Select your region
and interface language
We’ll show relevant
Telegram channels and features
Region
avatar

مجاهد بشرى - عشم

mujo84
هذه القناة مخصصة لكل الكتابات الإستقصائية و التي قد تتعرض للحذف من على فيسبوك .
Subscribers
11 313
24 hours
-29
30 days
-169
Unusual 24 hours drop
Post views
667
ER
5,9%
Posts (30d)
35
Characters in post
3 452
Insights from AI analysis of channel posts
Channel category
Politics
Audience gender
Male
Audience age
35-44
Audience financial status
Middle
Audience professions
Government & Public Sector
Summary
September 16, 19:24

والآن نستطيع العودة إلى تاجر العملة الذي بدأنا منه، هل يستطيع المضاربون رفع السعر؟ نعم، ويمكن للخوف والشائعات والمضاربة أن تزيد سرعة الانهيار، لكن هل تاجر العملة هو الذي خلق عشرات الترليونات من الجنيهات؟ لا طبعاً، هل هو الذي قرر حجم تمويل الحكومة؟ لا، هل هو الذي رفع الدولار الجمركي؟ لا، هل هو الذي جعل الدولة تحتاج إلى تمويل حرب طويلة؟ لا، وهل هو المسؤول وحده عن خروج الذهب بعيداً عن القنوات الرسمية؟ لا، لذلك فإن تحميل تاجر العملة وحده مسؤولية انهيار الجنيه يشبه لوم ميزان الحرارة لأنه أخبرك أن المريض مصاب بالحمى.
سعر الدولار في السوق الموازي هو المكان الذي تظهر فيه أمراض كثيرة في الوقت نفسه، يظهر فيه ضعف الإنتاج، وحاجة الدولة إلى التمويل، وزيادة كمية الجنيهات، وارتفاع تكاليف الاستيراد، ونقص العملات الأجنبية، وتهريب الذهب، وفقدان الناس الثقة في الجنيه، التاجر يرى كل هذه الأشياء قبل أن يراها المواطن في تقرير اقتصادي، فيرفع سعره لأنه يعرف أن الشخص الذي أمامه يريد الدولار وأن الدولارات المتاحة أقل من حجم الطلب عليها.
وهنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أهم من سعر الدولار نفسه: من يدفع كل هذه التكلفة؟ عندما تزيد الضرائب والجمارك، يدفعها التاجر أولاً ثم ينقل جزءاً منها إلى المواطن، عندما ترتفع تكلفة الإنتاج والاستيراد، يدفع المواطن في سعر السلعة، عندما يزداد التضخم، يدفع الموظف لأن راتبه يشتري أقل، وعندما ينخفض الجنيه، يدفع صاحب المدخرات لأن الأموال التي جمعها طوال سنوات تفقد جزءاً من قيمتها، وإذا خرج الذهب من السودان ولم تدخل حصيلته إلى النظام الرسمي، يدفع الاقتصاد كله مرة أخرى لأنه فقد دولارات كان يمكن أن تساعد في تمويل الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة.
ولذلك لا يمكن فهم انهيار الجنيه بالنظر إلى شاشة تاجر العملة وحدها، علينا أن ننظر إلى ما قبل الشاشة: من أين تأتي الجنيهات؟ أين تذهب أموال الحكومة؟ كيف تمول الحرب؟ ماذا يحدث للقطاع الخاص؟ أين تذهب الضرائب؟ لماذا يحتاج الاقتصاد إلى هذا الكم من الدولار؟ أين يذهب الذهب؟ ومن يحصل على حصيلته؟ عندها فقط تبدأ الصورة في الاكتمال.
وفي النهاية يمكن اختصار القصة كلها بمثال بسيط. تخيل سوقاً يدخل إليه كل يوم مزيد من الناس يحملون مزيداً من الجنيهات ويريدون شراء الدولار، بينما عدد الدولارات الموجودة على الطاولة لا يزيد بالمعدل نفسه، وفي الوقت ذاته يوجد باب خلفي يخرج منه جزء من الذهب الذي كان يمكن بيعه وإحضار دولارات جديدة إلى تلك الطاولة، ماذا تتوقع أن يحدث لسعر الدولار؟ سيرتفع، وماذا يحدث عندما يرتفع؟ يأتي مزيد من الناس خوفاً على مدخراتهم، فيزداد الزحام حول الطاولة أكثر.
هذه هي قصة الجنيه ببساطة: أموال محلية تتوسع، اقتصاد حقيقي أضعفته الحرب، دولة تحتاج إلى تمويل متزايد، دولار شحيح، ذهب يتسرب جزء منه خارج القنوات الرسمية، ومواطن يخشى أن يستيقظ غداً فيجد أن ما جمعه طوال سنوات أصبح يساوي أقل.
ولذلك ربما ظللنا طوال الوقت نسأل السؤال الخطأ، السؤال ليس فقط: لماذا وصل الدولار إلى هذا السعر؟ السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك هو: لماذا أصبح الجنيه الذي في جيب المواطن وحسابه يساوي أقل يوماً بعد يوم، ومن أين جاءت الضغوط التي جعلته يفقد قيمته؟
عندما نجيب عن هذا السؤال، سنكتشف أن الدولار لم يصنع الأزمة.
الدولار فقط كشفها.

