
الفيلسوف الجديد
بومة هيجل تحلق عند الغسق، وبومة ألتوسير تحدِّق في الخراب:
منذ أن جعل هيجل بومة منيرفا تحلق عند الغسق، ظل السؤال يلاحق الفلسفة: هل تسبق الواقع لتفتح له الطريق، أم لا تأتي إلا متأخرة، حين يكون النهار قد انقضى وتكون الحركة قد استنفدت إمكانها؟ومن هذا السؤال ظهر القلق الذي سكن فكر ألتوسير (وسيرته) معًا: هل يمكن للفلسفة أن تبقى حيَّة إن فقدت قدرتها على الطيران؟
إذا كان ألتوسير المبكر قد سعى إلى تحرير الماركسية من النزعة الإنسانية والغائية التاريخية عبر قراءة بنيوية صارمة، فإن ألتوسير المتأخر، بتأسيسه لما أسماه "المادية التصادفية"، حاول أن يذهب أبعد من ذلك، منتزعًا الماركسية من فكرة الضرورة الخطية، ومفسحًا المجال للصدفة، والتلاقي، وتعدد البنى. فالتاريخ، في تصوره، ليس نظامًا مغلقًا ولا خطة عقلية تسير نحو غاية محددة، بل نتاج تشابك وصراعات بين بنيات الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا. غير أن هذا الانتقال من صرامة البنية إلى لايقين التصادف لم يمنح الفلسفة قدرة أوضح على الفعل، بل زاد سؤال الفاعلية غموضًا!
وكما يُعلِّق على مقولة هيجل عن بومة مينرفا في نصه الأصلي الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا: "إن هيجل لم يكن مخطئًا في النهاية حينما قال بأن الفلسفة تشرف في الأمسية الساقطة؛ أي حينما يحجب نورُ العلم، الذي وُلد من الفجر، مسافة يومٍ طويل من الزمن" (1) ، فهو يلتقي مع هيجل جزئيًا في تصور الفلسفة بوصفها لاحقة على الحدث، لا مؤسسة مباشرة له. غير أن هذا الالتقاء ليس كاملًا؛ فالفلسفة عند هيجل تأتي لتفهم اكتمال العالم في المفهوم، أما عند ألتوسير فهي تتدخل داخل الصراع النظري والأيديولوجي، لا بوصفها معرفة كلية بالواقع، بل بوصفها تموضعًا داخل معركة قائمة. ولهذا يقول في حواره مع فيرناندا نافارو (1983–1984): "رأيت أن الفلسفة لا تتدخل مباشرة أبدًا، إلا عن طريق الإيديولوجيا "(2). وهنا تتحدد الفلسفة، عنده، بوصفها تموضعًا نظريا وسياسيًا داخل صدام قائم، لا بوصفها معرفة كلية بالواقع.
غير أن المشكلة لا تكمن في نقد الذات الفردية المجردة، فهذا النقد ضروري لأي مادية جدية، بل في العجز عن تفسير انتقال البنية إلى فاعلية واعية. فالفكر ليس وهمًا ذاتيًا ولا مجرد أثر أيديولوجي، بل أعلى شكل من أشكال نشاط المادة. لذلك فإن محو الذات لا ينبغي ابدا أن ينتهي إلى محو الفكر، بل إلى فهم الذات بوصفها نتاجا ماديًا-اجتماعيًا قادرًا، في الوقت نفسه، على معرفة شروطه وتجاوزها. وعلى هذا النحو، لو تحولت الفلسفة من بومة الحكمة، إلى بومة العمى، تطير برأس مقلوب لا ترى منه إلا ما أُذن لها أن تراه، لوجب علينا أن نكفَّ عن التفلسف ونبدأ بالتنظير السياسي فقط، لأن الفلسفة لم تعد مرآة للوعي.
كما لا ينبغي قراءة سيرة ألتوسير التراجيدية بوصفها برهانًا مباشرا على بطلان فلسفته، بل بوصفها أفقًا مأساويًا يكشف حدود التصور الذي يضعف الذات إلى أقصى حد. ففي "المستقبل يدوم طويلًا" لا تظهر الذات بوصفها مركزًا واعيا ومتحكمًا، بل بوصفها موقعًا ممزقًا بين البنية، واللاوعي، والمرض، والاعتراف المتأخر: "لقد قررتُ أن أفسر أفعالي علنيًا... أنا أفعل ذلك من أجل أصدقائي... أتمنى أن أحرر نفسي من الظروف (التي وجدت نفسي فيها) التي نتجت عن حالتي العقلية شديدة الاضطراب"(3) .
يمكن قراءة هذا الاعتراف التراجيدي على انه تعبيرًا عن صعوبة الخروج من البنية. فالذات هنا لا تظهر كفاعل شفاف يعرف دوافعه ويتحكم فيها، بل كموضع تتقاطع فيه قوى لا-ذاتية: نفسية، أيديولوجية، اجتماعية، ولاواعية. ومن هنا تنكشف حدود تصور لا يمنح الذات قدرة كافية على الفعل والتجاوز.
وهنا تظهرالمفارقة؛ فألتوسير الذي كان يشرح البنية، كانت البنية ذاتها تنهار في داخله. لم تعد مقولة "اللا-ذات" كافية وحدها لتفسير التجربة، يصف ألتوسير تجربته اللاحقة بوصفها حالة من محو الذات أو إقصائها، لا مجرد غياب عابر لها، بما يكشف تصدع صورة الذات التي كان قد فككها نظريًا(2) ، ومن هنا بدا أن تحليل الإيديولوجيا يحتاج إلى أن يُستكمل بالبعد النفسي والذاتي، لا أن يبقى حبيس التفسير البنيوي وحده.
