
قناة طلال الحسّان.
◉
من جنايات الظنون
🌿
ليستِ المواقفُ – في كثيرٍ من الأحيان – هي التي تُرهق الأرواح، ولا الحوادثُ هي التي تُثقِل القلوب؛ ولكنها الظنونُ التي ننسجها حولها، والتأويلاتُ التي نُضفيها عليها، حتى تغدو في نفوسنا أكبرَ من حقيقتها، وأشدَّ وقعًا من صورتها.
فالموقفُ في ذاته صامتٌ ساكن، لا يحمل إلينا حزنًا ولا خصومة، ولكننا نُعيره من أوهامنا لسانًا يتكلّم، ومن خواطرنا وجهًا يتجهّم، ثم نعيش أسرى لما صنعته عقولُنا، لا لما وقع في الواقع، ونخاصمُ الموقفَ على شيءٍ نحن الذين صغناه، لا على ما كان منه.
وكم من كلمةٍ عابرةٍ ضاق بها الصدر، ولو أننا طأطأنا لها رأس التجاوز لانطفأت كما تنطفئ الشرارةُ في الماء؛ ولكننا حمّلناها من الظنون ما جعلها جرحًا طويلَ الأثر، لا لأن الكلمة كانت عظيمة، بل لأن التأويل كان ثقيلًا، ولأننا ألبسناها من المعاني ما لم يُرِده قائلُها.
فليس الذي يُتعِبنا دائمًا ما يقع، بل ما نُوقِعه نحن في أنفسنا من معانيه، وما نُبالغ فيه من تفسيره، حتى نُحوِّل اللحظةَ العابرةَ قضيةً، والكلمةَ العَجْلى جرحًا، والظنَّ الصغير همًّا كبيرًا.
وإنك لترى الأمرَ هيِّنًا في حقيقته، فإذا دخل قلبَك خرج على غير صورته؛ كأنما هو ماءٌ صافٍ صُبَّ في إناءٍ كَدِر، فما كدَّر الماءَ إلا الإناء.
إنما الحياةُ – يا صاح – مرآةُ قلبك؛ إن صفا صفَت، وإن كَدِر كَدِرت. فخفِّف عن قلبك ثِقل الظنون، وسوء التأويل، ودَعْ للأشياء عفويتها، وأحسِن الظنَّ ما استطعت؛ فإن كثيرًا مما نخشاه في عقولنا ليس له وجودٌ في واقعنا، وإنما هو وَهمٌ صغيرٌ صاغه الخاطر، حتى صار في النفس جبلًا من العناء.
ولعلَّ المتنبي أشار إلى هذا المعنى حين قال:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن
يخلو
من
الهمِّ
أخلاهم
من
الفِطَن
.
فليس كلُّ تعبٍ مصدره الواقع، بل كثيرٌ منه من فرطِ التفكّر، واسترسالِ النفسِ مع الظنون، وإغراقِ العقلِ في التأويل؛ حتى تتحوّل الأشياءُ الصغيرة في مرآة القلب إلى صورٍ مُضخَّمةٍ تُثقِل الروح وتُكدِّر صفو الحياة.
فالعاقلُ ليس مَن يُكثرُ الالتفاتَ إلى كل خاطر، بل من يُحسنُ العبورَ فوق كثيرٍ من الظنون، ويتركُ للأشياء بساطتها الأولى قبل أن تعبثَ بها أوهامُ النفس.
◉
أخصرُ الطرق إلى الهدى والعلم المأمول
ليس الطريقُ إلى الهداية مُلتبسًا على سالكه، ولا سبيلُ العلم مُتشعّبًا على من صدق في الطلب؛ وإنما هو طريقٌ واضحُ المعالم، تُضيئه نصوصُ الوحي، وتُثبّت أقدامَ سالكيه آثارُ السلف الصالح.
فأولى الناس بالحق، وأقربهم إلى إصابة طريق النبوة؛
من جعل أساسَ علمه كتابَ الله، وسنّةَ رسوله ﷺ، واستقرأ آثارَ الصحابة والتابعين، وغاص في معانيها ومدلولاتها، لا يَعدل عنها إلى رأيٍ مجرّد، ولا يستبدل بها مسالكَ مُحدَثة.
وقد قرّر هذا الأصلَ الإمامُ ابن تيمية رحمه الله بقوله: "
فمن بنى الكلام في العلم -الأصول والفروع- على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين؛ فقد أصاب طريق النبوة
".
مجموع الفتاوى (٣٦٣/١٠)
فكأنما وضع لك ميزانًا لا يختل، وحدَّ لك صراطًا لا يلتوي.
إن العنايةَ بفقه الصحابة وعلومهم ليست ترفًا علميًّا، بل هي من أعظم أسباب الهدى، وأوثق عُرى الاجتماع، وأبعد السبل عن الفتن والاختلاف؛ إذ كانوا خيرَ هذه الأمة علمًا وعملًا، وأصفاهم قلوبًا، وأصدقهم اتباعًا. تجد في فقههم روحَ الشريعة، وفي سيرتهم سرَّ النجاة. وقد قال شيخ الإسلام أيضًا: "
ومن استقرأ أحوال العالم في جميع الفرق، تبيّن له أنه لم يكن طائفةٌ قط أعظمَ اتفاقًا على الهدى، وأبعدَ عن الفتنة والتفرق والاختلاف، من أصحاب رسول الله ﷺ
". منهاج السنة النبوية (٣٦٤/٦)
فإن أردتَ علمًا يُحيي القلب، وهدًى يُقيم القدم، فالزم آثارهم، واغترف من معينهم؛ فإن الطريق إذا سلكتَه معهم بورك لك فيه، والحق إذا أخذتَه عنهم ظهر وأنبت من كل زوجٍ بهيج. ومن فارقهم طال عليه السير، وتشعبت به أودية الحيرة، وغاص في لجج الاضطراب، فمن رام السلامة، فليلزم طريقهم، وليغترف من معينهم؛ فإن فيه صفاءَ العقيدة، ووحدةَ الكلمة، وعصمةَ المسير بإذن الله.
فيا طالبَ الحق، إن الطريقَ إليه ليس في كثرة المسالك، ولكن في صدق الوجهة، وليس في تشعّب الآراء، ولكن في صفاء المورد؛ فاجعل كتابَ الله إمامك، وسنّةَ نبيّه ﷺ دليلك، وآثارَ الصحابة والتابعين زادك؛ فإنها ينابيعُ لا تغيض، ومصابيحُ لا تنطفئ
.
https://youtu.be/JCJKYqK-F2w?si=8187XLLSROI0pNxt
إدمانُ السهلِ وآفةُ الفتورِ العلمي
📚
ليس كل ما يُقرأ يُنمّي العقل، ولا كل ما يمرّ بالعين يُغذّي القريحة؛ فإنّ في إدمان السهل من الكتب، والإقامة الطويلة بين التغريدات الخفيفة والمنشورات السريعة، ما يُرخِي عَصَبَ العقل، ويُعوِّده اللين بعد الشدّة، حتى إذا عُرِضت عليه المطوّلات، أو نُصِبَت له النصوص المتينة، تثاقل، ونبا عنها كما ينبو الغريب عن غير مألوفه.
وهكذا يُساق طالب العلم – وهو لا يشعر – إلى ضمورٍ خفيّ، لا في معلوماته، بل في قدرته على التحمّل، ومجالدته للنصوص الصعبة، وصبره على معالي العلم؛ لأنّ النفس إذا أُلِفت الخفيف، استثقلت الثقيل، وإذا أُطعِمت السهل، نفرت من العويص.
ومن هنا كان من فقه الطريق: أن يُمسك المرء عن بعض ما يُحب، وأن يُعرض عن فضولٍ يسرق عمره وإن بدا نافعًا؛ ومن جميل ما يُذكر ما قاله الإمام الذهبي في المعجم المختص (٣٠٥) في ترجمة أبي بكر البعلبكي: «
وأعرض عن أشياء من فضلات العلم
».
فما أحوجنا إلى هذا الإعراض الواعي عن فضول العلم، حفظًا للياقة العقلية، وصيانةً لقوّة التحمّل، حتى يبقى العقلُ مشدودًا إلى معالي الأمور، قادرًا على اقتحام صعابها، غيرَ مأسورٍ لعادات السهولة ولذّاتها.
ما أيسرَ الخيرَ لمن صدق مع الله، وما أقربَ الرحمةَ لمن لزم بابها!
رجلٌ جعل من سجوده محرابَ برّ، يلهج فيه بدعوةٍ واحدة:
ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيرً
ا
، حتى بلغ بها خمسمائة ألف مرة.
لم يُثقل نفسه بتكلّف، ولا شغله تنويع، بل أخذ طريقًا يسيرًا، فأدام السير فيه حتى أثمر.
وهكذا تُبنى المعاني العظيمة بتكرارٍ صادق، يسكبه القلب قبل اللسان، ويُباركه الإخلاص.
فاجعل لوالديك وِردًا من الدعاء لا تتركه، فلعل دعوةً صادقةً لوالديك تكون نورًا لهما في قبورهما، ورحمةً تُظلّهما، ورفعةً في درجاتهما عند ربّهما
.
خرجتُ من بيتي صباحًا، فرأيتُ شابًا اصطدم بسيارته بعامل توصيلٍ على دراجة، فوقع العامل مُضرّجًا بدمائه لا يتحرّك، ووقف الشاب مذهولًا، قد غلب عليه الهلع، لا يدري ماذا يصنع.
ولم يغب عن ذهني ما وقع قبل أيام من احتكاكٍ يسيرٍ بين سيارتين في أحد أحياء الرياض انتهى بجريمة قتل.
في تلك اللحظة تذكّرتُ دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ…»
وأدركتُ أن الإنسان، ما دام خارجًا إلى دنياه، فهو معرّض لألوان من الخطأ والبلاء، وأن حاجته إلى عون الله وهدايته ليست أمرًا عارضًا، بل ضرورة لا تنفك عنه في كل حال.
ومن وحي ذلك كانت هذه الخاطرة
👇🏼