
خطب ومحاضرات مكتوبة وغير مكتوبة
وبيان ذلك أن في الشباب قوة وعزيمة، فإذا هرم الإنسان وشاب ضعفت القوة، وفترت العزيمة، وفي الصحة نشاط وانبساط، فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه، وضاقت نفسه، وثقلت عليه الأعمال وفي الغنى راحة وفراغ فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب المعيشة لنفسه ولعياله، وفي الفراغ استعداد…
وبيان ذلك أن في الشباب قوة وعزيمة، فإذا هرم الإنسان وشاب ضعفت القوة، وفترت العزيمة، وفي الصحة نشاط وانبساط، فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه، وضاقت نفسه، وثقلت عليه الأعمال وفي الغنى راحة وفراغ فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب المعيشة لنفسه ولعياله، وفي الفراغ استعداد للعمل وقدرة عليه، فإذا اشتغل الإنسان لم يتمكن من العمل ولم يتهيأ له، وفي الحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال، فإذا مات العبد انقطعت عنه أوقات الإمكان.
فاتقوا الله أيها المسلمون فيما تستقبلونه من صفحات بيض لا تلوثوها بالشر ولا تودعوها إلا خيرا.، يروى أن رسول الله ﷺ خطب فقال في خطبته أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم، ومن الحياة قبل الممات وجاء في الأثر أن أبا بكر الصديق قال في خطبته (إنكم تغدون وتروحون إلى أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا)
عباد الله، اعتبروا ما بقي من أعماركم بما مضى منها، واعلموا أن كل آت قريب، وأن كل موجود منكم زائل فابتدروا الأعمال، وخير ما أحثكم عليه وأوصيكم به ونفسي تقوى الله تعالى، وتذكر ما أسلفنا تذكراً يدعونا إلى التوبة من قبيح الفعال، والإنابة الصادقة إلى ذي العزة والجلال، يقول الله جل شأنه: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ
ويقول سبحانه إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
اللهم أختم لنا بالصالحات، اللهم أختم لنا بالصالحات، اللهم أختم لنا بالصالحات، وأعذنا من الشك والشرك والشقاق والنفاق والطغيان، وهب لنا الخير والسعادة والأمان وأعذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن .
اللهم بارك لنا في القرآن وأنفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ووفقنا للعمل الصالح والتوبة النصوح.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فتوبوا إليه واستغفروه يتب عليكم ويغفر لكم إنه هو التواب الرحيم الغفور.
*الخطبة الثانية*
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه سبحانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأعوانه وإخوانه وسلم تسليما كثيرا.
*أما بعد:*
أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى واحذروا المعاصي والمخالفات، فإن أجسامكم على النار لا تقوى، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا ،وتأهبوا للعرض الأكبر على الله يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، حاسبوا أنفسكم فنعم الحساب فنعم الحساب فنعم الحساب، فإنه يدعو إلى إصلاح ما فسد من النفس، ويدعو إلى تدارك ما فرط منها، حاسبوا أنفسكم لتعلموا مدى ربحكم وخسارتكم ،وإذا كان أصحاب الأعمال التجارية يضعون حساباً لأموالهم يعرفون من خلاله ربحهم وخسارتهم كل عام مالي ويضعون ميزانية لهم في كل عام مالي يعرفون به ربحهم من خسارتهم، فجدير بالمسلم أن يحاسب نفسه في كل يوم في كل عام وفي كل شهر وفي كل عام في آخر كل عام وفي آخر كل شهر وفي آخر كل يوم وفي كل يوم وليلة، جدير بالمسلم أن يحاسب نفسه وأن يجدد توبة نصوحاً، وأن يكون على استعداد دائم للقاء ربه ، هكذا المسلم الحازم اللبيب الذي يرجو فكاك نفسه وسلامتها من عذاب الله ، هو الذي يحاسب نفسه في كل يوم وفي كل عام وفي كل شهر، يجدد توبة نصوحاً يحاسب نفسه في أدائه للصلاة هل أداها كما أمر الله وكما أمر رسوله ﷺ هل أداها عن إخلاص هل أداها عن متابعة لرسول الله ﷺ هل أداها عن خشوع، يحاسب نفسه هل أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه؟ يحاسب نفسه هل أدى صيام رمضان
كما أمر الله؟ يحاسب نفسه هل أدى حج بيت الله الحرام كما أمره الله؟ هل بر والديه كما أمره الله؟ هل وصل رحمه كما أمره الله؟ هل أدى الأمانات والواجبات التي أوجبها الله عليه كما أمر الله؟ يحاسب الإنسان نفسه هكذا.
