احتقروا أمام أعين الناس فسدت الشريعة، وفسدت الأمن، وضاعت الأمور، وصار كل إنسان يرى أنه هو العالم، وكل إنسان يرى لأنه هو الأمير، فضاعت الشريعة وضاعت البلاد، ولهذا أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمور من العلماء والأمراء فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩] .
ونضرب لكم مثلًا: إذا لم يعظم العلماء والأمراء، فإن الناس إذا سمعوا من العالم شيئًا قالوا: هذا هين، قال فلان خلاف ذلك.
أو قالوا: هذا هين هو يعرف ونحن نعرف، كما سمعنا عن بعض السفهاء الجهال، أنهم إذا جودلوا في مسألة من مسائل العلم، وقيل لهم: هذا قول الإمام أحمد بن حنبل، أو هذا قول الشافعي، أو قول مالك، أو قول أبي حنيفة، أو قول سفيان، أو ما أشبه ذلك قال: نعم، هم رجال ونحن رجال، لكن فرق بين رجولة هؤلاء ورجولة هؤلاء، من أنت حتى تصادم بقولك وسوء فهمك وقصور علمك وتقصيرك في الاجتهاد وحتى تجعل نفسك ندًا لهؤلاء الأئمة رحمهم الله؟.انتهى.
قيل للإمام الألباني رحمه اللّه (الهدى والنور / ٥٩٩/ ٢٧: ٥١: ٠٠):
...لكنني بدأت ألحظ شيء من هذا- أن بعض طلبة العلم صغار في السن وهم في الجملة طيبون والحمد لله، لكن تجده خمس سنوات أربع سنوات بدأ مثلًا في علم الحديث وتجد أنه يحاول أن يبني نفسه أنه يعارض فلان، مثلًا يعارض الألباني، أو في الفقه يعارض أو حتى يعارض الشيخ عبد العزيز بن باز أو ابن عثيمين، فهذه الظاهرة أخاف منها يا شيخ.
الشيخ: نحن رجال وأولئك رجال!
مداخلة: بل قالوا هذا، لكن رد عليهم يا شيخ، قال واحد: هم رجال وأنت دجال، لأن مرة كانت القضية عن الصحابة، ووصل النقاش إلى الصحابة، قال: هم رجال ونحن رجال، قال: لا، هم رجال وأنت دجال.
الشيخ: الله أكبر!
مداخلة: فهذه الملاحظة الآن منذ أيام أتناقش عن طالب علم وجزاه الله خير مهتم في هذا الجانب، فيقول لي واحد من الإخوان: لكنه يعارض الألباني أو يختلف مع الألباني، فصارت القضية .. وفلان يختلف مع الشيخ عبد العزيز، وفلان يختلف مع الشيخ ابن عثيمين.
مداخلة: كأنها سلم الآن صارت لتحقيق المآرب ..
الشيخ: حب الظهور يقطع الظهور.
مداخلة: وأعجبتني هذه الكلمة بلغتني عنكم ..
هو هذه آفة الشباب في العصر الحاضر إلا من عصم الله وقليل ما هم.انتهى.
و لنواصل نقل فقرات من فتوى الشيخ في جوابه عن الإعتراض بتعميم الحكم باجتهادية احكام العلماء في باب نقد الرجال.
لبيان ضعف استناد أصحاب المواقف الهشة أو المموهة.
لهاته الفتوى.
وكون مضمونها وما جاء فيها حجة عليهم لا لهم.
واما اصحاب المواقف المستورة العارية عن القرآئن فليس لنا عليهم سبيل ولا هم موضوع حديثنا.
