
يوسف سمرين
"أن نفضح ونعري حالة القمع … كما أتصور هي البوابة التي من خلالها يمكن مقاومة الغرب جديًا والوصول إلى علاقة مختلفة تجعل بإمكان هذا الشعب مواجهة مشكلاته وأن يتعامل معها بقدرة حقيقية وأن يصل إلى نتائج ملموسة"
(القراءة والنسيان، عبد الرحمن منيف، طوى للثقافة والنشر والإعلام، طبعة الأولى: ٢٠١٥، ص٣٤.)
أنا المسيح!
ديفيد كوريش مواطن أمريكي خطر له أن يؤسس طائفة، هذه الطائفة تنتسب إلى الإنجيل وتعتقد بضرورة أن تكون مسلَّحة، وهكذا اجتمع حوله المؤمنون به، وأقامت الطائفة مجمعًا سكنيًا في منطقة واكو في تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية في التِّسعينات، وشمل المجمع النساء من أتباعه والأطفال.
ثم مع وجود بلاغات عن حيازتهم أسلحة آلية قررت الحكومة مداهمة المجمع في ١٩٩٣، لكنَّ ديفيد الذي اعتقد أنَّ المسيح حلَّ فيه أصدر أمرًا مباشرًا لأتباعه بفتح النار! فقتلوا ٤ من الشُّرطة وقتل منهم ٦ وتعقَّد الأمر حتى وصل إلى استدعاء الجيش والمروحيات، واستمرت الاشتباكات والحصار لمدة ٥١ يومًا، وخلال تفاوض الشرطة مع ديفيد سأله الشَّرطي: هل تؤمن بالإله؟ فأجاب: أنا الإله!
انتهى الحصار باحتراق المجمع، والحصيلة: ٧٦ قتيلًا بينهم ٢١ طفلًا من أتباع ديفيد، واتهمت الحكومة أتباعه بالحريق حتى لا يستسلم أحد منهم، لكنَّ بعض الناجين والمتعاطفين معه اتهموا الحكومة! ومنهم أحد الحضور حول المجمع السكني وهو تيموثي مك فاي الذي كان جنديًا سابقًا، واعتبر الحكومة مسؤولة عن الحريق، فقرر الانتقام! وبحق نفذ في ١٩٩٥ هجومًا بشاحنة مفخخة استهدفت مبنى من طبقات في أوكلاهوما فقتل ١٦٨ شخصًا، منهم شرطة ومدنيون وكثير من الأطفال فقد كان في المبنى المستهدف مكتب لـFBI وكذلك حضانة أطفال! ثم ألقي القبض على تيموثي وأعدم لاحقًا.
تشيزوفرانيا
يستعمل الواحد منهم منجزات الحداثة الأوروبية في خطاب عن العقد الاجتماعي، والحديث عن مواطنة بلا تمييز على أي أساس ديني، إذن الكلام في هذا عن مشترك وطني، عن عقد ولحمة على أساس العيش المشترك، عن تاريخ وطني وقومي وهذا كله بعيد عن الحديث عن أساس ديني مشترك.
لكنه يبدأ بسحب ذلك إلى جوانب أخرى! للحديث عن الموضوع بصفة دينية، ثم تبدأ نغمة (نحن المسيحيين هنا قبل الإسلام)! في تأسيس للغة قومية خاصة مختلطة بالدين، على أنَّ مفهوم المواطنة ليس مبحثًا دينيًا، بل هو استبدال للمرجعية الدينية بأخرى مدنية لأسباب كثيرة.
أما عن العيش تاريخيًا ففي الإنجيل رسالة بولس إلى أهل رومية، حيث يحرم عليهم مقاومة السلطة: (إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ)، وفيه (قبل الإسلام) يأمر بإعطاء الجزية لمن يأخذها عن طيب خاطر ويعتبرها حقًا: (فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ).
هذه الوضعية التي يحكي عنها (الكتاب المقدس) لا تشير قيد أنملة إلى مفهوم المواطنة، بل عن أمر بالخضوع للجزية وذاك ترتيب الرب، هكذا كان الأمر فتريد أن تستعمل لغة محايدة دينيًا عن المواطنة والحق في الوطن لك ذلك لكن لا تخلطها كل حين بكلاشيه: نحن المسيحيين قبل الإسلام، ويسوع أمرنا بالسلام كأنَّ هذا الذي حجزه تاريخيًا عن غيره! على أنَّ جموع الفلاحين كانت تئن من هذا الوضع قبل الإسلام في بلاد الشام وغيرها، ومع ذلك كان ولاؤهم لكنائس بعيدة عنهم لا علينا مما في التاريخ الآن!
وهناك لهجة أخرى تتحدث عن التكفير وعدم الترحم ونحو ذلك، عزيزي هل أنت لا تؤمن بوطن إلا أن يكون الجميع فيه أولياء لله؟ على هذا أنت تجهل معنى المواطنة، وهي تمنح للمختلفين للمؤمن والكافر، وما معنى التنوع والاختلاف إن كان يجب على غيرك أن يراك مؤمنًا وستدخل الملكوت؟ فيما لم تستطع حسمه حتى مع الطوائف (المسيحية) الأخرى، وكذلك لا يحسم بين الفرق الإسلامية، لكن ألا تلاحظ أنَّك مرة تريدها قانونًا دينيًا ومرة علمانيًا؟
أما عن العيش والعقد مع شركاء الوطن، فالعقد المشترك لا مشكلة فيه بل مطلوب، وهو مصلحة للجميع وطنيًا وسياسيًا، لكن أن يتحول الأمر إلى هراء وتقميش بكلمتين من الحداثة وأخرى من القرون الوسطى، ويمتحن الناس في مواقفهم الدينية والعقدية، ويصبح الموضوع مناسبة للتبشير فهذا تشيزوفرانيا، أنت مواطن لا يحق لأحد الاعتداء عليك، هذا تابع لعقد اجتماعي يجب على الجميع أن يوفي به، لا علاقة له بنوع معتقداتك، فهذا لا يشير أدنى إشارة لصحة معتقداتك مهما كانت دينية أو فلسفية ولا يشير إلى تعاقد خاص معها.
أسرع طريقة لتسويغ الانغلاق ورفض النقد، أن يقال عند نقد فئة:
-كأنَّ غيرهم أفضل!
فتنقد غيرهم.
-أنت لا يعجبك أحد!
https://mdarek.net/articles/237
مقال: (دور التَّصوف في انحطاط المجتمعات الإسلامية) ضمن العدد الحادي عشر من مجلة مدارك.
أعضاء الأحزاب الذين يمكن أن تناقشهم هم أولئك الملتزمون بقرارات قياداتهم السياسية فقط، فمهما بلغت بهم الأيديولوجيا فإنهم يدفعون غُرمَ أخطاء القرارات، أما ذلك الكائن الهلامي البغيض، المصنف كواحد من الـ (فانز) ممن يمكن أن يصرِّح برغبته في احتلال المريخ على فيسبوك، ثم يعود إلى ممارسة الوشاية اليومية على زملائه في مكان عمله، فحتى زوجته لا يمكن أن تحمله على محمل الجد حتى يُناقش في الشأن العام، هذا إن كان متزوجًا عاملًا فكيف إن كان قد فرح بالأمس ببلوغه أو فضيلته بلغ ويأخذ راتبه مقابل تفل تلك الشعارات!
يعجبني مرهفو الحس، زكمت أنوفهم رائحة شواء اللحم الحيِّ على الجمر الهادئ وما انسدت شهيتهم ثم جرحتهم كلمة نقد!