المحاسبة التي يحاسب الإنسان بها نفسه في هذه الدنيا يخف عليه الحساب يوم القيامة، ومن لم يحاسب نفسه في هذه الدنيا، فإنه يحاسب يوم القيامة، والله تعالى قائم على كل نفس بما كسبت، والله رقيب، وليس بغافل ، وللإنسان موقف بين يدي الله في هذه الدنيا حينما يقف بين يديه للصلاة، وموقف يقفه بين يديه يوم القيامة فمن أحسن في هذا الموقف في موقفه في عبادات ربه وفي وقوفه بين يديه للصلاة فمن أحسن خفف عليه ذلك الموقف، ومن أساء في هذا الموقف شدد عليه في ذلك الموقف، فعلينا أن نحاسب أنفسنا وعلينا أن نجدد توبة نصوح وأن نؤدي ما أوجب الله علينا.
والتوبة النصوح ليست كلمة يقولها الإنسان بلسانه، ولكن التوبة: هي إقلاع عن المعاصي وترك وتخلٍ عن المعاصي الذي يكون الإنسان متلبساً بها، إن كان متلبساً بالتعامل بالربا يتخلى عن تعامل الربا، إن كان متلبساً بإضاعة الصلاة يتخلى عن إضاعة الصلاة ويحافظ عليها، إن كان متلبساً بعقوق الوالدين يتخلى عن عقوق الوالدين ويبر والديه، إن كان متلبساً بأكل الرشوة يتخلى عن أكل الرشوة، وهكذا يتخلى عن المعاصي ليس هناك توبة إلا بالتخلي، أما أن يدعي التوبة وهو مقيم على المعاصي مصر عليها فليست هذه توبة، لا بد من التخلي عن المعاصي التي كنت متلبسا بها لا بد أن تتخلى عنها وتبتعد عنها جانباً وتتخلى عنها وتبتعد عنها.
ثم شرط أخر وهو ندم على ما مضى وتأسف وتحسر حتى لا يكون الإنسان مستمرياً للمعصية.
ثم عزم صادق جازم على عدم العودة إليها.
ثم رد للمظالم إذا كانت بينك وبين الناس، إذا كانت مظالم تتعلق بأبدان الناس وأبشارهم وأجسامهم تسلم نفسك لهم حتى يقتصوا منك أو تصطلح معهم على مال أو يسمحوا لك، إن كان مالاً تؤدي حقوق الناس المالية، إن كان عرضاً تتحلله منها أو تدعو لهم بظهر الغيب إذا لم تتمكن.
فعلينا أن نجدد توبة نصوح في كل وقت ولا سيما في آخر كل عام هجري وفي آخر كل شهر وفي آخر كل يوم وفي آخر كل ليلة، علينا أن نجدد التوبة النصوح في كل وقت وفي كل زمان وفي كل وقت.
توبة الله على عباده هي الفريضة الواجبة على كل إنسان في كل وقت فرضها الله تعالى على الجميع، قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال عليه الصلاة والسلام إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ. وقال تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
أسأل الله أن يوفقني وإياكم للتوبة النصوح والعمل الصالح، وأن يوفقنا للعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يوفقنا لأداء ما أوجب الله علينا وترك ما حرم الله علينا وأن يوفقنا للخير للازدياد من الخير من الأعمال الخيرية والتنافس في الأعمال الصالحات، وأن يوفقنا لتلاوة القرآن بتدبر وخشوع وخضوع ورغبة.
وأحسن الحديث وأحسن الكلام كلام الله وشر الأمور محدثاتها.