وهنا تنقلب صورة بومة منيرفا؛ فبدلًا من أن تحلق عند الغسق حاملة حكمة الفهم، تبدو بومة ألتوسير ثابتة في الظلام، عاجزة عن الطيران. فالمادية التصادفية، التي وعدت بكسر الحتمية والغائية، تخاطر بأن تترك الفاعلية في وضع غامض: فلا هي تعيد للذات مركزيتها القديمة، ولا هي تبين كيف يمكن للصراع والبنية والصدفة انتاج وعي قادر على الفعل. لذلك لا تعجز بومة ألتوسير لأنها فقدت السياسة، بل لأنها فقدت الأفق الفلسفي الذي يمنح الطيران معناه.. الحقيقة، والكُلية، وقابلية العالم للمعرفة.
(1) لوي ألتوسير، الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا، ص 31.
(2)
hekmah.org/الماركسية-والفلسفة-حوار-مع-لوي-آلتوسير
(3) لوك فيرتير، لويس ألتوسير، ص129.
(4) لويس ألتوسير، المستقبل يدوم طويلًا: سيرة ذاتية 1993.
لا يمكنك أن تكون أستاذاً جامعياً من خلال كتابة الشذرات. لا، ليس هذا ممكناً. لكني أعدّ أن في حضارة الانحطاط، هذا النوع من الأشياء جيد جداً.» («حوار مع ليو جيليه»، الحوارات، باريس، غاليمار، 1995م، ص 78).
هذا هو الفكر الأخلاقي الذي يندرج ضمنه شكلاً ومضموناً سيوران كأنموذج للفكر الأخلاقي الكلاسيكي الذي تطور في فرنسا، وعرف رواجاً كبيراً في كامل أنحاء أوروبا إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر مع أحد أهم الفلاسفة فريدريش نيتشه (1844-1900م) الذي يعده الباحث والجامعي روبرت بيبن أحد الفلاسفة الأخلاقيين الفرنسيين. يُمكننا معاينة ذلك من خلال كتاب «إنساني مفرط في الإنسانية»، المتكون من جزأين (1878م)، الذي أهداه الفيلسوف الألماني إلى اللّاذع فولتير بمناسبة مئوية وفاته. ففي الشذرة السادسة والثلاثين، التي جاءت تحت عنوان «اعتراض»، يكتب نيتشه ما يلي: «يشبه لاروشفوكو والأساتذة الفرنسيين في الدراسات النفسية الرماة الذين يُصوّبون جيداً ويُخفون في الظلام، - لكن في ظلمة الطبيعة البشرية. تثير مهارتهم الدهشة، لكن المتفرج الذي يسترشد بحب البشر وليس بروح العلم، سينتهي به الأمر إلى لعن هذا الفن الذي يبدو أنه يغرس في النفوس الميل إلى التقزيم والشك في البشر».
آثرنا ترجمة المقطع إلى النهاية لأن الجملة الأخيرة تعكس بالنسبة لنا قيمة الفكر الشذري بصفة عامة، والمقدرة النيتشوية على النقد والتجاوز بصفة خاصة، فبالرغم من إعجابه بفلاسفة الأخلاق الفرنسيين يحاول نيتشه الذهاب قدماً، بمعنى أنه لا يتوقف على الإعجاب أو التقليد، بل يحاول أن يعطي لكتابته ونظرته الأخلاقية بُعداً علمياً جديداً بفضل الاكتشافات التي وصل إليها العلم خلال القرنين الثامن والتاسع عشر. هنا، يمكننا الحديث عن «أنثروبولوجيا» حقيقية كما عبّر عن ذلك ثلاثة من أهم الباحثين في تاريخ أدب القرن السابع عشر، هم: جون لافون، وإيريك توريت، ولويس فان دالفت الذي يعد «الكتاب الأخلاقيين بمنزلة علماء إنسان قبل زمنهم». يبدو ذلك صريحاً إن قارنّا الصلة التي تربط بين هؤلاء ونيتشه الذي من خلال قراءاته لهم حاول الابتعاد عن النسقية الأنثروبولوجية التي جاءت بقلم مواطنه إيمانويل كانط (1724-1804م). ربما يطول شرح الأمر هنا، لكن يمكننا تلخيص هذه العلاقة عبر النقاط الثلاثة التالية: «الرجل الشريف» والذوق الرفيع؛ العلاقة بين الأفراد في المجتمع؛ ومسألة التفاعل التي تعتبر ضاربة في الحداثة، إذ إنها تفتح لنا الأفق لقراءة أنثروبولوجية ونفسية واجتماعية، على حد سواء.
وهكذا، يُمكننا أن نقول إن فلسفة الكتابة الشذرية تطرح تساؤلات عديدة عن مواضيع أوسع وأكبر من مسألة الشكل في الكتابة والأجناس الأدبية والأنماط الفكرية والأنسقة الفلسفية. المسألة كما يقول عنها سيوران في آخر شذرة من آخر كتاب أصدره (1987م) تحت عنوان شائق ورهيب في الوقت نفسه: «اعترافات ولعنات»: «بعد كل شيء، لم أضيع وقتي، لقد اهتززت كثيراً، مثل أي شخص آخر، في هذا الكون المنحرف».
فلسفةُ الكتابةِ الشذريَّة
بقلم: أيمن حسن
هيرقليطس- أبيقور- ماركوس أوريليوس- «الموراليست»، أو كتاب الأخلاق الفرنسيين في القرن السابع عشر- نيتشه- سيوران: يُمكن الانطلاق من هذه الأسماء لقراءة هذا الشكل اللامعهود في الكتابة، لفهم قيمته الفكرية والفلسفية التي فرضت نفسها على النسق والنُظُم والمدارس الفلسفية منذ زمن هيرقليطس المسمى بالفلسفة ما قبل السقراطية أو الأتومية (القرن السادس قبل الميلاد)، وصولاً إلى ما بعد الحداثة (النصف الثاني من القرن العشرين).