قال الشيخ حفظه اللَّه:

April 26, 10:37

فإنهم ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، ويجزمون بما يقولونه بالظنِّ والهوى جزمًا لا يقبل النقيضَ مع عدمِ العلم بجزمه، فيعتقدون ما لم يُؤمَرُوا باعتقاده لا باطنًا ولا ظاهرًا، ويقصدون ما لم يُؤمَروا بقصده، ويجتهدون اجتهادًا لم يُؤمَروا به، فلم يصدر عنهم مِنَ الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرةَ ما لم يعلموه؛ فكانوا ظالمين شبيهًا بالمغضوب عليهم أو جاهلين شبيهًا بالضالِّين؛ فالمجتهد الاجتهادَ العلميَّ المحضَ ليس له غرضٌ سوى الحقِّ، وقد سلَكَ طريقَه؛ وأمَّا مُتَّبِعُ الهوى المحضِ: فهو مَنْ يعلم الحقَّ ويعاند عنه، وثَمَّ قسمٌ آخَرُ ـ وهو غالبُ الناس ـ وهو أَنْ يكون له هوًى فيه شبهةٌ فتجتمع الشهوةُ والشبهةُ؛ ولهذا جاء في حديثٍ مُرسَلٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنَّه قال: «إنَّ الله يحبُّ البصرَ النافذَ عند ورودِ الشُّبُهات، ويحبُّ العقلَ الكامل عند حلول الشهوات»(٩)، فالمجتهد المحض مغفورٌ له ومأجورٌ، وصاحبُ الهوى المحض مُستوجِبٌ للعذاب، وأمَّا المجتهد الاجتهادَ المركَّبَ مِنْ شبهةٍ وهوًى: فهو مسيءٌ؛ وهُم في ذلك على درجاتٍ حسَبَ ما يَغلِبُ وبحسَبِ الحسناتِ الماحية؛ وأكثرُ المتأخِّرين مِنَ المُنتسِبِين إلى فقهٍ أو تصوُّفٍ مُبتلَوْن بذلك»(١٠).انتهى.
والكلام عن هذه الفقرة كسابقاتها وهو أن كل هذا المسلك في حال عدم ترجح قول ما أما إذا ظهر بدليله فلا يرد المق بدعوى أن مسائل الجرح والتعديل اجتهادية.
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد للَه رب العالمين.
لبرْقِ، قال: ألمْ تَرَ إلى البرْقِ كيْف يمُرُّ ثمَّ يَرجِعُ في طَرْفةٍ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ ومَرِّ الطَّيرِ وشَدِّ الرِّجالِ، تَجْري بهمْ أعمالُهم ونَبيُّكم قائمٌ على الصِّراطِ: ربِّ سلِّمْ سلِّمْ، قال: حتّى تَعجِزَ أعمالُ النّاسِ، حتّى يَجِيءَ الرَّجلُ، فلا يَستطيعُ أنْ يَمُرَّ إلّا زحْفًا، قال: وفي حافَتَي الصِّراطِ كَلاليبُ مُعلَّقةٌ مَأمورةٌ تَأخُذُ مَن أُمِرَت به؛ فمَخدوشٌ ناجٍ، ومُكرْدَسٌ في النّارِ، والَّذي نفْسُ أبي هُرَيرةَ بيَدِه، إنَّ قَعْرَ جَهنَّمَ لسَبعينَ خَريفًا.
فمن خلال بيان ما جاء في بعض فقرات الفتوى المشار إليها في أول المقال يجدر التدقيق في هذه القاعدة وصورة توظيفها في مثل هذه الأحوال.
فإذا وجد شخص تبينت أخطاؤه، ومثبتة من مراجع تنسب إليه وموثقة.
ثم يُعدل عن اتخاذ موقف منه بحجة أن مسائل الجرح والتعديل احتهادية!.
قال الشيخ حفظه اللَّه:
وأمَّا مَنْ يقع في أعراض الناس دون حاجةٍ ويجازف فيتجاوز الحدَّ أو لا يتحرَّى العدلَ في ذلك فليس كلامُه حجَّةً أصلًا، فهناك مَنْ كَثُرَ كلامُه في الرِّجال ومع ذلك لم يرفع العلماءُ بكلامهم رأسًا لكثرةِ ما يقعون في الناس، فلا تجده في الكُتُب.انتهى.
ولا شك أن هذا الضرب لا علاقة له بموضوعنا وهو أن مسائل الجرح والتعديل اجتهادية.