فعلينا أن نتلو كتاب ربنا وسنة نبينا محمد ﷺ نتلوهما ونتعلم معانيهما ونتفقه في أحكامهما، وذلك
وإِنَّ أًحسَنَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وَخَيرُ الهديِ هديُ محمَّدٍ ﷺ، وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها ، وكلُّ محدثةٍ بِدعةٌ ، وكُلُّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وكلُّ ضلالةٍ في النَّارِ
والزموا جماعة المسلمين الزموا جماعة المسلمين في معتقداتهم وفي عبادتهم وفي بلدانهم وأوطانهم؛ فإن يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ومن شذ عنهم في الدنيا شذ في النار يوم القيامة.
ألا وصلوا على محمد ﷺ فإن الله أمركم بذلك حيث قال إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وقد قال عليه الصلاة والسلام: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
*خطبة عن توديع عام واستقبال العام الجديد*
*الخطبة الأولى*
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، أحمده سبحانه جعل في تعاقب الليل والنهار عبرة لأولي الأبصار، وجعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، منه المبتدئ وإليه المنتهى والمآب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله أفضل من تعبد لله وأناب، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب وسلم تسليماً كثيرا
أما بعد:
أيها الناس، يقول الله تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، يبين الله أنه جعل الليل يخلف النهار والنهار يخلف الليل وأن في ذلك العبرة لمن أراد التذكر وأراد شكر الله وأن يقضي عمل الليل إذا فات بالنهار، وأن يقضي عمل النهار إذا فات بالليل، فله الحكمة البالغة .
فاتقوا الله عباد الله وتبصروا في هذه الأيام والليالي فإنها مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة حتى تنتهي إلى أخر سفرنا، وكل يوم يمر بنا فإنه يبعدنا من الدنيا ويقربنا من الآخرة.
إخواني ألم تروا إلى هذه الشمس كل يوم تطلع من مشرقها وتغرب في مغربها وفي ذلك أعظم الاعتبار؛ فإن طلوعها ثم غيابها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار وإنما هي طلوع ثم غياب وزوال، ألم تروا إلى هذه الشهور تهل فيها الأهلة صغيرة كما يولد الأطفال ثم تنمو رويدا رويدا كما تنمو الأجسام حتى إذا تكامل نموها أخذت في النقص والاضمحلال، وهكذا عمر الإنسان سواء، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ
ألم تروا إلى هذه الأعوام تتجدد عاماً بعد عام، فإذا دخل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظر البعيد ثم تمر به الأيام سراعاً فينصرم العام كلمح البصر فإذا هو في أخر العام وهكذا عمر الإنسان يتطلع إلى آخره تطلع البعيد فإذا به قد هجم عليه الموت يؤمل الإنسان بطول العمر ويتسلى بالأماني فإذا بحبل الأماني قد انصرم وببناء الأماني قد انهدم.
أيها المسلمون، إننا في هذه الأيام نودع عاماً ماضياً شهيدا، ونستقبل عاماً مقبلاً جديدا، فليت شعري ماذا أودعنا في العام الماضي، وماذا نستقبل به العام الجديد، ليحاسب العاقل نفسه ولينظر في أمره، فإن كان قد فرط في شيء من الواجبات فليتب إلى الله وليتدارك ما فات، وإن كان ظالماً لنفسه بفعل المعاصي والمحرمات والمخالفات فليقلع عنها قبل حلول الأجل وقبل فوات الآوان، وإن كان ممن من الله عليه بالاستقامة فليحمد الله على ذلك وليسأله الثبات عليها إلى الممات.
فاتقوا الله يا عباد الله وخذوا من تجاربكم ، وتصرم الأيام والأعوام عبرة درساً يذكركم بإن لكل شيء ما عدا الله بداية ونهاية، فهذه الجمعة هي أخر جمعة في هذا العام الهجري، وغداً سيطوى سجله ويختم عمله ، فليقف كل منا مع نفسه وقفة قصيرة محاسباً لها، ماذا أسلفت في عامها الماضي، فإن يكن خيراً ازداد ولا شيء خير من الخير إلا ثوابه ، وإن كان غير ذلك أقلع وأناب فلا شيء شر من الشر إلا عقابه، وإنما تمحى السيئة بالحسنة، ليقف كلٌ منا مع نفسه هنيهة من الزمن.
