
فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها
إن عامة الناس قد غلب على عقولهم ظن سقيم، وهو أن نقص الدين إنما يقع بفوات التقوى والوازع الأخلاقي، فاقتصروا على التزام الطاعات واجتناب الكبائر والمعاصي، فصاروا ينكرون ما تعارف الناس على إنكاره كالخمر والتبرج والزنى ، ويدعون لما استحسنوه من الخير كالفرائض وحسن الخلق، وإذا أظهروا التوبة تابوا من هذه الفروع فحسب، لأنهم لا يعقلون من الدين غيرها، فيسوؤهم جدا ضياع السنن وظهور المنكرات وينتبهون لها، ولكن لا يسوؤهم ضياع التوحيد وظهور الكفر بكل أصنافه، لأنهم هم منغمسون في هذا الكفر ولا يعلمون أنه كفر أصلا لجهلهم بحقيقة الملة.
أن المحل الذي يرتفع فيه لواء الكفر ويصبح ظاهرا معلنا، لا تنفعه فضائل الأخلاق ولا تشفع له إقامة الشعائر، إذ كيف يصح وصف الإسلام لمجتمع انخرط في هدم أصل الأصول ونقض أساس الملة؟ فالكفر المعلن يحبط الطاعات ويمحو أثر العبادات، والصلاة والصيام وحسن الخلق فروع تابعة لشرط التوحيد، ولم يبق للمجتمع من وصف الإسلام إلا مسميات جوفاء لا حقيقة لها في دين الله.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله :
وَالْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يُظْهِرُوا يَهُودِيَّةً وَلَا نَصْرَانِيَّةً وَلَا مَجُوسِيَّةً بَلْ كَانُوا يَسْتَسِرُّونَ بِدِينِهِمْ فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ مَا يُظْهِرُونَ مِنْ الْإِيمَانِ
الأم للشافعي - ط الفكر ٧/٣١٢
• "ولا حجة لمن احتج بالمنافقين على عهد رسول الله ﷺ، لأنه ﷺ كان يعلمهم، فلم يأخذهم بعلمه، ولا يحكم الإمام بعلمه. وقد نهاه الله عنهم فقال: (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم ) ولم يأت أن بينة شهدت عنده على منافق بباطنه فتركه."
النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات ١٤/٥٢٠ .
ميزان الشريعة الذي مضى عليه الصحابة والتابعون أن الأحكام تُبنى على ما يظهر من الناس ، فالمنافقون في العهد النبوي إنما عُصمت دماؤهم لأنهم أظهروا الإسلام واستسروا بالكفر، فلو قُدر أنهم أظهروا ما يخالف توحيد الله ورسالته، لكان حكمهم القتل بلا تردد، ولما نفعهم ما أظهروه قبل ذلك من صلاة أو صيام.
والدليل الأثري القاطع على هذا من القرآن، أن طائفة من المنافقين تكلموا بكلمة كفر في غزوة تبوك، فلم يعذرهم الله بدعوى الإسلام، بل أنزل فيهم نصاً صريحاً: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}. فبمجرد أن خرج الكفر من السر إلى العلن، ارتفع عنهم وصف الإسلام الظاهر، فكيف بمن يجهر بما هو غليظ من الكفريات؟!
ولو أظهر المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم التشريع من دون الله بالديمقراطية أو عبادة القبور وصرف النذور لها، أو سب الله ورسوله ودينه والاستهزاء بشرعه، أو تعطيل الصفات وجحد الأحكام، أو استحلال المحرمات كالزنا والخمر والربا أو أو لقتِلوا شر قتلة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في النص الصحيح الصريح: "من بدل دينه فاقتلوه". وهذا حكم عام على كل من أظهر التبديل.
كيف يقيم النبي صلى الله عليه وسلم الحد على المسلم المقر بالتوحيد إذا زنى أو شرب الخمر، ثم يترك من أعلن الكفر الصراح ورد التشريع؟! هذا ممتنع ببديهة العقول والشرائع، فإقامة الحد على المرتد المجاهر أوجب من إقامته على العاصي، لأن ذنب الكفر أعظم من ذنب المعصية بكثير ، فمن احتج بتعامل النبي صلى الله عليه وسلم عن منافقي زمانه ليعذر من يجهر بالكفر اليوم ، فهو كافر زنديق لأن شتان بين من يستر كفره خوفاً من السيف، وبين من يعلنه صراحة ويدعو إليه.