ثم قال الشيخ حفظه اللَّه:
فلا يخلو الأمرُ في كُلِّ هذا مِنِ اجتهادٍ وتأويلٍ أو شبهةٍ وهوًى أو خليطٍ مِنْ ذلك؛ وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢﴾ [النجم]، وقد أثنى عمرُ رضي الله عنه ـ وهو مَنْ هو ـ على عبد الرحمن بنِ مُلجَمٍ المُراديِّ ـ واللهُ حسيبُه ـ بحسَبِ ما ظهَرَ له مِنْ تَقواه وعِلمِه وقراءتِه للقرآن، وزكَّاه لِعَمرِو بنِ العاص رضي الله عنه، وأمَرَه أَنْ يُقرِّب دارَه مِنَ المسجد ليُعلِّم أهلَ مِصرَ القرآنَ والفقهَ، ثمَّ كان مِنْ شيعةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه وشَهِد معه صِفِّين(٣)، ثمَّ كان هو قاتِلَ عليٍّ رضي الله عنه.انتهى.
وأنت إذا تأملت في هذه الفقرة فالكلام فيها عن الاجتهاد الذي ظهر في آخر المطاف أنه أسس على تأويل أو شبهة وهو أو خليط من ذلك.
ثم ظهر بعد ذلك أنه غير صائب.
قال الشيخ حفظه اللَّه ؛
ومِنْ كلام العلماء في نقد الرِّجال ما يتعلَّق باجتهاد المُتأخِّرين الذين لم يُعاصِروا الأئمَّةَ ولم تكن لهم روايةٌ عنهم بالسَّند، فهؤلاء ليس لهم مِنْ سبيلٍ في نقد الرِّجال إلَّا الاجتهادُ، وذلك بالنَّظر في أقوالِ علماءِ الجرح والتَّعديل في الرُّواة المَحكومِ عليهم تجريحًا وتعديلًا ضِمن المُدوَّنات مِنَ الكُتُب الجامعةِ لأقوالِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، فإنَّ المُجتهدَ المُؤهَّلَ يستعينُ بها للنَّظر في أقوال المُعدِّلين وأقوالِ المُجرِّحين والمُوازنةِ بينها، وتحكيم القواعد المرضيَّة في هذا الفنِّ، مثلَ: أَنْ ينظُرَ المُجتهدُ ـ في الجهة المُعدِّلة للرَّاوي ـ إلى مَنْ عَدَّله مُطلَقًا، أو عدَّله في بعض الأحوال دون بعضٍ، ومَنْ هم الشُّيوخُ الذين عَدَّلوه أو وَثَّقوه فيها، وإلى مَنْ وثَّقه في أوَّلِ أمرِه وضعَّفه في آخِرِه وما إلى ذلك، وبِنفس الطَّريقة والأُسلوبِ ينظر ـ في الجهة المُجرِّحة أو المضعِّفة للرَّاوي ـ إلى مَنْ جرَّحه أو ضعَّفه مُطلَقًا، أو

April 26, 10:37

جرَّحه أو ضعَّفه في بعض الأحوال دون أُخرى، ومَنْ هم الشُّيوخُ الذين جرَّحوه في بعضِها دون بعضٍ،
انتهى.
ولا الاجتهاد المذكور في هذه الفقرة كذلك هو المراد في قضيتنا هاته.
بل المراد ما جاء ذكره في هذا المقطع وهو قوله:
....ثمَّ ينظر في الترجيحِ بين مجموعِ ذلك لا بالتخيُّر والتشهِّي وإنَّما وَفْقَ ما تقتضيه قواعدُ الجرح والتَّعديل، مع مراعاةِ اصطلاحِ كُلِّ مجرِّحٍ أو معدِّلٍ ومَنْ يتلطَّف في العبارة فتكون اللفظةُ الخفيفة منه كالشديدة مِنْ غيره والعكس، وهذا سبيله التَّتبُّعُ والاستقراءُ لعباراتِ المحدِّثين في كلامهم في الرُّواة،انتهى.
فقوله لا بالتخيير ولا بالتشهي.
ليس من الاجتهاد في شيء فلا يعمد إلى هذه القاعدة أن مسائل الجرح والتعديل اجتهادية فتكون تكأة لمن اراد رد الحق من خلال التمسك بها.