ليسألها عن موقفها من فريضة الصلاة ،وماذا عملت في أداء الزكاة ، وأين هي من المحافظة على حقوق الناس ومن تمسكها بالصدق والوفاء وكريم الأخلاق ونبيل الفعال، ليسألها عن شعورها عند ذكر الكبير المتعال، ليسألها عن كسبها الحسي والمعنوي أهو حرام خبيث أم هو مما أحل الله من الطيبات.
عباد الله، حاسبوا أنفسكم، ليحاسب كل منا نفسه فنحن اليوم أقدر على العلاج منا غدا، وما ندري ما يأتي به الغد، حاسبوها فنعم الختام لعامنا بالحساب الدقيق، والتوبة النصوح، والعزم الصادق، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
إخواني ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، وليست التوبة مجرد قول باللسان من غير تخلٍ عن المعاصي والذنوب، إنما الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وإنما التوبة الصادقة ندم على ما مضى من الذنوب وإقلاع عن المعاصي والعيوب والسيئات وإنابة إلى الله بإصلاح العمل، ومراقبة لله علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية، فحققوا الإيمان بالتوبة فإنكم في زمن الإمكان.
أيها المسلمون، غداً سوف يشع فجر عام هجري جديد، تستفتح فيه صفحات بيضاء من صفحات الحياة، لا يدري أحد ماذا سيسطر فيها إلا الله، فطوبى لعبد اغتنم فرص هذه الأيام بما يقربه إلى مولاه! طوبى لعبد شغلها بالطاعات وتجنب المعاصي! طوبى لعبد اتعظ بما فيها من تقلبات الأمور والأحوال! طوبى لعبد استدل بتقلباتها على ما لله فيها من الحكم البالغة والأسرار يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ.
وعظ النبي ﷺم رجلاً فقال: اغتنم خمسًا قَبْلَ خَمْس: شَبَابَكَ قبْلَ هَرَمِكَ، وَصحَّتَكَ قبل سَقَمِك، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبل شُغلِك، وَحياتَكَ قبل مَوْتِكَ
أسبابُ تكفيرِ السيئاتِ الخطبة الأولى إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ…
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ ضِدَّ الْمُعْتَدِينِ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ الْغَاصِبِينَ، وَالنَّصَارَى الظَّالِمِينَ، وَالْمَجُوسِ الْحَاقِدِينَ، وَأَعْوَانِهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ حُجَّاجَ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَاحْرِسْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ.
اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنَّا الْغَلَاءَ وَالْوَبَاءَ وَالرِّبَا، وَالزِّنَا، وَالزَّلَازِلَ وَالْمِحَنَ، وَسُوءَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، عَنْ بَلَدِنَا هَذَا خَاصَّةً وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً. عِبَادَ اللهِ : ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
ثامنا: صيامُ رمضانَ، قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينَهُنَّ، إذا اجْتُنِبَتْ الكبائرُ».
تاسعا: الحجُّ والعُمْرَةُ، قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَنْ حجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه» متفق عليه، وقالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «العمرةُ إلى العمرةِ كفارَةٌ لما بينهما ، والحجُّ المبرورُ ليس لَهُ جزاءٌ إلَّا الجنَّةَ» متفق عليه.
عاشراً: دُعَاءُ المسلمِ لأخيه بظهْرِ الغيبِ؛ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ما مِنْ عبدٍ مُسْلِمٍ يدعو لأخيه بظهرِ الغيبِ، إلا قالَ الـمَلَكُ: ولكَ بمثْلٍ».
أحدَ عَشَرَ: حضورُ مجالِسِ الذِّكْرِ؛ قالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «ما جَلَسَ قومٌ يذكرونَ اللهَ عزَّ وجلَّ، إلا نادَاهم منادٍ من السماءِ: قُومُوا مغفورًا لكم، قد بُدِّلَتْ سيِّئَاتِكم حَسَنَاتٍ».