September 16, 19:23

ولكي ندرك حجم المسألة، نجد أنه بحلول يونيو 2026 كانت مطالبات الجهاز المصرفي على القطاع العام أكبر بعدة مرات من مطالباته على القطاع الخاص، تخيل أن هناك بنكاً لديه أموال يستطيع تمويل الاقتصاد بها، لكن الدولة تأخذ حصة ضخمة من هذا التمويل، كلما توسع نصيب الحكومة، تصبح هناك مساحة أقل نسبياً أمام المصانع والمزارعين والتجار والشركات للحصول على التمويل الذي يحتاجونه للإنتاج، الاقتصاديون يسمون جزءاً من هذه الظاهرة «مزاحمة القطاع الخاص»، لكن المواطن لا يحتاج إلى المصطلح، يكفي أن يعرف أن الأموال عندما تذهب إلى تمويل الإنفاق الحكومي لا تكون في الوقت نفسه متاحة لتمويل مصنع أو مزرعة أو مشروع ينتج سلعة جديدة.
وإذا لم تكفِ هذه الموارد، تذهب الدولة إلى جيب آخر: الضرائب والجمارك والرسوم، وفي أبريل 2026 مثلاً رُفع سعر الدولار المستخدم في التقييم الجمركي من 2,827.61 جنيه إلى 3,222.8 جنيه، بزيادة 14%، وكانت تلك الزيادة التاسعة خلال أربعة عشر شهراً وفق «سودان تريبيون». وقد يبدو هذا الرقم بعيداً عن المواطن الذي لا يستورد شيئاً من الخارج، لكنه يصل إليه أسرع مما يتصور.
لنفترض أن تاجراً يستورد زيتاً أو دواءً أو قطع غيار، عندما ترتفع عليه الجمارك والرسوم وتكلفة الدولار، فلن يقول: «سأدفع الفرق من جيبي حتى لا يتضرر المواطن»، سيضيف جزءاً من التكلفة إلى سعر السلعة، تاجر الجملة يفعل الشيء نفسه، ثم صاحب الدكان، وفي النهاية يصل الزيت أو الدواء أو قطعة الغيار إلى المواطن بسعر أعلى، وهكذا يمكن أن يدفع المواطن جزءاً من تكلفة الأزمة من دون أن يرى في أي فاتورة بنداً مكتوباً عليه: تكلفة الحرب.
لكننا إذا توقفنا هنا سنفقد نصف القصة، لأن الجنيه لا يتعامل مع الجنيه وحده، السودان يحتاج إلى الدولار أيضاً، نستورد أدوية ووقوداً وآلات ومدخلات إنتاج وسلعاً كثيرة من الخارج، وهذه الأشياء لا يبيعها العالم لنا بالجنيه السوداني، نحن نحتاج إلى عملات أجنبية لشرائها، ولذلك إذا كانت هناك جنيهات كثيرة داخل الاقتصاد ودولارات قليلة، سيبدأ عدد أكبر من الجنيهات في مطاردة كل دولار متاح، فيرتفع سعره بالجنيه.
وهنا يظهر السؤال الذي يجعل الأزمة أكثر غرابة: إذا كان السودان يحتاج إلى الدولار إلى هذه الدرجة، فأين الذهب؟
الذهب ليس مجرد معدن أصفر نخرجه من الأرض ونبيعه. بالنسبة لاقتصاد مثل السودان، الذهب يعني شيئاً شديد الأهمية: دولارات، عندما تصدر الدولة ذهباً بمائة مليون دولار وتعود حصيلة البيع عبر القنوات الرسمية، أصبح لدى الاقتصاد مائة مليون دولار يستطيع استخدامها في الاستيراد والمعاملات الخارجية، لذلك يفترض أن يكون الذهب واحداً من أقوى الأسلحة التي يملكها السودان لمواجهة نقص العملات الأجنبية.
والمفارقة أن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش تضم أهم مناطق إنتاج الذهب في البلاد، وبحسب بحث Chatham House، بلغ الإنتاج المعلن في مناطق سيطرة الجيش 64.36 طناً في 2024، معظمها من التعدين الأهلي، بينما قالت سلطات بورتسودان إنها صدرت رسمياً 27.96 طناً بعائد يقارب 1.6 مليار دولار، وتشير بيانات بنك السودان التي راجعها الباحثون إلى رقم تصدير أقل قليلاً، يبلغ 22.92 طناً بقيمة 1.57 مليار دولار، اختلاف الأرقام نفسه مهم، فشقيقا البرهان "عبد الرحمن وعمر" البرهان هما أكبر مهربين لذهب السودان إلى مصر.
وهنا نجد شيئاً أكثر خطورة، يقدر البحث نفسه أن الذهب غير الرسمي والمهرّب إلى مصر يعادل نحو 60% من إنتاج ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، وهي مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، وفي المقابل، تقول بيانات بنك السودان إن صادرات الذهب الرسمية إلى مصر في 2024 كانت قيمتها 16.3 مليون دولار فقط من إجمالي صادرات ذهب رسمية قيمتها نحو 1.57 مليار دولار، ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن هناك ذهباً كثيراً ينتج في مناطق سيطرة الجيش، وهناك أدلة بحثية قوية على خروج جزء كبير منه عبر قنوات غير رسمية، خصوصاً باتجاه مصر.
ولنفهم لماذا هذه النقطة خطيرة على الجنيه، تخيل أن السودان أنتج ذهباً قيمته مليون دولار، إذا خرج الذهب رسمياً وعاد المليون دولار إلى السودان، فقد خرج الذهب ودخل الدولار، أما إذا خرج الذهب بالتهريب واستلم صاحبه المليون دولار خارج النظام المصرفي السوداني، فما الذي حدث؟ خرج الذهب، لكن الدولار لم يدخل إلى النظام الرسمي، هذه الجملة وحدها تشرح جزءاً ضخماً من المشكلة.
بل إن الأمر أسوأ من ذلك، السودان تحمل تكلفة إنتاج الذهب أصلاً، هناك عمال، ووقود، وآليات، ونقل، ومواد تستخدم في التعدين، وطرق وخدمات، أي أن الاقتصاد السوداني دفع تكلفة استخراج الثروة من أرضه، فإذا خرجت الثروة ولم تدخل حصيلتها كاملة إلى النظام المالي، فإن السودان لا يخسر الذهب فقط؛ يخسر أيضاً فرصة الحصول على الدولار الذي كان يمكن أن يوفره ذلك الذهب.

