
محمود توفيق
هل أدلك على رجل من الصالحين والزهاد والمنصرفين عن ملذات الدنيا، وأدلك على موقع قبره؟
هل تحب أن تعرف لماذا اخترته لك بينما هو ليس من الأسماء التي يتحاكى الناس عنها عندما يتشوقون لسيرة الأولياء؟
هو رجل لما مات رأت زوجته في منامها عينًا تجري له.
هو رجل قد هاجر في سبيل الله هجرتين.
هو رجل كان شديد الاجتهاد في العبادة، يصوم النهار ويقيم الليل.
هو رجل كان شديدًا في تجنبه للشهوات.
لم تندهش لأن لك أسيادًا سمعت عنهم الخوارق العجيبة؟
هو رجل لما رأت زوجته في منامها عينًا تجري له، ذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: «ذَاكَ عَمَلُهُ».
هو رجل أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وقد هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة.
وهو رجل فقد عينًا في سبيل أن يجاهر بالحق في مكة قبل الهجرة.
وهو رجل ارتدى في المدينة ثوبًا ممزقًا رقّعه حتى رقَّ له النبي ﷺ.
وهو رجل أحبه رسول الله ﷺ حبًا عظيمًا.
وهو رجل شهد غزوة بدر الكبرى.
وهو أول من توفي من المهاجرين في المدينة المنورة، في العام الثالث من الهجرة.
وهو رجل لما مات أكبَّ على جبينه النبي ﷺ يقبّله.
وهو أول من دفن ببقيع الغرقد.
وهو رجل لم يكن قبره بعيدًا عن مساكن المهاجرين والأنصار مثل قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، بل كان الجيل الأول من المسلمين يمرون على هذا القبر في الذهاب والعودة.
هذا الراهب العظيم، الزاهد، ممزق الثوب، الفاقد عينه في مرضاة الله، المهاجر في سبيل الله كي ينجو بدينه، الذي أثنى عليه النبي ﷺ حيًا وميتًا، كان مدفونًا في المدينة المنورة، وليس في أي مكان.
ومنذ العام الثالث للهجرة الذي واروه فيه الثرى الطيب، في البلد الطيب، لم يُنقل عن امرأة واحدة من المهاجرين – وهو منهم – أنها قصدت قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه من أجل أن يداوي بنتها من مرض عضال، ولا عُرف عن امرأة واحدة من الأنصار أنها قصدت قبره باكيةً كي يرزق بنتها زوجًا.
هذا الرجل الذي شارك النبي ﷺ في دفنه، ووضع صخرة بيده علامةً لقبره، لم يشعل الناس الشمع عند قبره من يومها وإلى الآن، ولم ينذروا له، لا في حياة نبيهم ولا بعد موته، ولا شذّت عن ذلك امرأة واحدة مهما بلغ بها الخرق، ولم يحلّه خطيب من فوق منبر بحجة التبرك برجل أحبه النبي ﷺ.
لم يكن هذا سهوًا عن باب مفتوح، ولا غفلة عن حظ قريب، وقد مرت على الناس من بعد موته المصائب والمحن والملاحم التي تحرك القلوب للبحث عن مغيث، ومنها موت النبي ﷺ، ومنها الردة، بل كان توحيدًا استقر في القلوب استقرارًا لا تزعزعه الخواطر، توحيدًا جعل تلك الاستغاثة بعيدة عن أفئدة الجيل الأول بعدًا ساحقًا، حتى على أكثر النفوس في ذلك الزمن جزعًا وحنينًا لما كان من أمر الجاهلية.
الألواح التي تبقت من حطام سفينتنا، تشاجرنا بها.
من أثقل المناظر التي وقع عليها بصري في هذه الحياة، منظر إنسان فقد عقله ومضى في دروب الحياة بملابس بالية وهو يكلم نفسه وينطق باسم من ظلمه، وسيبقى هكذا للنهاية يجول بالشوارع متخبطا من غدرة فلان به وظلمه له وأكله لحقه.
فلا تجعل إنسانا يترنح منك في الطرقات وهو يحمل مظلمته.
ولا تصاحب غادرا ظلم الآخرين يعيش متباهيا بذكائه الخبيث.
ولا تشهد على غدرة أو مظلمة وهي تنشأ أمامك.
ولا تستر على خائن يكاد أحدهم يقع أمامك في مصيدته.
الحمد لله على أفضاله التي اعتدنا عليها حتى لم نؤدِ شكرها، والحمد لله على أفضاله التي ألهتنا نفوسنا عن أن نتفكّر بها، والحمد لله على أفضاله التي لم نحط بها علمًا، والحمد لله على كل خير ساقه إلينا حتى ظننا أنه كان من الطبيعي أن يأتينا، والحمد لله على كل شر حجزه عنا حتى ظننا أنه كان من الطبيعي ألا يصيبنا.
بعض الناس لا يتحملون أن يروا المبتلى وقد حافظ على هندامه، وأبقى على لباقته وترتيب أفكاره، لا يتحملون أن يروا البلاء وقد عجز عن أن يضفي عليه مسحة من المذلة.
تحية لمن يضرب الضوء القوي في وجه من يظن أنه يستغفله، ليقول له إنك مكشوف تمامًا.
تحية لمن يحمي نفسه ويحسن تأديب من استهتر به حتى لا يفعلها مرة ثانية.
تحية للنفس التي لا ترتعش عندما تفعل ما كان يجب عليها القيام به.
يمكن أن يحسدوك على روحك القوية التي تجعلك تبدأ من جديد، بدلا من أن تنزوي وتبكي.
يمكن أن يحسدوك على ثقتك بالله التي لم تهتز في قلب العواصف.
يمكن أن يحسدوك على أنك لا تبالي بما قيل من وراء ظهرك، وأنك اخترت بدلا من ذلك أن تتعلم من أخطائك من أجل جولة أخرى.
يمكن أن يحسدوك على تلك القوة الكامنة فيك، التي تجعلك حتى وأنت في أسوأ أوضاعك لا تثير الشفقة.
يكفيك جدًا من إنسان تلك الإرادة التي يبذلها كي يبقى على العهد، وكي لا يخونك أبدًا في برق الدنيا وفي عتمتها.
يكفيك من إنسان ذلك الثمن الباهظ الذي يدفعه من أعصابه كي يتماسك ولا يخسرك وقت اندفاعك.
يكفيك من إنسان صبره على الشقوق التي تتبدى له كل حين في حياته وعلاقاته، وهو جالس، بكل ما فيه صبر، يرفو هنا ويرفو هناك ولا تحدّثه نفسه بالهرب.
أريد أن أفاجئ نفسي.
أن أصنع ما لم أصنعه من قبل.
أن أكتشف بعد كل ما مر من عمري أن لديَّ من داخلي ما كان يستحق التفتيش عنه أكثر من مرة.
أريد ألا أستقيل من الأمل قبل أن أحقق شيئًا يجعلني أقول لنفسي راضيًا: هل رأيت؟!
ما عرفت إنسانًا خالف عقله وطريقته وانقاد إلى هواه في حب شخص غير مناسب له، وصمَّ أذنيه عن همس الملامة الذي تهمس به نفسه، إلا وجاء عليه من الأيام يومٌ يسمع فيه من هذا ما لا يسره، وجرأة على النقد ما كان يتوقعها.
إن الحياة تقول لمن أبطل عقله واتبع مزاجه: ذقْ.