اثنا عَشَرَ: ذكرُ اللهِ تعالى، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدَ اللهَ ثلاثًا وثلاثين، وكبَّرَ اللهَ ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعةٌ وتسعونَ، وقالَ تمامَ المائةِ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، غُفِرَتْ خطايَاه وإنْ كانت مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» رواه مُسْلِمٌ، وقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ قالَ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه في يومٍ مائةَ مرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَاياه وإنْ كانت مِثْلَ زَبَدِ البحرِ» متفق عليه.
عبادَ اللهِ: وهناك أسبابٌ أخرى تَنْدَفِعُ بها العُقُوبَةُ عن العبدِ المذْنِبِ؛ كشفاعَةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ له يومَ القيامَةِ، وما يصيبُه من ابتلاءاتٍ له في الدنيا وفي البرزَخِ، وما يلاقيه العبدُ في عرَصَاتِ يومِ القيامَةِ من الأهوالِ والشدائِدِ، أو ما يُهْديه الحيُّ للميِّتِ من الأعمالِ الصالحَةِ، وأخيرًا أنْ تشملَه رحمةُ أرحمِ الراحمينَ، فَمَنْ أَخْطَأَتْه هذه الأسبابُ فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه؛ كما قالَ تعالى في الحديثِ القدسيِّ: «إنما هي أعمالُكم أحصيها لكم، ثم أُوَفِّيْكُم إيَّاها، فَمَنْ وَجَدَ خيرًا فلْيَحْمَدِ اللهَ، ومَنْ وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومّنَّ إلا نفسَه» رواه مسلم.
اللهُمَّ اغفرْ لنا ذنوبَنا وخطايانا، وتجاوزْ عن سيئاتِنا، يا أرحمَ الراحمين. باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ على إحسانِه، والشُّكْرُ له على توفيقِه وامتنانِه؛ أمَّا بعدُ: فإنَّ السلامَةَ يا عبادَ اللهِ لا يعْدِلُها شيءٌ، وإنَّ العافِيَةَ من الذنبِ خيرٌ من الوقوعِ فيه، وإنَّ عدمَ الوقوعِ في الذنوبِ والمعاصي خيرٌ من التوبَةِ منها، فإنَّه لا يوفَّقُ للتوبَةِ كلُّ أحدٍ ولا يُفْتَحُ بابَ المغفرة لكلِّ والجٍ، وعِلْمُ العبدِ بِقُبْحِ المعصيةِ ودناءَتِها يمنعُه من الوقوعِ فيها.
ومن الموانِعِ من الوقوعِ في المعاصِي أنْ يرى العبدُ نِعَمَ اللهِ عليه، فلا يعصيه بها؛ لكيلا تُسْلَبَ منه. ومنها أنْ يجعلَ خوفَ اللهِ وخشيَةَ عقابِه نُصْبَ عينيه.
ولعلَّ أقوى هذه الأسبابِ التي تمنعُ من الوقوعِ في الذنبِ هي محبةُ اللهِ تعالى، وكذلك تزكيةُ النفسِ وتطهيرُها؛ فقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، ومنها قُوَّةُ العلمِ بسوءِ عاقِبَةِ المعصيةِ وشؤمِها في الحياةِ الدنيا وفي الآخِرَةِ، ومنها أنْ يَقْصُرَ العبدُ أملَه في الدنيا ويستعدَّ للموتِ، وأنْ يُقَلِّلَ من فواضلِ الأمورِ في الأكلِ والملبسِ ومخالَطَةِ الناسِ. اللهُمَّ وَفِّقْنا للتوبَةِ النصوحِ، واجعلْنا من عبادِك التوَّابين المتطهِّرينَ.
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ - جَلَّ في عُلَاهُ - : ﴿ إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ بِتَوْفِيقِكَ وَتَأْيِيدِكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أسبابُ تكفيرِ السيئاتِ
الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أَمَّا بَعْدُ: فَأوصيكُم أيُّها المسلمونَ بلزومِ تقوى اللهِ، والحذرِ من عقوبتِه، والتوبةِ من ذنوبِكم، فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ، شديدُ العقابِ.