لكن لا تخلو مسألة هذا الجنس في الكتابة من التعقيدات، أولها ما يقوله أحد روادها المعاصرين الروماني الأصل إيميل سيوران (1911-1995) الذي كتب أهم أعماله بالفرنسية، يقول سيوران: «يدين أبيقور وهيرقليطس بالكثير، لأنهما لم يبقيا على قيد الحياة إلا على شكل شذرات فقط. يستحق الفيلسوف أن يكمله تلاميذه، وإن جاءوا بعد ألفي عام. تتمثل مهمتهم في تخيّل ما تحتويه الأجزاء المفقودة، وملء الفجوات على النحو الذي يرونه مناسباً.» («الكراريس 1957-1972م»، منشورات غاليمار، 1995م، ص 630).
يعني ذلك أن بعض الأعمال لم تُكتب على هذه الشاكلة، بل صارت كذلك لأسباب تاريخية معقدة. وهذا ما يقوله سيوران في شذرة أخرى يتحدث فيها بهذه الطريقة عن أبيقور: «يا لها من خيبة أمل أن أبيقور، الحكيم، الذي أحتاجه بشدة، كتب أكثر من ثلاثمائة مصنّف. ويا له من ارتياح أنهم ضاعوا جميعاً!» («عن مساوئ الولادة» (1973م)، في «الأعمال الكاملة» (2011م)، ص 760).
يفتح لنا هذا المقطع الصغير أفقاً جديداً لقراءة أعمال الفلاسفة الكبار؛ بمعنى أن فلسفة الكتابة الشذرية تُمكّننا من إلقاء أضواء جديدة على النصوص التي وصلتنا، والتي لا يجوز أحياناً أن نتعامل معها بطريقة نسقية متكاملة الأسس والبناء. فالشذرة من هنا إعادة تقييم لشمولية بعض الفلسفات والمدارس التي تحوّلت في حد ذاتها إلى دوغمائيات. وهذا بالفعل ما نجده عند الفيلسوف والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس (121-180م) من خلال كتاب «تأملات من أجل نفسي» الذي جاء في شكل شذري محض، أي أن أفكار وتأملات الفيلسوف انطلاقاً من قراءاته، ومن خلال ممارسته السلطة، وجدت في هذا الشكل البرقي الصيغة المثلى للتعبير عن نفسها. يُمكننا استقراء ذلك من هذا النص الذي يجمع بين شاهد للإمبراطور الفيلسوف وتعليق للفيلسوف المعاصر:
«كلّ ما يحدث لنا عادي ومتوقع مثل الورد في الربيع، أو الحصاد في الصيف. هكذا هو لنا المرض والموت والافتراء الذي يُمزّقنا» (ماركوس أوريليوس).
نظرة عميقة من خلال وضع الافتراء في التسلسل الهرمي للأوبئة مباشرة بعد المرض والموت...» (سيوران، «الكراريس 1957-1972م»، ص 194).
هنا تكمن ضراوة هذا الجنس في الكتابة: شذرة تحمل قراءة ونظرة للعالم فُكِّمت تعلّق عليها شذرة أخرى تذهب بها أبعد في الزمان والمكان. وهذا ما يدوّنه سيوران في أحد كراريسه في شهر مارس 1963م، قبل أن يعيد بلورته على شكل هذه الشذرة في كتاب «عن مساوئ الولادة»، سنة 1973م:
المقطع الأصلي: «قرأتُ عند فيلسوف من القرن التاسع عشر أن لاروشفوكو مُحقّ بخصوص الماضي، لكن أحكامه لن تنطبق على رجل المستقبل!»
المقطع النهائي: «أقرّ فيلسوف من القرن الماضي في أسخف براعته أن لاروشفوكو كان على حقّ عن الماضي، لكن المستقبل سيدحض قوله. فكرة التقدم تسيء حقاً إلى العقل.»
نلحظ الفرق بين ما كتبه سيوران في كراريس عمله، وما قرر نشره بعد التمعن وإعادة الكتابة، وهو في حد ذاته فن لا يستهان به يخص هذا الجنس من الكتابة كما يخص الشعر بسبب القيمة التي تحملها كل كلمة وعبارة، أو كما يقول سيوران نفسه في أول كتاب من نوع الشذرات تحت عنوان «قياسات المرارة»، نشره سنة 1952م: «أحلم بعالم نموت فيه من أجل فاصلة».
أما بخصوص فرانسوا دو لاروشفوكو (1613-1680م)، وهو مع بليز باسكال وجون دولا برويير أحد أهم «الموراليست»، أو كتاب الأخلاق الفرنسيين في القرن السابع عشر، فيمكننا اعتبار تطور اللغة والثقافة الفرنسية التي وصلت إلى ما يُسمى بالعهد الكلاسيكي، أي شيء ما مثل العهد الذهبي، خاصة مع ثقافة البلاط من جهة، والصالونات الأدبية والفكرية من جهة أخرى، سنحت إلى هذا الجنس من التبلور، حتى إنه في حد ذاته صار حجر زاوية لكتابة المسرحيات والروايات كما يتجلّى ذلك في رائعة «الأميرة دو كليف» (1678م) التي لعب لاروشفوكو دوراً كبيراً في كتابتها إلى جانب صاحبتها السيدة دولا فاييت.
في أحد حواراته الشائقة، يروي سيوران كيف شرع في تقليص نصوصه - بعد صدور كتابه الأول «رسالة في التحلل» (1949م) - إذ يقول: «يجب أن نفهم أن كتابة الأقوال المأثورة بسيطة للغاية: تلبي دعوة عشاء، سيدة تقول شيئاً غبياً، هذا يُلهمك للتفكير، تعود إلى المنزل، تكتبه. هذا تقريباً ما يحصل. أو في منتصف الليل لديك إلهام، بداية عبارة، في الساعة الثالثة صباحاً تكتب هذه الصيغة، وأخيراً يصبح كتاباً. هذا ليس أمراً جدياً.
