
مذكرات مجهول
لا يتعلم الإنسان القسوة دفعةً واحدة، بل تتسلل إليه مع كل خيبةٍ جاءت بعد ثقة، ومع كل يدٍ امتدت بحسن نية فعادت مثقلةً بالخذلان، حتى يدرك أن طيبة القلب وحدها لا تحمي صاحبها من الأذى، فيبدأ بتغيير ملامحه التي أحبها يومًا، لا لأنه أراد أن يصبح قاسيًا، بل لأن الأيام أقنعته أن بعض الناس لا يفهمون الرحمة إلا حين تغيب.
أحيانًا تكون الأيام هادئة، وأنت المضطرب.
في نهاية المطاف، يعتاد الإنسان كل شيء مهما كان حجم الأسى، يعتاد الغياب حتى وإن كان في بدايته يشبه اقتلاع شيء من روحه، ويعتاد الخيبة حتى لا يعود ينتظر من أحد شيئًا، ويعتاد الوحدة حتى يصبح الصمت رفيقًا لا يزعجه، ويعتاد الأيام الثقيلة فيمضي خلالها بوجهٍ هادئ وقلبٍ يعرف كم يخفي، ومع الوقت لا يعود يسأل لماذا حدث كل ذلك، بل كيف استطاع أن يبقى، وكيف تحوّل الألم الذي كان يخشاه إلى شيءٍ يعرف طريقه جيدًا إلى داخله، وربما أقسى ما في الاعتياد أنك لا تشفى مما يؤلمك، بل تتقن حمله حتى يبدو للآخرين أنك بخير، بينما في داخلك شيءٌ ما مات بصمت، ولم يعد ينتظر منك سوى أن تواصل الحياة وكأنك لم تفقده.
قد يمضي الكثير، ويبقى القليل الذي هو الأرق بحد ذاته، كشوكةٍ غُرست في شغاف القلب.
نحن البؤساء:
نستحق ما يحدث لنا، لقد كنا مسرفين جدًا في مشاعرنا، في طيبتنا، لم نتخذ من الحذر أي حيطة، لم نفكر بالعواقب الوخيمة التي ستحل علينا، لقد كنا نمضي قدمًا وحسب، وها نحن نقفُ هنا وحيدين لا طاقة لنا بالصراعات، تُكبلنا أصداف الخذلان، مكتئبون منعزلون نستحق ذلك وحسب.
هل ينام البؤساء؟
أم أن السهر قد فُرِضَ عليهم؟
نخفي الكثير خلف ابتسامةٍ عابرة، نبتلع خيباتنا بصمت، ونجيب عن أسئلة القلق بكلمةٍ واحدة: «لا شيء»، لا لأننا بخير، بل لأننا لا نريد أن نحمّل أحدًا ثقل ما نحمله، فنختار الصمت أحيانًا رحمةً لمن نحب، ونمضي وكأن شيئًا في داخلنا لم ينكسر.
هناك من يضيق صدره أمام الإنسان الذي يفكر، لا لأن أفكاره مؤذية، بل لأنها تضعه أمام أسئلة يفضل ألا يواجهها. بعض العقول لا تخاف من الاختلاف بقدر ما تخاف من أن يكشف لها أحد ما اعتادت أن تتجاهله. لذلك يصبح التفكير، في نظر من اعتادوا البساطة المريحة، عبئا لا يريدون حمله.
لأنك ترى في التفاصيل الصغيرة ما لا يراه غيرك، وتمنح الأشياء من قلبك أكثر مما تمنحك، ستجد نفسك متعبًا في كثير من الأحيان. ستتأثر بكلمة عابرة، وبموقف ينساه الآخرون سريعًا، لأنك لا تعرف كيف تمر على الأشياء دون أن تترك شيئًا منك فيها. يا صديقي، لا تكن قاسيًا على قلبك؛ فالعالم قد لا ينتبه لكل ما تشعر به، لكن حساسيتك ليست عيبًا، وما تحتاجه فقط أن تتعلم كيف تحمي قلبك دون أن تفقد طيبته.
ولأن أصغر التفاصيل قد تترك فيك أثرا عميقا، ولأنك تمنح الأشياء أكثر مما تمنحك، ستتعب كثيرا يا صديقي؛ فهذا العالم لا يرحم من يشعر بكل شيء، ولا يترك للقلوب الحساسة مساحة كافية للنجاة.