
فذكِّر
"اسمع"
"إنما يستجيب الذين يسمعون"
حين يتأمل المرء تراثنا المكتوب، يدهشه كيف انصرف الناس عن معانٍ دقيقةٍ كادت تطوى لولا وميض الأثر.
فترى أكثر الناس يهرعون بشكواهم إلى الله إن كانت في عرض الدنيا ومصائبها ،
فإذا ما ألمّت بأحدهم جائحة الذنب أو غشيه رانُ الغفلة، أو ضعف عن منازل المقربين في الطاعة كتم داءه و ثنى صدره على ضعفه واستحيا من ربه أن يبث إليه نجواه!
وكأنهم نسوا أن من غلبه ذنبه أو أثقله إسرافه، فليس له من دواء سوى أن يوازن ثقل المعصية بكثرة الشكوى منها بباب علّام الغيوب.
وما علم هؤلاء أن الشكوى إلى الله من ضعف الإيمان، وفتور العزائم، والوقوع في شباك الهوى، هي محض العبودية ولبّ الاستكانة.
أليست الشكوى هنا اعترافاً بالعبودية لله واستغاثة برحمته لعلها تدرك حطام الروح ووهنها ؟
ومن لم يفقه هذا المعنى، فقد جهل حقيقة التضرع، وحد اللجوء، ومقتضى أسماء الله : التواب والرحيم والقريب.
والله تعالى يحب من عبده أن يدعوه بكل ما يشغله،
حتى ينزل به حاجته في إصلاح قلبه وتثبيت قدمه
...
فكن يا رعاك الله أبثّ الناس شكوى لربك من نفسك، واجعل لجوءك إليه مرآةً لصدق توبتك وجميل رجائك.
﴿وَظَنّوا أَن لا مَلجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلّا إِلَيهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم لِيَتوبوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ﴾
مِن أصول فقه السير إلى الله= البصيرة بعداوة الشيطان، فهو قاعد لك على هذا الطريق، وقد أقسم على ذلك: ﴿لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِراطَكَ المُستَقيمَ﴾.
وإحدى أهم أسباب الانتصار على العدو= معرفة خصاله ومداخله وأسلحته.
ومن خصال هذا العدو (الشيطان)= عدم اليأس أو الاستسلام مهما فشلت خططه وكثر إرغام أنفه.
بمعنى: أنه طالما أنّ روحك في جسدك فالحرب مستمرة بينك وبينه، فهو لا يرفع الراية البيضاء، ولا يكل ولا يمل.
فتوبتك -مثلا- من ذنب كنتَ مقيما عليه لا تكون سببا لانتهاء المجاهدة معه على هذا الذنب، بل يظل عدوك (الشيطان) حاشدا لجنده وعسكره على ثغر هذا الذنب، متربصا بك، ينتظر منك أي لحظة غفلة أو ضعف؛ فيفوز عليك بجولة، ويقربك من الذنب بعد أن ابتعدت عنه، ويسقطك في وحل المعصية بعد أن تطهرت منها، فهو عالم بنقاط ضعفك ومداخل إسقاطك.
إذا أبصر الإنسان ذلك أعانه على أمرين عظيمين:
الأول: دوام الاستيقاظ لمكر الشيطان، والاستعداد الدائم للمعركة بالعدة والعتاد.
فإن الإنسان إذا ظنّ إمكان الراحة، وأنّ عدوّه (الشيطان) قد ترك أرض المعركة فألقى سلاحه أو خلع درعه أو خرج من حصنه= فقد ألقى بيديه إلى مكائد الشيطان، فهل ترى عدوه يشفق عليه؟!
الثاني: إدراك عدم وجود الجولة الحاسمة في هذه الحرب بينك وبين الشيطان
، بل هي صولات وجولات، يفوز فيها الأطول نفسا، والأصلب جَلَدا، والأقوى تحملا، والنصر صبر ساعة!
فتعلم من عدوك المُشَمّر،
فلا تيأسن من كثرة سقطاتك، بل قم وانهض واستعد للجولة القادمة
، وقد قيل: «لئن غلبني الشيطان بالأمس، لأقصمنّ ظهره اليوم بتوبتي وحسن عبادتي»!
وسلاحك الأعظم في هذه المعركة ليس دهائك وحسن تخطيطك،
بل سلاحك الأعظم هو اعتصامك بالله واللجوء إليه
، فكما قال سبحانه مخاطبا إبليس: ﴿إِنَّ عِبادي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكيلًا﴾.
الشُّغلُ بالخَلق اشتغالٌ عن الحق.
من أعظم أسباب الهداية دوام الإنابة.
"الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من يُنيب"
يُنيب : يتوب ويعود إلى الله.
#الأربعون_النفسية
| (12)
#تشاؤم_وتفاؤل
عن تكيف تفيض أرواحنا على الواقع من حولنا!
موضوعات الحلقة:
- المعنى الإجمالي للحديث
- التشاؤم والتفاؤل بالمواقف والأحداث
- التشاؤم والتفاؤل مطلقًا
- الآثار الإيمانية والنفسية للتشاؤم والتفاؤل
- بين التفاؤل الصحي والإيجابية السامة
- الدوافع النفسية للتفكير التشاؤمي
- أثر الكلمة الصالحة
- وصايا تطبيقية
https://youtu.be/TBO5KzRfNGs