أيُّها المسلمونَ: إنَّ الأصلَ في العبدِ الذنبُ والخطَأُ؛ يقولُ اللهُ جلَّ وعلا: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، فَبَدَأَ بالفجورِ قبلَ التقوى إشارةً إلى أنَّه الأصلُ فيها؛ ويقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الحديثِ القدسيِّ الذي يرويه عن ربِّه: «يا عبادِيَ، إنَّكم تُخْطِئُون بالليلِ والنهارِ»، ويقولُ في الحديثِ: «كلُّ ابنِ آدمَ خَطَّاءٌ وخيرُ الخطَّائين التَّوَّابون»، ومن رحمةِ اللهِ بعبادِه أنَّه جعلَ للذنوبِ طُرُقًا يغفرُ اللهُ بها الذنوبَ، ومن هذه الطُّرُقِ والأسبابِ:
أولًا: التوبةُ النصوحُ، قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، وقالَ سبحانَه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، واللهُ جلَّ وعلا يفرحُ بتوبَةِ عبدِه؛ ففي الحديث: «لَلهُ أفرحُ بتوبَةِ عبدِه من أحدِكم سَقَطَ على بعيرِه وقد أضلَّه بأرضٍ فلاةٍ» متفق عليه.
واللهُ سبحانه وتعالى يريدُ أنْ يتوبَ على عبادِه؛ كما قالَ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، ويحِبُّ اللهُ توبةُ عبدِه، كما قالَ سبحانَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وليسَ هناك ذنبٌ أعظمُ من الشركِ، والمشرِكُ متى أسلَمَ وتابَ؛ تابَ اللهُ عليه، وغفرَ له، فعليكَ بالتوبَةِ مما قد عَلِمْتَ أنك فعلتَه، وبعدَ التوبَةِ ينتهي كلُّ شيءٍ؛ كما قالَ جلَّ وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقالَ تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، وشروطُ التوبةِ النصوحُ يا عبادَ اللهِ: الإقلاعُ عن الذنبِ، والعزمُ على عدَمِ العودَةِ إليه، والندمُ على فعلِه، وردُّ الحقوقِ لأصحابِها.
ثانيًا: الاستغفارُ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقالَ جلَّ وعلا: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾.
ثالثًا: عَمَلُ الحَسَناتِ؛ كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الحديثِ: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتْبِع السيئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخَالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ».
رابعا: الوضوء، عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ - أَوِ المُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» رواه مسلمٌ.
خامسا: صلاةُ ركعتينِ، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ما مِنْ عبدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثم يقومُ فيصلِّي ركعتينِ، ثم يستغفرُ اللهَ، إلا غَفَرَ اللهُ له»؛ رواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ.
سادسا: أداءُ الصلواتِ المكتوبةِ، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «الصلواتُ الخمسُ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينَهُنَّ، إذا اجْتُنِبَتْ الكبائرُ» رواه مسلمٌ.
سابعا: صلاة الجُمُعَةِ قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينَهُنَّ، إذا اجْتُنِبَتْ الكبائرُ».
إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص عنك، فاعلم أن الله لطف بك، لأن المُنعم لم يقبضه بخلاً أن يتمزق ولكن رفقاً بالساعي أن يتعثر .
ابن القيم رحمه الله .
والشكرُ أيضاً استعمالُ النعمة فيما يحبّ الله عز وجل، فأعضاءُ البدن إذا استعملها المسلم في طاعة الله واستخدمها العبدُ فيما أحلّ الله له فقد شكر الله على أعضاء بدنه، وإذا استخدم العبدُ أعضاءَ بدنه في معاصي الله فقد فاته شكرُ الله عز وجل، وحارب ربَّه بنعم الله تعالى. والمالُ إذا أنفقه المسلمُ في الواجب والمستحبّ أو المباح يبتغي بذلك ثوابَ الله فقد شكر الله على نعمة المال، وإذا أنفقه العبدُ في معاصي الله تعالى أو المكروهات أو في فضول المباحات المضرّة فقد فاته شكرُ الله عز وجل، واستعان بالمال على ما يُغضب ربَّه، ويكون وبالاً عليه في الدنيا والآخرة. وإذا تمتَّع العبدُ بالطيبات والمباحات وشكرَ الله عليها وعلِم من قلبه أنها نعم الله تفضَّل بها على عباده فقد أدّى ما عليه في هذه النعم، وإذا نسي المنعِم جل وعلا فقد عرّض النعم للتغير، قال الله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل:112].