أما اليوم، فقد نَدُرَتْ أعماله، وتَهَافَتَ الناس عليها، وحِيطَتْ بعناية فائقة حتى إنك لا تستطيع الِاقْتِرَابَ للمسها دون أن تتلقى زَجْراً، إن لم يكن أمراً أَدْهَى! هذه اللوحات لم تَتَبَدَّلْ منذ ولادتها. فلماذا يتزاحم الناس عليها اليوم، بينما كان من أُتِيحَتْ لهم صُحْبَةُ الرجل ذاته حال إبداعه لها يَتَحَاشَوْنَ النظر في عَيْنَيْهِ؟ ولماذا كَتَبَ أهل البلدة التي قَطَنَهَا في آخر أيامه عَرِيضَةً لحبس هذا العَبْقَرِيِّ، أو إيداعه المَارِسْتَانَ عند أدنى مَبْلَغٍ، دَرْءاً لأذاه عن المواطنين؟ لأن ذلك الفنان كان إِنْسَاناً أيضاً، وكان هذا الإنسان عِبْئاً وخطراً على نفسه وعلى من حَوْلَهُ. ولذا، لم تكن مُجَازَفَةُ الاحتفاظ به تستحق العَنَاءَ، في نظر السَّوَادِ الأعظم، لإنقاذ رسام مُتَخَبِّطٍ في عُبَابِ تيار ما بعد الانْطِبَاعِيَّةِ. فلم يَغْدُ صَرْحاً خالداً إلا بعد أن أصبح أُثْرِيَّةً منصوبة تُزَارُ. ومن أجل هذا بُجِّلَ.
أن يقتل المرء نفسه في السابعة والثلاثين هو موت في رَيْعَانِ الشباب، ولكنها ليست سِنّاً غضة للعيش بِهَا. إننا نَسْتَحْسِنُ عطاء الناس أكثر إذا كانوا قد تكبدوا العَنَاءَ في إبداعه. فمجرد التَّقْدِيمِ لا يكفي لنيل الصِّيتِ، ما لم تكن ذا مَالٍ وفير تَبْتَاعُ به طريقاً نحو الشهرة وسَنَا الأضواء. وكلما اشتدت كُلْفَةُ النجاة بما تُبْدِعُهُ، زادت غِبْطَتُنَا بأنك كِدْتَ ألا تَنْجُوَ!
لقد لَقِيتَهُ أنت نفسك في لحظة ما من حياتك. ذلك صاحب الشَّغَفِ والموهبة الذي لا يُطَاقُ جِوَارُهُ بسبب عِلَّةٍ أو آفة نفسية أو إدمان أو فَاجِعَةٍ. أنت - أَجَلْ أنت - قد صَادَفْتَ نُسْخَةً حديثة من «فان غوخ»، وعلى الأَرْجَحِ لم يَرُقْ لك كثيراً.
إن المَآسِيَ تُعْشَقُ لما تُخَلِّفُهُ من جَمَالٍ، في عيون أولئك الذين لا يُضْطَرُّونَ لمعالجة بَلَايَاهَا. ولقد كَلِفَ الناس بفان غوخ لأننا صرنا في مَأْمَنٍ من الِالْتِقَاءِ السَّمِجِ به في الأسواق، أو مُجَاوَرَتِهِ حال هَيَجَانِهِ وثوراته كَثِيرَةِ الأذى. لقد قَاسَى الأمَرَّيْنِ، وهذا جَمِيلٌ، لأنه لم يَلْزَمْ أحداً منا أن يَشْهَدَهُ معانياً فيقوم على رِعَايَتِهِ! إن فَنَّهُ لمُبْهِرٌ لأن تجاربه الغَابِرَةَ تثير فُضُولَنَا، بينما خَلَتْ ساحته اليوم مما يُنَغِّصُ علينا أَيَّامَنَا.
وما التَّفَاوُتُ بين كتابتي اليوم وكتابتي بعد المَمَاتِ بشيء. فليس ثَمَّةَ من فَرْقٍ، إلا أن كل ما أُسَطِّرُهُ اليوم يمكنني أن أتحدث عنه بِلِسَانِي. ولا سبيل لأحد أن يَتَخَبَّطَ في تأويل رُمُوزِي أو تَقَصِّي طِبَاعِي بالغاً من ذلك مَبْلَغاً عظيماً، لأنني هنا لِأَفْصِلَ بين صَوَابِهِمْ وخطئهم. إِذْ يمكن الوصول إلى الكَاتِبِ دون الحاجة إلى لَوْحِ تحضير الأرواح! أنا هنا لِأَبُوحَ بما في نفسي، وهذا أَقَلُّ فِتْنَةً مما لو كنت عَدَماً - لأن المَوْتَى يغدون كما يريدهم المُجْتَمَعُ لا كما كانوا عليه يَوْماً، وَغِشَاوَةُ التلميع الوَرْدِيَّةِ لا تُسْدَلُ على أعيننا إلا حينما نفقد وُصُولَنَا إلى أشياء - بِحُلْوِهَا ومُرِّهَا - كانت مُشَاعَةً بين أيدينا فيما سَلَفَ.
لست على يَقِينٍ أنني سأبلغ يوماً مَبْلَغَ نفسي المَيِّتَةِ. وربما كان ذلك مُحَالاً، أو أمراً لا يستحق بذل الجُهْدِ. غير أن ما أَعْلَمُهُ عِلْمَ اليقين، بين طَيَّاتِ الحيرة التي تَغْشَى الخَلَائِقَ في هَزِيعِ الليل، هو أنني أَسْتَحِقُّ أن أُرَى. أستحق أن أُرَى بكل ما فِيَّ وبكل ما أَمْلِكُ البوح به. الآنَ، كما أنا، وما دُمْتُ هُنَا.