زيارة أسامة الرفاعي مفتي الجمهورية ومحمد أبو الخير شكري وزير الأوقاف لقبر النووي في مدينة نوى بدرعا ترى أدعياء التلفية والأثرية الكفرة يرفعون عقيرتهم بالدعوة إلى التوحيد الخالص محاربة للقبورية والأشعرية، ثم هم يسبحون بحمد ولي أمرهم الذي سلم وزارة الأوقاف…
كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مُنْزَلِ شِدَّةٍ، يَجْعَلِ اللَّهُ بَعْدَهُ فَرَجًا. وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]»
موطأ مالك - رواية يحيى - ٢/٤٤٦
زيارة أسامة الرفاعي مفتي الجمهورية ومحمد أبو الخير شكري وزير الأوقاف لقبر النووي في مدينة نوى بدرعا
ترى أدعياء التلفية والأثرية الكفرة يرفعون عقيرتهم بالدعوة إلى التوحيد الخالص محاربة للقبورية والأشعرية، ثم هم يسبحون بحمد ولي أمرهم الذي سلم وزارة الأوقاف والشؤون الإشلامية برمتها إلى رؤوس الأشعرية وسدنة الصوفية وعباد القبور! وكيف يستقيم في عقل عاقل أو دين أثري أن يطاع ولي الأمر وهو يمكن لمن ينشر الشرك والضلال بين إخوانكم العوام؟ مما يوجب على كل صاحب أثر صحيح أن يكشف عوار التلفية والأثرية الكفرة ، ويبين مناقضتهم لسبيل السلف .
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) ﴾
وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم، حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وفراق عبادة الآلهة والأوثان ﴿لنخرجنَّكم من أرضنا﴾ ، يعنون: من بلادنا فنطردكم عنها ﴿أو لتعودن في مِلّتنا﴾ ، يعنون: إلا أن تَعُودوا في دِيننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام.
تفسير الطبري جامع البيان - ١٣/٦١٢ .
أن الله توعد بإهلاك "الظالمين" بالعموم، ووصف ديارهم بأنها "لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا" فنسب الأرض كلها لأهل الكفر تَبَعاً للغالب السائد، مع أن الأنبياء وأتباعهم المؤمنين كانوا من جملة سكان تلك الأرض والديار ومقيمين في زواياها، فدل على أن الدار تُحكم وتُوصف بالكفر بالعموم بناء على الغالب، وأن وجود المؤمن النادر لا يبطل حكم العموم المسلط على الدار وأهلها .
وَقَوْلُهُ: «مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ»، فَالْعَوْدُ: قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا دَخَلَ فِي الإِسْلامِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَصِيرِ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷾ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﷺ ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ…
{فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}
حجة ظاهرة في أن حكم العموم مسلط على الديار تَبَعاً للظاهر والغالب، سواء كان هذا الحكم بالكفر أو بالإيمان ، فوجه الدلالة الصريحة أن الله لما ذكر حال القرى السابقة، عمم عليها وصف عدم الإيمان واستحقاق العذاب تَبَعاً لغلبة الكفر في ديارها، ولم يمنع وجود الأنبياء وأتباعهم المنسوبين إليها مساكنة من إطلاق هذا الحكم الكفري العام بالظاهر ، ثم لما ذكر الله "قوم يونس" جعلهم المستثنى الأوحد من هذا السنن، فحكم عليهم بالعموم والشمول بـوصف الإيمان والنجاة لما تابوا من الكفر وأسلموا ، فغلب وصف الإيمان على ديارهم وطائفتهم وصار شعارهم الظاهر، فدل هذا على أن الأحكام في الديار والخطاب تتبع الغالب المحيط بالمجموع ، فيُطلق وصف الكفر بالعموم إذا غلب الكفر وشعاره، ويُطلق وصف الإيمان بالعموم إذا غلب الإيمان وشعاره، وأن وجود النادر المستثنى في الحالين لا يبطل حكم الغالب المسلط على الدار وأهلها .