September 16, 19:23

لماذا ينهار الجنيه السوداني؟
من تمويل الحرب وتهريب الذهب إلى «بنكك»... شرح بسيط لقصة معقدة
كل يوم تقريباً يسمع المواطن رقماً جديداً للدولار، أربعة آلاف، خمسة آلاف، ستة آلاف، ثم أكثر، ومع كل قفزة يبدأ السؤال نفسه: لماذا يرتفع الدولار بهذه السرعة؟ لكن لفهم ما يحدث، علينا أن نقلب السؤال:
الدولار لم يصبح فجأة مختلفاً، فما الذي يحدث للجنيه نفسه؟ ولماذا يحتاج المواطن إلى عدد أكبر من الجنيهات لشراء الدولار نفسه؟ هذا المقال يحاول الإجابة عن هذا السؤال في الاقتصاد الذي تديره سلطة بورتسودان وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، حيث يوجد بنك السودان المركزي ووزارة المالية والجهاز المصرفي لسلطة الانقلاب، وحيث تُتخذ القرارات المتعلقة بالنقود والضرائب والجمارك، وما وجدناه هو أن انهيار الجنيه ليس قصة تاجر عملة يقف في السوق ويرفع السعر كما يشاء، وإنما نتيجة سلسلة طويلة تبدأ من طريقة تمويل الدولة والحرب، وتمر بكمية الجنيهات الموجودة في الاقتصاد، والضرائب والجمارك، وضعف الإنتاج، ونقص الدولار، وتهريب الذهب، وتنتهي عند المواطن نفسه عندما يخاف على مدخراته ويحاول الهروب بها من الجنيه.
ولنفهم البداية، تخيل أسرة دخلها عشرة آلاف جنيه وتصرف في الشهر عشرة آلاف. الأمور تسير بصورة طبيعية، لكن إذا أصبحت مصروفاتها عشرين ألفاً بينما ظل دخلها عشرة آلاف، فهناك عشرة آلاف ناقصة كل شهر، ولا بد أن تأتي من مكان ما: إما أن تزيد دخلها، أو تستدين، أو تبيع شيئاً تملكه، الدولة تواجه الفكرة نفسها ولكن بأرقام ضخمة جداً، الحرب تحتاج إلى رواتب ووقود ونقل ومعدات وصيانة وإمدادات ومشتريات داخلية وخارجية، والحكومة نفسها وضعت متطلبات المجهود الحربي ضمن أولوياتها المالية، المشكلة أن الحرب التي رفعت المصروفات هي نفسها التي أضعفت الاقتصاد الذي يفترض أن يدفع هذه المصروفات، المصانع والأسواق والتجارة والزراعة والبنية التحتية تعرضت لضربات هائلة، ولذلك أصبح المطلوب من اقتصاد أضعف أن يتحمل فاتورة دولة تخوض حرباً.
وهنا نصل إلى النقطة الأولى التي يجب أن يفهمها أي مواطن: الحكومة لا تستطيع صناعة الثروة بمجرد حاجتها إلى المال، إذا لم تكن الإيرادات الحقيقية كافية لمصروفاتها، فستبحث عن المال بطرق أخرى، يمكن أن تزيد الضرائب والرسوم والجمارك، ويمكن أن تستدين، ويمكن أن تحصل على تمويل من الجهاز المصرفي والبنك المركزي، وكل طريقة من هذه الطرق لها تكلفة، وفي النهاية هناك شخص ما سيدفعها.
لكن قبل أن نتحدث عن الحكومة، علينا أن نفهم شيئاً بسيطاً جداً عن الجنيه نفسه، تخيل سوقاً صغيراً فيه عشر جوالات سكر ومائة جنيه فقط يتنافس بها الناس على شراء السكر، ثم تخيل أننا لم نضف جوالاً واحداً جديداً من السكر، لكن الأموال الموجودة في السوق أصبحت مائتي جنيه، أصبح لدينا مال أكثر يطارد البضاعة نفسها، هذه ليست كل قصة التضخم بالطبع، لكنها أبسط طريقة لفهم لماذا تصبح زيادة النقود خطرة عندما لا يصاحبها ارتفاع حقيقي في الإنتاج والسلع والخدمات.
وهذا يقودنا إلى واحد من أهم الأرقام في التحقيق، بحسب بيانات بنك السودان، ارتفع عرض النقود من نحو 14.48 ترليون جنيه في ديسمبر 2024 إلى نحو 36.8 ترليوناً في يونيو 2026، بمعنى أبسط: كمية النقود بمفهومها الواسع زادت بأكثر من الضعف خلال نحو عام ونصف، أي بنحو 154%، وفي الفترة نفسها ارتفعت القاعدة النقدية من نحو 11.02 ترليون جنيه إلى نحو 30.15 ترليوناً، هذه الأرقام لا تعني أن الحكومة طبعت كل هذه الأموال في أوراق نقدية ووزعتها على الناس؛ جزء كبير من النقود في أي اقتصاد يوجد أصلاً في الحسابات المصرفية وليس في شكل أوراق في الجيوب، لكنها تعني شيئاً يستطيع أي شخص فهمه: كمية الجنيهات زادت بصورة هائلة، بينما الاقتصاد الحقيقي لم ينمُ بالمعدل نفسه، وبنك السودان ينشر هذه البيانات ضمن نشراته ومراجعاته الاقتصادية الرسمية.
وهنا يأتي السؤال الطبيعي: إذا زادت الجنيهات بهذا الحجم، فما علاقة الحكومة بذلك؟ نذهب مرة أخرى إلى أرقام الجهاز المصرفي، فنجد أن صافي مطالباته على الحكومة ارتفع من نحو 8.07 ترليون جنيه في ديسمبر 2024 إلى نحو 26.18 ترليوناً في يونيو 2026، والمصطلح يبدو معقداً، لكنه يمكن تبسيطه جداً: عندما نقول «صافي مطالبات الحكومة»، فنحن نتحدث بصورة عامة عن الأموال التي أصبح الجهاز المصرفي يطالب الحكومة بها بعد أخذ ودائعها لدى النظام في الحسبان، أي أننا نرى أن العلاقة المالية بين الحكومة والجهاز المصرفي توسعت بصورة ضخمة، وهذا لا يثبت أن كل جنيه من هذه الزيادة ذهب إلى الحرب، لكنه يخبرنا أن الدولة أصبحت تستحوذ على حجم أكبر بكثير من التمويل والائتمان داخل النظام المالي.