لأنني أَحْسَبُ فينسنت كان مُصِيباً. لا في جَذِّ أذنه، ولا في تجرع السُّمُومِ، ولا في مُرَاوَدَةِ بَغَايَا الأرض (ولست بمقام الحَكَمِ هاهنا)، بل في سَبِيلِهِ التي سَلَكَهَا حين طَوَّعَ كل خُطُوبِهِ ليخلق لنفسه عَالَماً أَرْحَبَ - عالماً بَهِيّاً يَأْوِي إليه ويَحْيَا في كَنَفِ فَنِّهِ. ولقد فعل ذلك رَغْمَ أنوف الناس، لا بِسَبَبِهِمْ. صنع ذلك حتى حين حَكَمَ عليه العالم الرَّحْبُ خارج إطار لَوْحَتِهِ بأنه هَالِكٌ لا يُرْجَى بَرُؤُهُ.
ولذا، فإني أَقْتَبِسُ من ذلك المجنون، الفَقِيرِ، العليل، الكَرِيهِ، ذي الشعر الأحمر: «إن كان لي قِيمَةٌ فيما بعد، فإن لي قيمة الآنَ. فإن القَمْحَ قمح، وإن حَسِبَهُ الناس بَادِئَ ذي بَدْءٍ حَشِيشاً». تمر أيام أَحْسَبُ فيها نفسي أَدْنَى إلى الحشيش مني إلى القَمْحِ، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أنني هَاهُنَا مُقِيمٌ. لست تَجْرِبَةً تقبل التَّبْدِيلَ، ولا طَيْفاً للناس الخِيَارُ في الإحساس به.
قد يَعْسُرُ على المرء، حين تُكَشِّرُ الحياة عن أنيابها، أن يتذكر أن كل «ما كان مُمْكِناً» إنما بدأ بمقام «ما يمكن أن يَكُونَ». غير أن الضَّبَابَ يَنْقَشِعُ بين الفَيْنَةِ والأخرى، ويَنْزَاحُ سِتَارُ النَّصَبِ، فَتُدْرِكُ ذلك «الإِمْكَانَ» على حقيقته؛ ليلةً مُتَلَأْلِئَةَ النجوم لا ساحل لَهَا.
أستحقُّ أن أُرى الآن
لست أدري كيف أبلغ مَبْلَغَ نفسي بعد الممات. وإني لَأَعْلَمُ أنه قول مُسْتَغْرَبٌ يبعث على الحيرة، ولكنه الحَقُّ الذي لا مِرْيَةَ فيه. فما منا من يقدر على ذلك، ولا من سيقدر. ولقد لازمني هذا الهَمُّ طيلة عمري، وساورني في هَزِيعِ الليل مراراً. إِذْ لو كان المرء لا يدرك ما «كان بمقدوره أن يكونه» إلا بانقضاء أَجَلِهِ، فهل يُغْنِي ما يصنعه الآن في زمن «الإِمْكَانِ» شيئاً؟
وتمر بي أيام أرى فيها أن الجواب هو النَّفْيُ. فإن مَشَقَّةَ الوجود تغلب كل أمل ترجو بُلُوغَهُ وأنت في قيد الحياة، وما تدركه مَنُوطٌ بأسباب تخرج عن طَوْقِ إرادتك. وفي بعض الأيام، يُقْعِدُنِي النَّصَبُ حتى عن مجرد التفكير في الأمر.
ودعني أُجَلِّي لك الأمر وأُبَيِّنَهُ. لقد بدا لي منذ زمن بعيد أن بلوغ «العَظَمَةِ» في عيون العالم وثقافة العَامَّةِ اليوم، لا يقتصر على أن تكون مَوْهُوباً فيما تصنع. ولا حتى أن تفوق بقريحتك سَوَاداً أعظم من الخلق. إنما العظمة الحَقَّةَ والتفرد في هذا الزمان، يستوجبان خَصْلَةً من اثنتين أو كِلْتَيْهِمَا معاً: أن تكون حَدَثاً في سنك، أو أن تكون في عِدَادِ الموتى.
فهذا «فان غوخ» لم يبع في حياته سوى لَوْحَةٍ واحدة. وكان فَنُّهُ مَجْفُوّاً مستهاناً به عند أكثر من حوله، وأنفرت طِبَاعُهُ الحادة وآفاته النفسية كل من دَنَا من حِمَاهُ. وإنما حَظِيَ بالثناء اليوم لأنه مَيِّتٌ. فليس بين ظَهْرَانَيْنَا ليخبرنا بما يجول في خاطره أو لِيُجَادِلَنَا في معتقداته، وهذا ما يُيَسِّرُ علينا مَدْحَهُ، وتنزيهه، وادعاء الشوق إليه. صرنا نتغنى بعظمته في دَعَةٍ، لسبب يَسِيرٍ: أنه لا يملك أن يَرُدَّ الجواب. ولو قدر على ذلك لما شَاعَ ذكره، أو لما كان بهذه الشهرة وعلى هذا النحو المِثَالِيِّ. لكان مَنْبُوذاً لتقلبات مزاجه الرَّعْنَاءِ ومعاناته مع غَوَائِلِ الإدمان. ولتحاشاه الناس إن أبصروه يمشي في الأسواق مَأْخُوذاً بنوباته وَهَوَاجِسِهِ. ولعُدَّ عَجْزُهُ عن لزوم حِرْفَةٍ راتبة ضرباً من الكَسَلِ، ولأصبحت علله البدنية المفاجئة مَبْعَثَ ريبة وخطر عليه وعلى غيره. ناهيك عن أن قدرته على صياغة رَوَائِعَ جديدة كانت لتُبْخِسَ قيمة ما لديه، إِذْ كان بوسعنا حينئذ أن نطلب المَزِيدَ. ولكان بإمكاننا أن نُضَيِّقَ عليه لِيُبَدِّلَ أسلوبه نحو ما نراه نحن صَوَاباً.