ومهما اجتهد المسلم وشكر فلن يستطيع أن يقوم بشكر نعم الله على التمام لقول الله تعالى: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل:18]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لن يدخل الجنةَ أحدٌ منكم بعمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدنيَ الله برحمته)). ولكن حسبُ المسلم أن يعلم عجزَه عن شكر نعم ربّه، وأنه لو شكر على التمام فالشكر يحتاج إلى شكر، وحسبُه أن يمتثل أمرَ ربه، ويبتعد عن معصيته، وأن يسدّد ويقارب، ويكثر الاستغفار.
وأعظمُ نعمة على المكلّفين طاعة الله عز وجل، فإذا وُفِّق المسلم لطاعةٍ لربه فعليه أن لا يبطلَها بمعصيةٍ مضادة، وعليه أن لا يأتي بما ينقصها، وأن يتبعها طاعةً أخرى، فإن الحسنة بعد الحسنة شكرٌ للحسنة وزيادةُ ثواب، وما من طاعة فرضها الله عز وجل إلا شرع من جنسها من الطاعات ما يزداد به المسلم إلى الله قربى، وما يُدخل الله به عبدَه الجناتِ العلا، فالصلاة والزكاة والصيام والحجُّ وغيرُها شرع الله نوافلَ مثلها، تجبر نقصَها، ويتسابق فيها المتسابقون في الخيرات، فمن صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر، كما صحّ بذلك الحديث. ونوافل الصيام المستحبة الأخرى يرفع الله بها الدرجات، ويكفّر بها السيئات. ونوافل الصلاة المعلومة والنفقات التي تأتي بعد الزكاة ونوافل الحج والعمرة والنوافل الأخرى شكرٌ عملي لله تعالى، يزكي الله به العباد، ويجزي الله به أعظمَ الثواب في يوم المعاد.
عباد الله، ما أحسنَ الطاعاتِ بعد الطاعات؛ لأنّ في ذلك رضوانَ الله وزيادةَ ثوابه والحرز من عقابه، وما أقبحَ السيئات بعد الحسنات؛ لأن في ذلك غضبَ الله تعالى ونقص ثوابه أو حرمان الثواب بالكلية.
فدوموا ـ رحمكم الله ـ على طاعة ربّكم في الشهور والأيام كلّها، فربُّ رمضان هو ربُّ الشهور والأعوام، وربُّ المكان والزمان، فليس للمؤمن راحة قبل لقاء ربّه، فيا فوزَ من قدّم لأهوال القيامة الأعمالَ الصالحات، ويا ندامةَ من نسيَ آخرتَه ولقي في قبره السيئاتِ والموبقات، قال الله تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَـاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـئِكَ هُمُ الْفَـاسِقُونَ لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـابُ النَّارِ وَأَصْحَـابُ الْجَنَّةِ أَصْحَـابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:18-20].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وبقوله القويم
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------------------------------
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، أحمده سبحانه عز وجل وأشكره على فضله العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليم الحكيم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله النبي الكريم، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ذوي النهج القويم.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتقربوا إليه ولا تعصوه.
عباد الله، استقيموا على صراط الله المستقيم، واتّبعوا سنةَ نبيّكم الموصوف بالخلق العظيم، واحذروا الشيطان والهوى فإنه يريد أن يجعل الأعمال الصالحة هباءً منثوراً، فاستعينوا عليه بالله، وردّوه خائباً مدحوراً بالمداومة على الطاعة والبعد عن كل معصية، قال الله تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـالَكُمْ) [محمد:33]،