September 16, 19:23

وهنا نفهم كيف يمكن أن يحدث شيء يبدو مستحيلاً: يمكن أن يزيد إنتاج الذهب وفي الوقت نفسه ينهار الجنيه، لا يوجد تناقض، المهم ليس فقط كم كيلوغراماً من الذهب خرج من الأرض، وإنما كم دولاراً من قيمة هذا الذهب عاد فعلياً إلى الاقتصاد الرسمي، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: «كم ينتج السودان من الذهب؟»، وإنما: «أين تذهب حصيلة الذهب؟»
والآن نستطيع أن نضع أجزاء الصورة بجانب بعضها، لدينا دولة تحتاج إلى أموال كثيرة، والحرب من أولويات إنفاقها، لدينا اقتصاد أضعفته الحرب، لدينا كمية من الجنيهات زادت بصورة ضخمة، لدينا حكومة توسع انكشاف الجهاز المصرفي عليها، لدينا ضرائب ورسوم وجمارك تزيد الضغط على التجارة والإنتاج، ولدينا اقتصاد يحتاج إلى الدولار للاستيراد، ثم لدينا في الجهة الأخرى ذهب يمكن أن يجلب الدولار، لكن جزءاً منه يخرج خارج القنوات الرسمية، إذا أردنا تلخيص كل هذا لشخص لا يعرف شيئاً عن الاقتصاد، يمكن أن نقوله في جملة واحدة: الجنيهات أصبحت كثيرة، والدولارات شحيحة، وحتى الذهب الذي يمكن أن يجلب مزيداً من الدولارات لا تدخل كل حصيلته إلى النظام الرسمي حيث يهرّبه قائد الجيش و إخوته، ويصرف به على مليشيات الحرب التي تبقيه في السلطة.
لكن القصة لم تنتهِ بعد. لأن انهيار الجنيه نفسه يبدأ بعد مرحلة معينة في صناعة انهيار جديد.
تخيل أن لديك عشرة ملايين جنيه في حسابك، عندما يكون الدولار بأربعة آلاف جنيه، فإن مدخراتك تعادل تقريباً 2,500 دولار، ثم يرتفع الدولار إلى ثمانية آلاف جنيه، تفتح حسابك فتجد أن أموالك ما زالت عشرة ملايين، لم يسرق أحد جنيهاً واحداً من الرقم الموجود أمامك، لكن إذا حاولت شراء الدولار، ستجد أن أموالك أصبحت تساوي 1,250 دولاراً فقط، الرقم لم ينقص، لكن نصف قيمته اختفى.
ماذا سيفعل الإنسان العادي عندما يرى ذلك؟ لن يحتاج إلى شهادة في الاقتصاد، سيقول لنفسه: إذا تركت أموالي بالجنيه وربما أصبح الدولار غداً عشرة آلاف أو اثني عشر ألفاً، فسأخسر أكثر. فيذهب ويحاول شراء الدولار أو الذهب لحماية ما تبقى من قيمة أمواله، هو لا يفعل ذلك لأنه مضارب يريد إسقاط الجنيه؛ بل لأنه خائف على مدخراته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يفكر عشرات الآلاف بالطريقة نفسها، المواطن الأول يشتري الدولار لأنه خائف من انهيار الجنيه، والثاني يفعل الشيء نفسه، والثالث والرابع، وفجأة يصبح لدينا آلاف المشترين الجدد للدولار، ماذا يحدث عندما يزيد عدد الناس الذين يريدون شراء سلعة بينما الكمية المتاحة منها قليلة؟ يرتفع سعرها، فينخفض الجنيه أكثر، فيخاف أشخاص جدد، فيذهبون هم أيضاً إلى الدولار، الجنيه ينخفض، فيخاف الناس؛ الناس تشترى الدولار، فيزداد الطلب عليه؛ الدولار يرتفع أكثر، فيخاف مزيد من الناس. وهكذا يبدأ الانهيار في تغذية نفسه.
وهنا ندخل إلى «بنكك».
«بنكك» لم يصنع الحرب، ولم يخلق الجنيهات الجديدة، ولم يهرب الذهب، ولم يرفع الجمارك، ولم يخلق نقص الدولار، لكنه فعل شيئاً آخر مهماً جداً: جعل حركة المال أسرع، في الماضي، إذا أردت شراء الدولار، ربما تحتاج أولاً إلى سحب أموالك نقداً، وحملها، والذهاب إلى السوق، ومقابلة التاجر، اليوم يستطيع شخص يحمل هاتفاً أن يحرك ملايين الجنيهات خلال دقائق، ويستطيع تاجر العملة استقبال تحويلات من عشرات الأشخاص من أماكن مختلفة من دون أن يحملوا أكياساً من الأوراق النقدية.
وهذا يعني أن الخوف نفسه أصبح أسرع، يرى المواطن سعر الدولار في هاتفه، يفتح «بنكك»، يرى عشرة ملايين جنيه، يحسب كم فقدت من قيمتها، ثم يتخذ قراراً خلال دقائق بمحاولة تحويل جزء منها إلى دولار، لذلك فإن «بنكك» ليس أصل المرض، لكنه يمكن أن يعمل مثل الطريق السريع الذي تتحرك عليه الأزمة. المشكلة صنعت السيارة، و«بنكك» أعطاها طريقاً أسرع.
ومن هنا يصبح توقف التطبيق قضية أكبر من مجرد عطل فني، إذا كان لديك عشرة ملايين جنيه داخل «بنكك» وتوقف التطبيق، فإن العشرة ملايين لم تختفِ، ما تغير هو أنك لا تستطيع استخدامها الآن، أما الشخص الذي يمتلك عشرة ملايين جنيه كاش، فيستطيع التحرك بها وشراء الدولار، ولذلك، أثناء أي توقف واسع للتطبيق، يصبح السؤال المهم جداً: من كان يستطيع الوصول إلى السيولة؟ ومن لم يكن يستطيع؟ من استطاع شراء الدولار أثناء التوقف؟ ومن بقيت أمواله محبوسة داخل الحسابات؟
وهذه النقطة تحديداً نعمل فيها على تحقيق منفصلً في ضوء المعلومات التي حصل عليها هذا التحقيق من مصادر داخل القطاع المصرفي بشأن التوقف المتوقع لـ«بنكك»، قبل توقفه بأيام، مما يدل على أن التوقف كان متعمداً والجهة التي طلبته كانت هي قيادة الجيش ممثلة في البرهان، وتعطيل الوصول إلى الرصيد الإلكتروني لا يمحو الأموال، وإنما يغير بصورة مؤقتة من يستطيع استخدام أمواله ومن لا يستطيع، وإذا كان بعض الفاعلين يمتلكون كميات كبيرة من النقد في اللحظة نفسها، فإن ميزان القدرة على دخول سوق الدولار يصبح مختلفاً تماماً.