قال حفظه اللَّه:
....ثمَّ له نظرٌ آخَرُ في مرويَّاتِهم: هل تُقبَل أم تُرَدُّ؟ فإنَّ لأهل العلم تفصيلًا في حديثِ أهل الأهواء والبِدَع سيأتي في تتمَّةِ كلام الذهبيِّ الذي ساقه المعترضُ مِنَ «المُوقِظة»، فعلى سبيل المثال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ الذي لم يُعاصِرِ الرُّواةَ عندما يحكم على راوٍ بأنَّه مقبولٌ، ويحكم على راوٍ بأنَّه ضعيفٌ، ويحكم على راوٍ بأنَّه صدوقٌ، ويحكم على راوٍ بأنَّه ثقةٌ، ويحكم على راوٍ بأنَّه لَيِّنٌ، انتهى.
تامل قوله حفظه اللَّه:
فإنَّما كان ذلك منه على نظرته الاجتهاديَّة القائمة بناءً على دراسة أقوال الأئمَّة المُدوَّنة في كُتُب العِلم وفيما يُروى عنهم، وعلى المُقارنة بينها وبين ما استعملوه مِنَ النَّاحية العَمَليَّة، لا مِنْ باب الإخبار وإنَّما مِنْ باب الاجتهاد(٤)، علق حفظه اللَّه على الهامش:
(٤) في حقيقة الأمر فإنَّ في كلامِ المُتقدِّمين والمُتأخِّرين اجتهادًا في تحقيق المَناط، وإخبارًا بالحكم الذي آلَ إليه المجتهد؛ لأنَّ ما يُرى مِنَ الراوي أو الدَّاعية يحتمل أَنْ يكون منه هفوةً وخطأً مُغتفَرًا أو فاحشًا، ويحتمل أَنْ يكون كذبًا عمدًا أو خطأً، لذلك قد يختلف يحيى بنُ مَعينٍ مع أحمد في مِثلِ الشافعي فمَنْ دونه مع كونهم مُعاصِرين.انتهى.
فمن يأتي بعده فليس له إلا أن يأخذ بحكم هذا الناقد أو يرده بما قرره غيره مما خالفه فيه.
كل هذا بناء على أدلة شرعية.
قال حفظه اللَّه:
بل قد تتنوَّع أنظارُ العلماء في بعض الرُّواة فيجتمعُ في الواحد منهم: توثيقٌ وتحسينٌ وتضعيفٌ: خفيفٌ وشديدٌ، وقد يكون المُجرِّح واحدًا لكِنْ تختلف أقوالُه في بعض المُتَكَلَّمِ فيهم يُجرِّحه تارةً ويُوثِّقه تارةً أخرى، وفي هذا المعنى قال الذَّهبيُّ ـ رحمه الله ـ عن تنوُّع اجتهاداتِ يحيى بنِ مَعينٍ ـ رحمه الله ـ: «وقد سألَه عن الرِّجال: عبَّاسٌ الدُّوريُّ وعثمانُ الدارميُّ وأبو حاتمٍ وطائفةٌ، وأجاب كُلَّ واحدٍ منهم بحَسَبِ اجتهاده، ومِنْ ثَمَّ اختلفت آراؤه وعباراتُه في بعض الرِّجال، كما اختلفَتِ اجتهاداتُ الفُقهاء المُجتهدين، وصارت لهم في المسألةِ أقوالٌ»(٥)،انتهى.
الآن السؤال موجه لمن تمسك بهاته القاعدة هل يعمد في مثل هذه الصورة التي ذكر الشيخ بما مثل له الذهبي رحمه اللّه فينتقى القول الراجح من كل هذه الأقوال أو تترك كلها من حيث عدم تبني اي قول منها يبنى عليه موقف شرعي من المنتقٓد بنفس الدعوى؟.