فهو إذن مَقْبُولٌ مَمْدُوحٌ لأنه لا يُقْلِقُ راحتنا! ولا يسبب حَرَجاً لأحد بكثرة نِتَاجِهِ، أو بآراء شَاذَّةٍ في وجوه السياسة، أو بخصومات بَغْتَةً. فمبلغ علمنا بمحاسن ما تركه ومساوئه مَحْدُودٌ، وذلك مُبْتَغَانَا. فتصبح كل قِطْعَةٍ نادرة ومضمونة، وهذا مَنَاطُ الأمر؛ إِذْ كيف لشيء أن يستحق الإِجْلَالَ إن لم يكن نَادِرَةَ الزمان؟
وثمة طريق آخر أقل هَلَاكاً نحو المجد في عصرنا هذا: أن تكون في مَيْعَةِ الصِّبَا. فإن أتقنت عملاً وأنت غَضُّ الإِهَابِ، نلت من الاسْتِحْسَانِ عَفْواً ما لا يناله من أتقن ذات العمل وقد بلغ الأَرْبَعِينَ. أينشر كَهْلٌ في الثانية والأربعين كتاباً؟ لعمري هذا جَيِّدٌ وعمل حسن! وينشر شاب في الثامنة عشرة نَفْسَ الكتاب؟ يا لَلْعَجَبِ! إنك لَعَبْقَرِيُّ زمانك! وحَرِيٌّ بالخلق أن يقتبسوا من نِبْرَاسِ موهبتك وهمتك العَجِيبَةِ!!
فمجرد بقائك حَيّاً يغدو أقل إِبْهَاراً كلما امتد بك العُمُرُ، بغض النظر عن أن مَشَقَّةَ العيش تتضاعف بتوالي الأَيَّامِ. نلبث أطفالاً لِبُرْهَةٍ، تملؤنا المَطَامِحُ، ثم نفارق الصِّبَا لتبقى الطموحات قائمة، فَنُدْفَعُ لمكابدة السبيل الأَشَدِّ حَسْماً نحو الذِّكْرِ والمجد.
لم يبع فان غوخ سوى لَوْحَةٍ واحدة، ولكن نُقِلَ أنه قد وَهَبَ الكثير منها. كان يقدم صَنَائِعَهُ ونفثات روحه هَدَايَا للخِلَّانِ والأقران، ولمن أَلْهَمُوهُ، وأحياناً لكل سَائِلٍ. بعض تلك اللوحات تُزَارُ في المتاحف اليوم، إلا أن جُلَّهَا قد طُوِيَ أَثَرُهُ، لأن من أُهْدِيَتْ إليهم - بمن فيهم أُمُّهُ - رأوها سَذَاجَةً أو عِبْئاً يشغل المكان، فَتَخَلَّصُوا منها في النهاية.
ولم يبق له نَصِيرٌ دائم سوى أخيه الأصغر «ثِيُو». والذي أَنْفَقَ على جُلِّ مطالب أخيه سنين طِوَالاً من حياته، لِعَجْزِ الثاني عن ذلك. كان يدفع ثمن أدوات الرَّسْمِ، والقُوتِ، والرِّحْلَةِ، وأُجْرَةَ المسكن، بل ومَأْوَى اللحظات الأخيرة حينما يُفْسِدُ أخوه صِلَتَهُ بأحد شركاء السكن، أو حينما يُحْتَجَزُ في المصحات إثر نوباته وَهَلَاوِسِهِ. وتراسل الأَخَوَانِ مراراً، وقد جَلَتْ تلك الرسائل المحفوظة لأهل التاريخ صورة أَوْضَحَ لتلك الحياة الكَالِحَةِ التي عاشها هذا الرجل الذي أُسْبِغَ عليه بَهَاءٌ ليس له. قبل مَنِيَّتِهِ بعامين، كتب فينسنت إلى أخيه يقول: «إن نَاراً عظيمة تَتَّقِدُ في صدري، لكن لا أحد يقف لِيَصْطَلِيَ بها، ولا يرى العَابِرُونَ فيها سوى خَيْطٍ من الدخان».
«لقد أبصرنا في أقوام حالت بهم سبيل الحياة إلى غمرة، كيف استكانوا لأهواء دخيلة، فدانوا لها دون نصيعة برهان أو جلية عقل، بل بخور في العزيمة ووهن في الظن، وقنوط غشي نفوسهم غشي الرضا بالفداد. فزعموا أن صياصي الوجود لا منفذ لها، وأن الفكاك ضرب من المحال، كأنما كتب على ابن آدم نصب بلا غاية، وكدح بلا محتد، وأوصاب ترتد إلى قدر عمي لا يدرى من يحتبله. وصارت عندهم — غبنا و خبلا — مسائل المصير مما يحرم طرقه، ويعد فحشا النظر فيه، حتى قضي على المرء أن يسوم فقط، حياة خلت من السؤال وجفلت عن التهجاس، تقتصر على قشر العيش دون لبه. فرضخوا محاجرهم على وسادة الغفلة، وتعاملوا عما كان له أن ينصع لو نظرت إليه عين النطاسي المتبصر.
لقد يئس القوم من الظفر بأرب، فتواصوا بالخمود، وتواكلوا على سكينة مزرورة، وولوا عن المسائل إعراض الكسير المقهور؛ لا يعلمون ما الذي أورثهم هذا الران، وما بالهم خالوا أن الرشد في الإغضاء وأن السلامة في العي عن الفكر؟ والحق الذي لا مراء فيه، أن هذا السدم المستحكم، ينبع من نظرة جحود تحصر الإنسان في برده المحدود، وتصفده في صفد الزمان الفاني، تحسبه جثة استوفت تكونها، لا غيب وراءها ولا مطلق فوقها. فمتى قيس المرء بهذا المقياس الأبتر، صار كيانه مخسرة، وحيرته لا تنجلي، وبؤسه لا يستعتب. فتهب على الأرواح رياح حرف ترسلها نحائز أرضية تعد بالرفد والخصب الكاذب، فلا تخلف إلا قفرا في القلب، وبردا في الحشا؛ تبدو كأنها تنعش الجثمان وتخنق الروح، حتى يصير ابن آدم طللا بلا نور، و صدى بلا منطق، وفيئا بلا شخص ماثل.»