September 16, 19:23
Media unavailable
10
Show in Telegram

September 07, 10:48

ويقول مصدر عسكري رفيع تحدثت إليه شريطة عدم الكشف عن هويته، وهو المصدر الذي قدم المستند، إن إخراج العاملين من المعهد لم يكن إجراءً إدارياً معزولاً، وإنما ارتبط بوضع المنشأة تحت تصرف الجيش، ويعرض التحقيق المستندات والشهادات والمواد الداعمة لهذه الرواية بصورة مستقلة؛ إذ إن خطاب 22 مايو نفسه يثبت قرار الاستبدال العاجل للعاملين، لكنه لا يذكر صراحة في نصه الجهة التي تسلمت المنشأة أو الغرض من ذلك.
ثم ظهرت الصور.
تظهر إحدى الصور المرتبطة بالملف صفوفاً من أجسام ذخائر أسطوانية داخل ورشة، وإلى الخلف أسطوانات صغيرة، بينما يكشف باب كبير مفتوح على الخارج جزءاً من البيئة المحيطة بالمبنى، وفي مواد أخرى تظهر مراحل مختلفة من العمل داخل ما يبدو أنه الموقع نفسه أو منشآت مرتبطة به: عمال يقومون باللحام والتجميع، أجسام ذخائر مصطفة، أسطوانات، معدات ورشة، ضواغط وأوعية كبيرة.
بدأ التحقيق بمقارنة هذه المواد بصور الأقمار الصناعية والصور الأرشيفية لمدينة رفقاء المنشورة قبل الحرب بسنوات، ولم تعتمد عملية تحديد الموقع على شهادة المصدر العسكري وحدها، بل على مواد مفتوحة يستطيع الآخرون الرجوع إليها بصورة مستقلة.
قاد التحليل إلى هنقر تابع للمعهد الحرفي داخل مجمع رفقاء.
وتستند المطابقة إلى تخطيط المجمع، وموقع المعهد بالنسبة إلى المسجد والملاعب وشبكة الطرق والمباني المحيطة، وشكل المنشآت واتجاهاتها، إضافة إلى المعالم المعمارية المميزة لرفقاء، ومن أبرزها الأبراج المستطيلة المرتفعة ذات الفتحات الرأسية التي تتكرر في تصميم مباني المشروع، والتي تظهر في الصور الأرشيفية المنشورة منذ عام 2017، كما تسمح فتحة الباب في إحدى صور الورشة بمقارنة خط النظر من داخل الهنقر بالمباني الواقعة أمامه في الموقع.
وبذلك لا يقوم تحديد الموقع على حقيقة أن «المباني متشابهة» فقط، وإنما على اجتماع مجموعة من العلاقات المكانية والمعمارية الثابتة: موقع الهنقر داخل المخطط، اتجاهه، المنشآت المقابلة له، الفراغات بينها، الطرق المحيطة، والخصائص المعمارية التي تظهر في المواد القديمة للمشروع.
وتقدم الصور الأرشيفية القديمة قيمة إثباتية إضافية؛ لأنها سبقت الحرب والاتهامات الحالية بسنوات، ولا علاقة لمصادرها بالملف الاستخباراتي أو بالمصدر العسكري الذي تحدث إلى التحقيق.
إذاً، أمامنا تسلسل يصعب تجاهل دلالته: قرار حكومي في نهاية أبريل 2024، أمر عاجل يتعلق بالعاملين في المعهد في مايو، ثم بداية البرنامج في يوليو، وفي المواد التي توثق التصنيع تظهر ورشة تقود عملية تحديدها الجغرافي إلى هنقر المعهد نفسه .. لكن قصة المكان ليست سوى نصف الحكاية،النصف الآخر يبدأ على بعد مئات الكيلومترات، في الخرطوم.
الكلور في هذه القصة لم يكن مادة غريبة عن السودان أو وجوده في المنشآت المدنية أمراً استثنائياً، فهو عنصر أساسي في معالجة مياه الشرب، وخلال الحرب، أصبحت المحافظة على تشغيل محطات المياه مسألة حياة أو موت في مدينة انهارت فيها الخدمات وانتشرت فيها الأمراض.
في مارس 2024، قالت اليونيسف إنها اشترت 1,550 أسطوانة من مادة معالجة المياه، هي غاز الكلور، لضمان استمرار إنتاج مياه الشرب في أنحاء الخرطوم، كما توثق سجلات المنظمة دعمها لمحطات المياه في الخرطوم بالكلور ومواد المعالجة، ومن بينها محطة المنارة، وهي واحدة من أهم منشآت المياه التي تخدم أعداداً ضخمة من السكان، لكن الملف الاستخباراتي يروي مساراً مختلفاً لبعض أسطوانات الكلور.
بحسب «نيويورك تايمز»، تتضمن المواد رسالة صوتية مؤرخة في أغسطس 2024 يُنسب فيها إلى المسؤول عن المشروع القول إن محطة المنارة لديها بعض تلك الأسطوانات، وإنهم أخذوها من هناك، وأبلغت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الصحيفة بأنها قدمت 30 أسطوانة غاز كلور للمحطة عام 2023، فيما قالت CARE إنها قدمت 35 أسطوانة في 2024 و2025، وأكدت اليونيسف للصحيفة تزويد ست محطات مياه في الخرطوم، بينها المنارة، بغاز الكلور خلال الفترة من 2023 إلى 2025.
وإذا أثبتت سجلات التوزيع والمستندات والشهادات مسار الأسطوانات المحددة، فإن المفارقة تصبح مروعة: حيث تصبح المسألة "مادة أُدخلت إلى البنية المدنية حتى يستطيع السكان شرب مياه آمنة، انتهت مكوناً في ذخيرة صُممت لنشر غاز خانق".
وفق المواد التي نشرتها الصحيفتان، كان التصميم المقترح يجمع بين شحنة متفجرة وقرابة 15 كيلوغراماً من الغاز، وتشير الرسائل إلى أن الجمع بين الانفجار والغاز كان يحقق ما وصفه أصحاب المشروع بتأثير مزدوج، بينما توحي بعض المراسلات بأن الانفجار قد يساعد أيضاً في تقليل الآثار التي تكشف الطبيعة الكيميائية للذخيرة.