قال حفظه اللَّه:
وقال عنه ـ رحمه الله ـ في مؤلَّفٍ آخَرَ: «... قال ابنُ عبد البرِّ ـ أيضًا ـ: قد صحَّ مِنْ طُرُقٍ عن ابنِ مَعينٍ أنه يتكلَّم في الشافعيِّ؛ قلتُ: قد آذى ابنُ مَعينٍ نَفْسَه بذلك، ولم يلتفت الناسُ إلى كلامه في الشافعيِّ ولا إلى كلامه في جماعةٍ مِنَ الأثبات، كما لم يلتفتوا إلى توثيقه لبعض الناس؛ فإنَّا نقبل قولَه دائمًا في الجرح والتعديل ونقدِّمه على كثيرٍ مِنَ الحُفَّاظ ما لم يخالف الجمهورَ في اجتهاده؛ فإذا انفرد بتوثيقِ مَنْ ليَّنه الجمهورُ أو بتضعيفِ مَنْ وثَّقه الجمهورُ وقَبِلوه فالحكمُ لعمومِ أقوال الأئمَّة لا لِمَنْ شذَّ؛ فإنَّ أبا زكريَّا مِنْ أحد أئمَّةِ هذا الشأنِ، وكلامُه كثيرٌ إلى الغاية في الرِّجال، وغالبُه صوابٌ وجيِّدٌ، وقد ينفرد بالكلام في الرَّجل بعد الرَّجل فيلوح خطؤُه في اجتهاده بما قُلْناه؛ فإنه بشرٌ مِنَ البشر وليس بمعصومٍ، بل هو في نفسِه يوثِّق الشَّيخَ تارةً، يختلف اجتهادُه في الرَّجل الواحِد فيُجيب السَّائلَ بحَسَبِ ما اجتهد مِنَ القول في ذلك الوقت»(٦).انتهى.
وهو المذهب الحق فلا يحجم عن اتخاذ موقف وتبني حكم في رجل ـ سواء في باب الاخبار او الرواية ـ بحجة أن مسائل الجرح والتعديل اجتهادية.
قال حفظه اللَّه:
..وإذا كان للعلماء تنوُّعٌ في اجتهاداتهم وأنظارِهم في الحكم على الرِّجال، فليس للمتأخِّرين منهم إلَّا إعمالُ النَّظر في أقوالِ المُتقدِّمين مِنْ بابٍ أَوْلى، وذلك بدراستها مِنْ خلالِ الكُتُب المُدوَّنة وفيما يُروَى عنهم ثمَّ المُوازنةِ بينها وبين توظيفِهم لها في مواطِن الاستعمال العمليِّ.انتهى.

April 26, 10:37

وهذا توضيح منه حفظه اللَّه للموقف الشرعي المطلوب من السلفي في هذا الباب فصار الاحتجاج بفتوى الشيخ حجة على صاحب الدعوى لا له.
ثم قال حفظه اللَّه:
وعليه، فالمُتخصِّصُ المُتأهِّلُ في معرفة الرِّجال ونقدِهم تعديلًا وجرحًا ـ إذا اختلَفَتْ أنظارُ العلماء في الرَّاوي
أو غيره ـ انتهى
ولتأخذ هذه العبارة بعين الإعتبار.
قال حفظه اللَّه:
فعليه أَنْ يتحرَّى العدلَ والصَّوابَ على قدرِ الإمكان، عملًا بقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والاجتهادُ في الحُكم عليه مِنَ الصُّعوبة بمكانٍ، سواءٌ في معرفة حالِ الرُّواةِ أو الدُّعاة أو العلماءِ والوُعَّاظِ أو غيرِهم، إذ المَعلومُ ـ في بابِ بيانِ حال الرَّاوي ـ أنَّ الحُكمَ بتجريحه يُفضي ـ حتمًا ـ إلى إسقاطِ حديثه وخبرِه وشهادتِه، وقد يكونُ صحيحًا، أو يُحكَمُ بتعديله وذلك سببٌ لقَبول حديثه، وقد لا يكون مقبولًا في حقيقَة الأمرِ، فيُفضي إلى تسويغ العمل بسُنَّةٍ مزعومةٍ لا أصلَ لها وتركِ سُنَّةٍ لها أصلٌ صحيحٌ، لذلك كان لزامًا عليه أَنْ يجتهد فيه ويتحرَّى الطَّريقةَ المُثلى، وهي ما كان أَشبَهَ بالعدلِ وأَقرَبَ إلى الحقِّ، لينتهيَ إلى رأيٍ يستخلصُه مِنْ دراسة الأقوالِ والمُقارنة
بينها وترجيحِ ما يَلْزَمُ ترجيحُه بالدَّليل،
مع ترك الجزمِ بصحَّةِ ما انتهى إليه لكثرةِ الأقوالِ المُتضارِبة فيه،
إلَّا ما قام عليه دليلٌ قاطعٌ،انتهى.
