
قناة وائل البتيري
قال الإمام يحيى بن معين: "ما رأيتُ مثل أحمد (ابن حنبل)، صحبناه خمسين سنة؛ ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير".
وهو ذاته الذي قال فيه - رحمهما الله تعالى -: "لو جلسْنا مجالسنا في الثناء على أبي عبدالله؛ ما ذكرنا فضائله بكمالها".
"فطَوَّعَتْ له نفسُه قتلَ أخيه، فقَتَلَهُ، فأصبَحَ مِنَ الخاسرين" (المائدة: 30)..
"ولَعْنُ المؤمن كقَتْلِه" (متفق عليه).
ليس بالضرورة أن ترد على كل نقد يوجَّه إليك..
أحياناً.. عدم الرد يكون أبلغ..
وأحياناً.. ترك الجدل أفضل وأجمل..
وأحياناً.. يكون ردُّك رغبةً لدى ناقدك، يتحرق شوقاً لرؤيته؛ كي يبدأ جولة جديدة من الرد أو "الردح"... ومثل هذا يستحق أن "يفشَّل" بإهماله..
وأحياناً.. ينحو النقد إلى الشتم والاتهام بالظِنّة.. فسامِحْ واحتسبْ، وامضِ ولا تلتفت !
ولو أن كل شيء خطر في بالك كتبته؛ لما بقي لك في هذه الحياة محبٌّ ولا صديق !
ولكن..
حينما يكون الناقد سالكاً طريق الضلالة والغواية؛ فالواجب يستلزم أن ترد عليه بعلمٍ وحِلمٍ وعبارة لطيفة، بعيداً عن التشنج والتسفيه والاحتقار.. دافعك في ذلك الرحمة به، وبمن يتابع حواركما ممن التبس عليهم الحق بالباطل.
وإياك أن تنتصر لنفسك.. حينها سيخسر الجميع.
قال رياح القيسي رحمه الله: بات عندي عتبة الغلام، فسمعته يقول في سجوده: اللهم احشر عتبة من حواصل الطير وبطون السباع.
(سير أعلام النبلاء: 62/7)
قال الإمام الذهبي في "السير" (89/15):
"رأيت لأبي حسن الأشعريِّ كلمة أعجبتني، وهي ثابتة رواها البيهقي، سمعتُ أبا حازم العَبْدوي: سمعتُ زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لَمّا قرُبَ حضورُ أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد؛ دعاني، فأتيته، فقال: اشهدْ عليَّ أني لا أكفّر أحداً من أهل القبْلة؛ لأن الكل يُشيرون إلى معبودٍ واحد، وإنما هذا كلّه اختلاف العبارات.
قلت (الذهبي): وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، فمن لازم الصلوات بوضوء؛ فهو مسلم".
رحم الله القائل:
اعمل بعلمي وإنْ قصرتُ في عملي
ينفعك علمـي ولا يضـــرُرك تقصيري
وانظر لنفسك فيما أنت فاعلُه
من الأمور وشمِّر فوق تشميري
كان أويس القرني رحمه الله يقول: "اللهم مَن مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومَن مات عرياناً فلا تؤاخذني به"
(صفة الصفوة 54/3)
جاء في "سير أعلام النبلاء" (7/ 270):
"كان سفيان الثوري يقول: مالك (بن أنس) ليس له حفظ.
قلت (الذهبي): هذا يقوله سفيان لقوة حافظته، بكثرة حديثه ورحلته إلى الآفاق، وأما مالك فله إتقان وفقه لا يدرك شأوه فيه، وله حفظ تام، فرضي الله عنهما".
أيها الإسلاميون.. تنكرون على الفُساق مجاهرتهم بمعاصيهم، وأنتم تجاهرون صباح مساء بمعصية التفرّق والتعصب والتنازع.. ألا تخجلون؟!
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليؤيِّدُ دِينَه بالرَّجْل الفاجر» (رواه البخاري ومسلم).
قال صاحب فيض الباري على صحيح البخاري (4/ 189):
"معناه أن ذلك من عجائب قدرته، وغرائب سلطانه، حيث يؤيِّدُ دينه بالرجل الفاجر، لا أَنَّ فيه مَدْحًا له؛ ولذا أسند التأييدَ إلى نَفْسه، كأنه لا يكون من نِيَّةِ هذا الفاجرِ أن يُؤيِّدَه، ولكنَّ الله سبحانه يُؤيِّدُ به دِينَه، ويجعله واسطةً له".