September 07, 10:48

السؤال أصبح يتعلق بمنظومة كاملة: من طلب المواد؟ من صمم الذخيرة؟ من وفر المتفجرات؟ من اختار موقع التصنيع؟ من أمر بإخلاء المعهد؟ من أشرف على الاختبارات؟ أين خُزنت القنابل؟ من أصدر أوامر الاستخدام؟ ومن أمر بإزالة الآثار بعد انكشاف الملف؟
الحروب تحول المدارس إلى ملاجئ، والمصانع إلى مخازن، والمنازل إلى خطوط مواجهة، لكن رفقاء تحمل مفارقة مختلفة؛ لأن المكان لم يُبنَ أصلاً في سياق عادي ثم صادفته الحرب.
لقد بُني خصيصاً لمنح الأيتام وأمهاتهم مكاناً آمناً.
في الصور القديمة، تظهر الشوارع النظيفة والمنازل الصفراء والمدارس والروضة والمسجد والملاعب، ويظهر المعهد الحرفي كجزء من الفكرة نفسها: ألا يقتصر دعم الطفل اليتيم على الطعام والمسكن، وإنما يمتد إلى التعليم والتدريب الذي يمنحه مستقبلاً.
وبعد سبع سنوات، تقول الأدلة التي يعرضها هذا التحقيق إن هنقر ذلك المعهد أصبح جزءاً من قصة مختلفة تماماً: أجسام قنابل مصطفة على الأرض، لحام وتجميع، أسطوانات ومواد ومتفجرات، وبرنامج شديد السرية لإنتاج ذخائر محملة بغاز خانق.
ولهذا فإن قصة رفقاء لا تقع على هامش ملف الأسلحة الكيميائية السوداني. قد تكون واحدة من أكثر صفحاته كشفاً لطبيعته.
فإذا كانت الحرب قد دفعت برنامجاً عسكرياً إلى أخذ مادة من منشأة تحاول توفير مياه الشرب للمدنيين، ثم البحث عن مكان لإنتاج السلاح داخل منشأة بُنيت لتعليم الأيتام، فإن القضية لا تتعلق فقط بنوع السلاح الذي جرى تصنيعه.
إنها تتعلق أيضاً بمن دفع ثمن تصنيعه، ومن وُضع في دائرة الخطر كي يبقى سرياً.
وفي رفقاء، كان هؤلاء — وفق الأدلة التي ينشرها التحقيق — من المدنيين الذين كان يفترض أن تكون الحرب أبعد ما يمكن عنهم: الأيتام وأمهاتهم.