فمن أراد سلوك الجادة فعليه مراعاة كل هذه الفوارق.
ثم يكون الموقف ماسسا عليها، لا على هذه القاعدة المفتعلة.
قال حفظه اللَّه ؛
وعليه ردُّ العلم في ذلك جميعِه إلى الله كيفما كان ما تَرجَّح عنده، لذلك يُعَدُّ نقدُ الرِّجال ـ لا سيَّما مع وجودِ كثرةِ الأقوال والاحتمالات ـ أمرًا اجتهاديًّا يَقبلُ الإصابةَ والخطأَ،انتهى
فمن تمسك بمثل هذه العبارات ظنا منه أنها تعزز القاعدة فقد أخطأ.
لان ثمة فرضيتان الإصابة والخطأ.
فلا يتمسك بافتراض الخطأ ولا عند تبين أن الأمر حق.
ففي هذه الحال ليس هناك إلا التسليم لأحكام الناقد وتبتي أحكامه.
فبل حتَّى مع القولِ الواحد فاحتمالُ الخطإ واردٌ؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢﴾ [النجم]؛ وكان عمرُ رضي الله عنه ـ كما تقدَّم ـ قَدْ زكَّى ابنَ مُلجَمٍ بحسَبِ ما ظهَرَ له، ولم يكن فيه ـ إذ ذاك ـ قولٌ آخَرُ يعارضه، ثمَّ انكشف حالُه بعد ذلك لمَّا صار مع الخوارج وقتَلَ عليًّا رضي الله عنه، فلا يصحُّ استصحابُ تزكيةِ عمرَ له مع ما استجدَّ مِنْ تغيُّرِ حاله أو انكشافها، والمُجتهدُ المحضُ يتأرجح بين الأجر والأجرين، والإثمُ عنه مرفوعٌ، ما لم يخالط حُكْمَه هوًى أو شبهةٌ، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(٧)، وفي مَعرِضِ ذِكر العَدْل بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وبَيَّنَّا أنَّ العَدْلَ جِماعُ الدِّينِ والحقِّ والخيرِ كُلِّهِ في غَيرِ موضعٍ، والعدلُ الحقيقيُّ قد يكونُ متعَذِّرًا أو متعسِّرًا ـ إمَّا عِلْمُهُ وإمَّا العملُ بهِ ـ لكونِ التَّماثُلِ مِنْ كُلِّ وجهٍ غيرَ مُتَمَكِّنٍ أو غيرَ معلومٍ، فيكون الواجبُ في مِثلِ ذلك ما كان أَشبهَ بالعدلِ وأَقرَبَ إليه وهي الطَّريقةُ المُثلى؛ ولهذا قال سبحانهُ: ﴿وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]»(٨)؛ وقال ـ رحمه الله ـ في بيان الفرق بين اختلاف أقوال أهل العلم واختلافِ أقوال أهل الأهواء ما نصُّه: «وسببُ الفرق بين أهل العلم وأهلِ الأهواء ـ مع وجود الاختلاف في قولِ كُلٍّ منهما ـ: أنَّ العالم قد فعَلَ ما أُمِر به مِنْ حُسن القصد والاجتهاد، وهو مأمورٌ في الظَّاهر باعتقادِ ما قام عنده دليلُه وإِنْ لم يكن مطابقًا، لكِنِ اعتقادًا ليس بيقينيٍّ، كما يُؤمَرُ الحاكمُ بتصديق الشاهدَيْن ذوَيِ العدل وإِنْ كانا في الباطن قد أخطآ أو كذَبَا، وكما يُؤمَرُ المفتي بتصديق المُخبِر العدلِ الضابطِ أو باتِّباع الظاهر، فيعتقد ما دلَّ عليه ذلك وإِنْ لم يكن ذلك الاعتقادُ مطابقًا؛ فالاعتقادُ المطلوبُ هو الذي يَغلِبُ على الظنِّ ممَّا يُؤمَرُ به العبادُ وإِنْ كان قد يكون غيرَ مُطابِقٍ، وإِنْ لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقادٍ غيرِ مطابقٍ قطُّ؛ فإذا اعتقد العالمُ اعتقادَيْن متناقِضَيْن في قضيَّةٍ أو قضيَّتَيْن مع قصده للحقِّ واتِّباعِه لِمَا أُمِر باتِّباعه مِنَ الكتاب والحكمة: عُذِر بما لم يعلمه وهو الخطأُ المرفوعُ عنَّا؛ بخلافِ أصحاب الأهواء؛ فإنهم ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، ويجزمون بما يقولونه بالظنِّ والهوى جزمًا لا يقبل النقيضَ مع عدمِ العلم بجزمه، فيعتقدون ما لم يُؤمَرُوا باعتقاده لا باطنًا ولا

April 26, 10:37

قال حفظه اللَّه:
..وإذا كان للعلماء تنوُّعٌ في اجتهاداتهم وأنظارِهم في الحكم على الرِّجال، فليس للمتأخِّرين منهم إلَّا إعمالُ النَّظر في أقوالِ المُتقدِّمين مِنْ بابٍ أَوْلى، وذلك بدراستها مِنْ خلالِ الكُتُب المُدوَّنة وفيما يُروَى عنهم ثمَّ المُوازنةِ بينها وبين توظيفِهم لها في مواطِن الاستعمال العمليِّ.انتهى.
وهذا توضيح منه حفظه اللَّه للموقف الشرعي المطلوب من السلفي في هذا الباب.
ثم قال حفظه اللَّه:
وعليه، فالمُتخصِّصُ المُتأهِّلُ في معرفة الرِّجال ونقدِهم تعديلًا وجرحًا ـ إذا اختلَفَتْ أنظارُ العلماء في الرَّاوي
أو غيره ـ انتهى
فلتاخذ هذه العبارة بعين الإعتبار.
قال حفظه اللَّه:
فعليه أَنْ يتحرَّى العدلَ والصَّوابَ على قدرِ الإمكان، عملًا بقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والاجتهادُ في الحُكم عليه مِنَ الصُّعوبة بمكانٍ، سواءٌ في معرفة حالِ الرُّواةِ أو الدُّعاة أو العلماءِ والوُعَّاظِ أو غيرِهم، إذ المَعلومُ ـ في بابِ بيانِ حال الرَّاوي ـ أنَّ الحُكمَ بتجريحه يُفضي ـ حتمًا ـ إلى إسقاطِ حديثه وخبرِه وشهادتِه، وقد يكونُ صحيحًا، أو يُحكَمُ بتعديله وذلك سببٌ لقَبول حديثه، وقد لا يكون مقبولًا في حقيقَة الأمرِ، فيُفضي إلى تسويغ العمل بسُنَّةٍ مزعومةٍ لا أصلَ لها وتركِ سُنَّةٍ لها أصلٌ صحيحٌ، لذلك كان لزامًا عليه أَنْ يجتهد فيه ويتحرَّى الطَّريقةَ المُثلى، وهي ما كان أَشبَهَ بالعدلِ وأَقرَبَ إلى الحقِّ، لينتهيَ إلى رأيٍ يستخلصُه مِنْ دراسة الأقوالِ والمُقارنة
بينها وترجيحِ ما يَلْزَمُ ترجيحُه بالدَّليل،
مع ترك الجزمِ بصحَّةِ ما انتهى إليه لكثرةِ الأقوالِ المُتضارِبة فيه،
إلَّا ما قام عليه دليلٌ قاطعٌ،انتهى.
فمن أراد سلوك الجادة فعليه مراعاة كل هذه الفوارق.