بيوتر أوسبينسكي، الأورغانون الثالث: مقلاد مباليد العالم، ص355.
كأن راسل عندما قال لفيتغنشتاين هنا: "هل تقصد أنه لا توجد مشاكل فلسفية؟" كان يعني هل تقصد أنني حما.ر لم أفهم الأمر أصالةً وأنه لا حاجة لي ولأمثالي؟
▪️
هل تحب
الفلسفة
؟
◯ نعم
◯ لا
الأناركية والتمرد والرفض قراءة في منظور اليسار الجديد
لا يقتصر تيار اليسار كله على حركات
سياسية أو أحزاب، فهو في الأساس تيار فكري، يجمع أشتاتًا مختلفة، بعضها منظم في أحزاب وجماعات، وبعضها يؤمن بالفوضوية، ومن المنضوين في سياقه العام ويحملون مسمى «جماعات يسارية»؛ تيار يؤمن بــ«اللا سلطوية»، ويرفع شعارات «الأناركية» أو الفوضوية والذي يمكن اعتباره أقصى اليسار أو اليسارية الراديكالية، وتلك بلا شك لا تحرض على العمل السياسي والوصول إلى السلطة، ولكنها تعني المزيد من الحرية المطلقة فكرًا وممارسات وسلوكًا. فالأناركية: حالة من الثورة الدائمة، التي تتعاطف مع المخالفين، الخارجين عن السلطة، فالأناركي إنسان ثائر يرفض المجتمع بهيئاته ومؤسساته، وهم يعارضون في الوقت نفسه حديث ماركس وإنجلز عن البروليتاريا الرثة. ويرى الأناركيون أن الثورة الحقيقية والتغيير مع هذه الفئة البسيطة الفقيرة، وليست مع البروليتاريا البرجوازية. فهم في المجمل يرفضون الاستبداد وتسلط الدولة الشمولية، وتحويل الإيديولوجية إلى أحزاب ومناصب وبيروقراطيات جامدة (1).
فمبدأ الثورية المستمرة من أهم المبادئ التي تميز «الأناركي»، وتجعله في حالة تمرد دائم، وسعي إلى التحرر، وهو أيضًا رافض للتحجر الإيديولوجي، ويناصر المهمشين والضعاف والطبقات الدنيا في المجتمع. وقطعًا هناك حالات من اليساريين، يؤمنون بهذا التوجه، وإن كانوا قلة في أعدادهم، ولكن طروحاتهم غذَت الكثيرين بالأفكار والرؤى، لأنها ببساطة تعيد نبض الاشتراكية الثورية الطامحة للتغيير، والحالمة بالمجتمع الاشتراكي المثالي، وتحارب الاشتراكيين في المنغمسين في أوحال السياسة، والركض وراء المناصب والأضواء، أو هؤلاء المنظرين الاشتراكيين المهمومين بجدليات فكرية؛ يتجرون بها أفكار وفلسفات سابقة.
ولكن الأناركية في المقابل، لا تعد مثقفًا أو ناشطًا يمكنه التغيير سياسيًا، لأن سلوكه لا يعرف استقرارًا، ويتخيل أن كل شيء يمكن تغييره إذا تحولت الأفكار في الرؤوس وتبدلت، ويتناسى أن القضية أعمق من هذا بكثير، لأنها ترتبط بسلوكيات أفراد وبنية مؤسسات وتشابكات مصالح، لا يمكن تغييرها بسهولة.
كذلك، هناك جدل بين اليساريين أنفسهم حول معنى اليساري، فالبعض يرفض رفضًا قاطعًا أي صلة لليسار بالماركسية والشيوعية واللاسلطوية، بينما يرى البعض الآخر أن اليساري الحقيقي يجب أن يكون شيوعيًا أو اشتراكيًا. وبينما يعتبر الكثيرون النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي السابق والصين أثناء حكم ماوتسي تونج تيارات يسارية، فإن البعض الآخر يرفض ذلك على اعتبار أن الشمولية التي كانت موجودة في أنظمة الحكم هذه كانت تتبع سياسة قمعية (2).
أما عن علاقة اليسار بالليبرالية، فإن الفكرة السائدة تشير إلى أن دلالة اليساري ترتبط كثيرًا بالفكر الاشتراكي في تجلياته وأطيافه المختلفة. وفي واقع الأمر، فإن اليسار السياسي متفق مع اليمين الليبرالي في العديد من القضايا منها: تبنيه لمنظومة الحريات الشخصية وحقوق الإنسان، وقيم العلمانية واحترام القوانين، والدستور، وقواعد اللعبة الديمقراطية، ولكنهم يخالفون الليبراليين في كون اليساريين أكثر تشددًا في قضايا العدالة الاجتماعية ونقض الرأسمالية وآثارها الوخيمة على الشعوب، وينادون بمنظومة اجتماعية اقتصادية تحمي حقوق العمال والبسطاء والمهمشين، وأهمية الرقابة القوية على الأسواق، ومنع الاحتكار بشكل عام.
فلا عجب أن يظهر ما يسمى «اليسار الليبرالي» المتأثر بتجليات الفكر الماركسي ونقضها للطبقية الأوروبية ونهب المستعمرات، ونتيجة مباشرة لمساهمة الفكر الاشتراكي في تحويل مسارات الاقتصادات الغربية المعتمدة على النظام الرأسمالي وآلياته، حيث تم تطعيم الفكر الرأسمالي بكثير من الأفكار الاشتراكية التي ساهمت في علاج توحش الرأسمالية، وفي إزالة الاستعمار القديم، ومقاومة احتكار القلة، وظهور ما يسمى نظام الاشتراكية الوطنية (3).