September 07, 10:48

وفي 22 يوليو 2024، بحسب الملف، نُقلت نماذج أولية بطائرة شحن أنتونوف من مروي لإجراء تجربة في الصحراء، وتنسب المواد إلى المسؤول عن المشروع رسالة عقب التجربة يقول فيها إنها نجحت بالكامل وإن القنبلة أصابت الهدف وأطلقت الغاز، فيما جاءت استجابة ضابط آخر بالتشديد على السرية.
وبحلول أكتوبر، تتحدث المراسلات عن إنتاج يقارب 300 ذخيرة كيميائية، معظمها في مروي القريبة من مدينة الدامر، وتذكر «واشنطن بوست» أن الرسائل تشير إلى مخزون بلغ نحو 290 ذخيرة، وأن مواد أخرى قد تشير إلى استخدام عدد منها، مع بقاء حجم الاستخدام والمخزون الفعلي بحاجة إلى إثبات مستقل، غير أن تفصيلاً يبدو صغيراً في الملف يصبح بالغ الخطورة بعد تحديد موقع الورشة.
حسب المواد المنشورة، واجه المشروع مشكلات في احتواء الغاز، وحدثت تسربات أثناء عملية الإنتاج، وتشير إحدى الروايات إلى العثور على حشرات وعقارب نافقة داخل الهنقر بعد تسرب ليلي.
لو كان هذا هنقراً داخل قاعدة عسكرية نائية، لظل الأمر دليلاً على خطورة المشروع على العاملين فيه، لكن الموقع هو بالفعل هنقر معهد رفقاء الحرفي داخل مدينة الأيتام، و السؤال ً: من كان يعيش حوله عندما كان الغاز يتسرب؟
رفقاء ليست اسماً رمزياً لمنطقة صناعية، إنها مدينة بُنيت تحديداً للأيتام وأمهاتهم، مساكنها ومدارسها وروضتها ومسجدها وملاعبها ومعهدها الحرفي أجزاء من مشروع واحد.
وتظهر الأدلة والشهادات التي يعرضها التحقيق أن النشاط المدني داخل المدينة لم يتوقف لمجرد إخراج العاملين من المعهد، كما أن المصادر المفتوحة توثق استمرار الأنشطة الإنسانية المرتبطة بالأيتام وأسرهم داخل رفقاء أثناء الحرب، ثم توثق وجود أمهات الأيتام فيها مجدداً في مارس 2025.
إذاً لم يكن اختيار المكان، وفق الأدلة التي يستعرضها التحقيق، مجرد تحويل مبنى مدني إلى ورشة عسكرية، كان يعني وضع نشاط يتعامل مع غاز سام وذخائر ومتفجرات داخل مجمع مدني أُنشئ لحماية واحدة من أكثر الفئات هشاشة: الأطفال الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم الأرامل.
وهنا تتضاعف الأسئلة. من اتخذ قرار اختيار رفقاء؟ من طلب إخلاء المعهد؟ لماذا كانت هناك عجلة في إخراج العاملين منه في مايو 2024؟ من تسلم مفاتيحه؟ هل أُبلغت الجهة الخيرية التي أنشأته؟ هل عرفت السلطات المحلية طبيعة النشاط الذي يجري داخله؟ وهل أجري أي تقييم لخطر تخزين الكلور وتجميع الذخائر وسط السكان؟
والأهم: إذا كانت التسربات الواردة في مراسلات البرنامج قد حدثت داخل هذا الهنقر، فما مدى تعرض المدنيين المحيطين به للغاز؟وهنا تظهر الصورة الكاملة للقصة.
في طرفها الأول توجد محطات المياه. منشآت مدنية تحاول إبقاء مياه الشرب آمنة وسط حرب وكوليرا وانهيار للخدمات، وتصل إليها مواد معالجة المياه بدعم من منظمات إنسانية.
وفي الطرف الثاني توجد مدينة الأيتام، مشروع خيري بُني من أجل السكن والتعليم والرعاية والتأهيل المهني للأطفال وأمهاتهم.
وبين الطرفين، وفق الأدلة التي يستعرضها هذا التحقيق، يظهر البرنامج العسكري الكيمياوي.
فقد أخذ البرنامج مادة من بنية تحتية مخصصة لحماية حياة المدنيين، و استخدم منشأة أخرى أُنشئت لحماية الأيتام وأسرهم لتصنيع السلاح نفسه.
ماء المدنيين ومدينة الأيتام أصبحا، في هذه الحالة، طرفي سلسلة إمداد واحدة لبرنامج سلاح كيميائي.
وهذه تكشف أيضاً عن الطريقة التي يمكن بها لبرنامج محظور أن يختبئ داخل البنية المدنية: الكلور مادة ذات استخدام مدني مشروع وضروري؛ المعهد منشأة تعليمية؛ المدينة مشروع خيري؛ والهنقر في ظاهره ورشة تدريب مهني، كل عنصر منفرد يبدو مدنياً، لكن جمع المستندات والصور والمراسلات والشهادات وخطوط الإمداد هو الذي يكشف الوظيفة العسكرية.
وهذا يقود إلى المستوى الأعلى في سلسلة المسؤولية.
المواد التي نشرتها «نيويورك تايمز» تتضمن اتصالات تقول الصحيفة إنها تربط قائد الجيش عبد الفتاح البرهان مباشرة بالمسؤولين عن البرنامج، وبعد العقوبات الأمريكية المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية، تنسب المواد إلى البرهان أمراً بإزالة جميع الآثار، وتورد رداً يفيد بأن العملية كانت قد أُنجزت.
كما تظهر مفارقة أخرى: بحسب الملف، كان المسؤول المرتبط بالبرنامج نفسه ضمن دائرة تقديم المشورة للجنة التي شكلها البرهان للتحقيق في الاتهامات الأمريكية باستخدام الأسلحة الكيميائية، وأفاد تقرير أولي للجنة بعدم العثور على آثار، بينما ظلت النتيجة النهائية موضع متابعة.
البرهان والجيش ينفيان الاتهامات، والسودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، فيما قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن عدداً من الدول طلب توضيحات من السودان وإن العملية مستمرة.
لكن الأدلة الجديدة تجعل القضية تتجاوز السؤال القديم: هل استُخدم الكلور في هجوم معين؟