قال حفظه اللَّه ؛
وعليه ردُّ العلم في ذلك جميعِه إلى الله كيفما كان ما تَرجَّح عنده، لذلك يُعَدُّ نقدُ الرِّجال ـ لا سيَّما مع وجودِ كثرةِ الأقوال والاحتمالات ـ أمرًا اجتهاديًّا يَقبلُ الإصابةَ والخطأَ،انتهى
فمن تمسك بمثل هذه العبارات ظنا منه أنها تعزز القاعدة فقد أخطأ.
لان ثمة فرضيتان الإصابة والخطأ.
فلا يتمسك بافتراض الخطأ ولا عند تبين أن الأمر حق.
ففي هذه الحال ليس هناك إلا التسليم لأحكام الناقد وتبتي أحكامه.
فبل حتَّى مع القولِ الواحد فاحتمالُ الخطإ واردٌ؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢﴾ [النجم]؛ وكان عمرُ رضي الله عنه ـ كما تقدَّم ـ قَدْ زكَّى ابنَ مُلجَمٍ بحسَبِ ما ظهَرَ له، ولم يكن فيه ـ إذ ذاك ـ قولٌ آخَرُ يعارضه، ثمَّ انكشف حالُه بعد ذلك لمَّا صار مع الخوارج وقتَلَ عليًّا رضي الله عنه، فلا يصحُّ استصحابُ تزكيةِ عمرَ له مع ما استجدَّ مِنْ تغيُّرِ حاله أو انكشافها، والمُجتهدُ المحضُ يتأرجح بين الأجر والأجرين، والإثمُ عنه مرفوعٌ، ما لم يخالط حُكْمَه هوًى أو شبهةٌ، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(٧)، وفي مَعرِضِ ذِكر العَدْل بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وبَيَّنَّا أنَّ العَدْلَ جِماعُ الدِّينِ والحقِّ والخيرِ كُلِّهِ في غَيرِ موضعٍ، والعدلُ الحقيقيُّ قد يكونُ متعَذِّرًا أو متعسِّرًا ـ إمَّا عِلْمُهُ وإمَّا العملُ بهِ ـ لكونِ التَّماثُلِ مِنْ كُلِّ وجهٍ غيرَ مُتَمَكِّنٍ أو غيرَ معلومٍ، فيكون الواجبُ في مِثلِ ذلك ما كان أَشبهَ بالعدلِ وأَقرَبَ إليه وهي الطَّريقةُ المُثلى؛ ولهذا قال سبحانهُ: ﴿وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]»(٨)؛ وقال ـ رحمه الله ـ في بيان الفرق بين اختلاف أقوال أهل العلم واختلافِ أقوال أهل الأهواء ما نصُّه: «وسببُ الفرق بين أهل العلم وأهلِ الأهواء ـ مع وجود الاختلاف في قولِ كُلٍّ منهما ـ: أنَّ العالم قد فعَلَ ما أُمِر به مِنْ حُسن القصد والاجتهاد، وهو مأمورٌ في الظَّاهر باعتقادِ ما قام عنده دليلُه وإِنْ لم يكن مطابقًا، لكِنِ اعتقادًا ليس بيقينيٍّ، كما يُؤمَرُ الحاكمُ بتصديق الشاهدَيْن ذوَيِ العدل وإِنْ كانا في الباطن قد أخطآ أو كذَبَا، وكما يُؤمَرُ المفتي بتصديق المُخبِر العدلِ الضابطِ أو باتِّباع الظاهر، فيعتقد ما دلَّ عليه ذلك وإِنْ لم يكن ذلك الاعتقادُ مطابقًا؛ فالاعتقادُ المطلوبُ هو الذي يَغلِبُ على الظنِّ ممَّا يُؤمَرُ به العبادُ وإِنْ كان قد يكون غيرَ مُطابِقٍ، وإِنْ لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقادٍ غيرِ مطابقٍ قطُّ؛ فإذا اعتقد العالمُ اعتقادَيْن متناقِضَيْن في قضيَّةٍ أو قضيَّتَيْن مع قصده للحقِّ واتِّباعِه لِمَا أُمِر باتِّباعه مِنَ الكتاب والحكمة: عُذِر بما لم يعلمه وهو الخطأُ المرفوعُ عنَّا؛ بخلافِ أصحاب الأهواء؛