على جانب آخر، هناك تيار ما يسمى «الاشتراكية القومية» التي تخالف الاشتراكية الأممية العالمية التي لا تعترف بالوطن، وهي منفصلة عن كل رابطة تاريخية أو اجتماعية، ومتمردة على الدين السائد والأخلاق المعروفة، وبالجملة فهي ثورية إلى أبعد حد، وترتكز طروحات الاشتراكية القومية على أهمية مراعاة الأبعاد الثقافية المتوارثة في الثقافات مثل: العادات والتقاليد، والدين، والعلاقات الاجتماعية، والأصالة التاريخية للشعوب. وهذه الفكرة تزعم وجود تنافر مبدئي بين الشرق والغرب، وبين الثقافتين الغربية والشرقية (الآسيوية والإفريقية)، وتستند هنا إلى اتجاه إنساني، يرى أن الإنسان هو مركز الصدارة، وهو المقياس لكل القيم والمعايير، فيما يسمونه العوامل البشرية للثقافة، والتي تظهر في الشعور بالرفق وروح التعاون المتبادل والإخوة والقدرة على المشاركة. وأن الدين هو رابطة عميقة تكتّل الناس في جماعات متآلفة روحيا، وتقودهم إلى الخير والصفح والمحبة.
وهذا التوجه امتد إلى الاشتراكيين العرب أنفسهم، الذين وجدوا مجتمعاتهم لا تتقبل الفكرة الاشتراكية في سياقاتها الثقافية الغربية، ولا في مصطلحاتها الفلسفية المنقولة كما تلفظ في لغاتها، فبدأت محاولات جادة للبحث عن هوية للاشتراكية عبر إعادة قراءتها في سياقاتها الثقافية والاجتماعية المحلية.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن قراءة واقع ومستقبل اليسار العربي عامة واليسار المصري جزء منه في القرن الواحد والعشرين، والتأثرات التي بات عليها، فمن الخطأ أن لا نعي الحركة الفكرية والتغيرات الإيديولوجية التي ألمّت باليساري العالمي، وإلا كيف سنفهم تطور اليسار في بلادنا، فالانطباع الشائع أن اليساريين هم المنضوون تحت الأحزاب الشيوعية القديمة، أو بقايا الحقبة الاشتراكية التي قويت وازدهرت في فترة الخمسينيات والستينيات، وأن الشباب الحالي هم امتداد لهم. والواقع غير ذلك، فالأجيال اليسارية الجديدة تخالف الأجيال القديمة، كما أن القدامى تبدلوا فكريًا وطوروا قناعاتهم وصاغوها بخيال سياسي جديد، وبعضهم غيّر من قناعاته الاشتراكية من الأساس وتحول إلى الإسلامية أو الليبرالية أو انكفأ على ذاته الفردية، وهناك آخرون تمسكوا برؤاهم، متجمدين في شيخوختهم على ما استهلوا به شبابهم/ واكتفوا باجترار ذكرياتهم، متحسرين على حقبة اشتراكية عربية وعالمية. وهناك أيضًا تواصل مع اليسار العالمي الجديد، وأعاد طرح رؤى تقدمية اجتماعية ديمقراطية، على يقين أن حركة اليسار هي قيم ومواقف وسلوكيات، تواجه جبروت الاستبداد، وتحارب طغيان رأس المال، وتسلط الفاسدين.
الهوامش:
1) الأناركية من النظرية إلى الممارسة، دانييل غيران، ترجمة: حسن دبوق، الأرشيف الأناركي العربي، 2012م، ص18، 19.
2) مفهوم اليسارية، أحمد العتوم، موقع المعهد العربي للبحوث والسياسات،
http://www.airssforum.com/forum/
وقد استخدم الحزب الشُّيُوعي في روسيا مفهوم اليسار في عام 1918، على يد جماعةٍ رأَسَها «نيكولاي بوخارين»، تدعو إلى شنِّ الحرب الثَّوْرية على سياسة «لينين»، وإلى قيادة البروليتاريا للاقتصاد، ورقابتها على المشروعات الصناعية.
عرَّف «كولا كويسكي» اليسار بأنه حركة نفْيٍ للعالَم القائم، أما «كارلأوجنسي» فرآه الرغبةَ في التقدُّم، والإيمانَ بأن الإنسان سينتصر في النهاية. وتُعتبر فكرة «الثورة وتغيير الأوضاع» أوَّلَ فكرة يرتبط بها مفهوم اليسار. ا. ه. وربما تكون جذوة الأناركية.
3) انظر تفصيلًا: تاريخ الفكر الاقتصادي: الماضي صورة الحاضر، جون كينيث جالبريث، ترجمة: أحمد فؤاد نعنع، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2001م، ص199- 205.
4) ما هي المنظومة الاشتراكية العالمية ؟، ص14، 15.
5) معالم الاشتراكية العربية، ميشيل عفلق، موقع في سبيل البعث (الكتابات السياسية الكاملة لميشيل عفلق)،
http://albaath.online.fr/
.
6) تحولات مفهوم القومية العربية من المادي إلى المتخيل، هاني عواد، الشركة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2013م، ص54، 55.
7) انظر تفصيلاً: نظرات في القومية العربية حتى العام 1970 م، الجزء الثاني: سبل ملتوية، جرجيس فتح الله، دار آراس للطباعة، منشورات الجمل، ط1، 2012م، ص1062 -1073. وأيضًا كتاب فلسفة الثورة، لعبدالناصر، طبعة دار الهلال، 1953 في الحديث عن رؤيته للعروبة والإسلام وإفريقية.
8) التنوير الآتي من الشرق (اللقاء بين الفكر الآسيوي والفكر الغربي)، جي. جي. كلارك، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2007م، ص227، 328.