September 07, 10:48

لم تبدأ القصة في قاعدة عسكرية محصنة، ولم تنتهِ في مخزن ذخيرة بعيد عن السكان، فما تكشفه سلسلة من المستندات والشهادات والصور والمواد البصرية التي جرى فحصها وربطها زمنياً وجغرافياً، يضع برنامج تصنيع ذخائر الكلور المنسوب إلى الجيش السوداني أمام واحدة من أكثر مفارق الحرب قسوة، غاز كلور مخصص أصلاً لمعالجة مياه المدنيين يظهر في مسار برنامج عسكري، وموقع أُنشئ بأموال خيرية لإيواء الأيتام وأمهاتهم وتأهيلهم مهنياً يتحول، وفق الأدلة التي يستعرضها هذا التحقيق، إلى موقع لتصنيع ذخائر محملة بالغاز، بينما بقيت المدينة من حوله محتفظة بطبيعتها المدنية والإنسانية.
في الخامس من سبتمبر 2026، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تحقيقاً استند إلى ملف قدمته وكالة استخبارات شرق أوسطية، يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسالة صوتية، إلى جانب آلاف الرسائل النصية المنسوبة إلى ضباط سودانيين كبار، وبحسب الصحيفة، ترسم هذه المواد صورة لبرنامج سري بدأ خلال عام 2024 لتطوير وإنتاج ذخائر قائمة على الكلور، وتضمنت مخططات للقنابل ومراحل التصنيع والتجارب ومشكلات التسرب ومراسلات بشأن الإخفاء وإزالة الآثار، كما نشرت «واشنطن بوست» تحقيقاً منفصلاً حول المواد نفسها، وقالت إن خبراء استخبارات وأسلحة كيميائية وحقوق إنسان راجعوا أجزاء منها ورأوا أنها تقدم مؤشرات قوية ومتسقة مع وجود برنامج أسلحة كيميائية، مع التأكيد أن الإثبات الجنائي النهائي يتطلب الوصول المستقل إلى المواقع والأشخاص والمواد ذات الصلة. الجيش السوداني نفى الاتهامات، وقال إن الحديث عن امتلاكه أو استخدامه أسلحة كيميائية لا أساس له.
لكن وراء السؤال الكبير حول ما إذا كان الجيش قد صنع واستخدم سلاحاً كيميائياً، يوجد سؤال آخر ظل أقل ظهوراً، أين صُنعت هذه الذخائر؟
قاد تتبع الصور المنشورة ضمن الملف إلى مدينة الدامر، عاصمة ولاية نهر النيل، وتحديداً إلى مشروع مدني لا علاقة معلنة له بالمنشآت العسكرية، إلى مدينة الشيخة عائشة بنت حمد العطية لكفالة الأيتام، المعروفة باسم «رفقاء».
أُنشئت رفقاء بواسطة قطر الخيرية وافتُتحت عام 2017 كمشروع متكامل لرعاية الأيتام وأمهاتهم. وتوضح المصادر المنشورة وقت افتتاح المشروع أنه يضم نحو 200 وحدة سكنية، وأربع مدارس، وروضة، ومركزاً للتدريب المهني، وعيادة، ومسجداً، وسوقاً ومرافق للمياه والرياضة، وتظهر الصور الأرشيفية للمشروع مدينة مخططة بشوارع ومساكن ومدارس ومنشآت خدمية، تتوسطها مرافق أُنشئت لتوفير حياة مستقرة للأيتام وأسرهم، مادة صحفية منشورة في 21 أبريل 2017 توثق المشروع بالصور وتذكر صراحة وجود مركز التدريب المهني ضمن مكوناته.
ولم تتوقف الطبيعة المدنية للمدينة مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، ففي يوليو من العام نفسه، وثقت وكالة الأنباء القطرية توزيع قطر الخيرية مساعدات غذائية في مركز مدينة رفقاء بالدامر، ووصفتها بأنها المدينة التي أنشأتها المنظمة للأيتام وأسرهم، وبعد الفترة التي تشير المواد الاستخباراتية إلى وقوع التصنيع خلالها، نجد المدينة مرة أخرى في مارس 2025 تستضيف نشاطاً لقطر الخيرية لتوزيع السلال الرمضانية على أمهات الأيتام المكفولين، بحضور مسؤولين من حكومة ولاية نهر النيل ومحلية الدامر، وهذا التسلسل يؤكد أن رفقاء لم تتحول، بوصفها مدينة كاملة، إلى منشأة عسكرية مهجورة من السكان، وإنما استمرت منشأة مدنية وإنسانية مرتبطة بالأيتام وأسرهم.
لكن شيئاً مختلفاً حدث داخل المعهد الحرفي.
بحوزتي مستند رسمي صادر عن أمانة حكومة ولاية نهر النيل، مكتب الأمين العام، بتاريخ 22 مايو 2024، يحمل عنوان «قرية الأيتام (رفقاء)»، ويشير المستند إلى قرار مجلس الحكومة رقم 6/2024 الصادر بتاريخ 30 أبريل 2024، والقاضي باستبدال الطاقم العامل بقرية الأيتام من منسوبي الوزارات العاملين فيها.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب هو التمييز بين المعهد الحرفي والمدارس، فقد جاء فيه طلب استبدال جميع العاملين بمعهد رفقاء الحرفي بصورة عاجلة، بينما سمح ببقاء العاملين في المدارس حتى نهاية العام الدراسي.
لماذا كان إخراج أو استبدال العاملين في المعهد الحرفي «عاجلاً»، بينما أمكن الانتظار بالنسبة إلى المدارس؟
يكتسب السؤال أهميته من التوقيت، القرار الحكومي صدر في 30 أبريل، وخطاب تنفيذه الذي بحوزة التحقيق مؤرخ في 22 مايو 2024، وبعد أسابيع فقط، في يوليو 2024، تبدأ وفق الملف الذي نشرته «نيويورك تايمز» المراسلات المتعلقة بتطوير قنبلة تحتوي على غاز الكلور، ثم تظهر صور ومقاطع فيديو لما تصفه المواد بأنها ورشة لتجميع وتصنيع هذه الذخائر.

September 07, 10:48
Media unavailable
5
Show in Telegram