
لثغةُ الطُفولة
العالم محموم ويسير نحو الهاوية ..
الحب والحرب والموت .. كلهم يبدأون بشرارة يسيرة، كمزحة وكشيء غير قابل للتصديق أو التأويل أو الفهم، شيء بعيد عن الإدراك والدراية .. ثم سرعان ما يصبح واقعًا تتعلم فهمه والعيش معه أو النجاة منه !
سرعان ما يتحتم عليك تصديقه والعمل بمقتضاه بطريقة ما.
تتكلم إحداهن عن رسائل الإنذار، تقول بهلع : " حاطين إنذار بشمال الرياض جاكم شي؟ "
يتفحص الجميع هاتفه، تتصل هنا وهناك ثم تهدأ قليلًا .. وتبتهل بالأمن والأمان بصوت خافت مرتجف أقرب للمناجاة، تحث الخطى وتذرع المكان جيئة وذهابًا، تفرك يديها، وتعود للدعاء.
أنظر إلى قلقها الظاهر بقلب هادئ .. عند الحواف دائمًا ما أفكر فيما لو انتهى العالم الآن .. على ماذا سأندم ؟ وما هي اللحظة التي سأمتن لها دائمًا، ما الذي سأخشى فواته .. وما أكثر ما سيصيبني بالهلع، وما قدر الأشياء التي سأكون مستعدة لخسارتها .
هذه الأيام وفيما يسير العالم نحو الهاوية .. تعتريني حالة تأمل صرفة، نوع من أنواع تكثف الإحساس الشعوري بالوجود، مع الزهد فيه .
أتماهى مع الانعزال وأطلبه، لو حدت قليلاً كنت لأغرق في كل شيء يقدس الطقس والروحانية، ولربما كنت
اتبعت خطى الغزالي، أو لكنت اتبعت شيخ طريقةٍ تيجانية، لكني الآن أقول كما قال محمد عبد الباري في فشل تجربة صوفية :
"
ثم علمني أصلي شهوةً، أنا ما زلت أصلي نسكً
ا"
للجمال طرائق شتى وموارد عدّه وللناس فيما يعشقون مذاهب منهم من تفتنه السماء بأفلاكها وأنوائها والليل بنجومه، والقمر بمنازله وعرجونه و هناك من يجد في فلق الصبح ونسيم الورد وشم الزهر وعرار الأودية والبوادي بغيته ومنهم من يجد غايته في مسامرة الأحبة وأحاديث الجُلاس…
كتب درويش في سجنه بالرملة قصيدة أحن إلى خبز أمي التي قال فيها : خذيني إذا عدت يوماً وشاحاً لهُدْبِكْ وغطي عظامي بعشب تعمَّد من طهر كعبك وشُدّي وثاقي.. بخصلة شعر.. بخيطٍ يلوَّح في ذيل ثوبك.. ضعيني إذا ما رجعتُ وقوداً بتنور ناركْ .. وحبل غسيل على سطح دارك لأني…
ليلة السبت قدمت المنبه ساعتين عن موعد استيقاظي بالخطأ. ساعتان كانتا كفيلتين بإحداث أثر الفراشة، لتبدأ سلسلة صغيرة من التأخيرات، ولأغرق تحت وطأة متتالية من الفوات تتدحرج ككرة ثلج على امتداد اليوم.
في الطريق، وصلتني رسالة تذكير بعمل مؤجل، لتجر خلفها الرسائل التي أهملتها، وبينما أحاول الرد، وردني سؤال سخيف، من ذلك النوع الذي تتمنى لو تجاهلته لرداءة توقيته، لكن شيئًا من اللباقة يدفعك لأن تجيب بلطف متكلف.
نسيت موعدي في الحادية عشرة مع صديقتي، ولم أتذكره إلا حين أضاءت شاشة الهاتف باسمها، بدا نسياني لها اعتباطيًا، لكنها ضحكت طويلاً حين سمعت الحكاية.
حين هدأت أخيرًا ، تأملت في سر التقدير، في المصادفات والمواقف التي نظنها محض اتفاق، لكنها عن سابق تدبير، وطرأت في وعيي فكرة شديدة البداهة من نوع الأفكار التي توقن بها لكنك تشعر في لحظات معينة أنك عرفتها للتو فيتغير وعيك بها؛ (ما نظنه تأخيرًا يستجلب الفوضى ويربك نظام اليوم،ليس إلّا انتظامًا خفيًا لا نملك مفاتيحه ولا نعرف سره. )
تجدد وعيي في نهاية يوم كهذا، بأن النظام الحق ليس ما نصنعه بتخطيطنا، بل ما ينسج في الغيب بتقديرٍ أوسع من وعينا، وأن كل ما نراه ، إنما هو انتظام دقيق في ميزان لا نراه. فالتأخير الذي يزعجنا، والصدفة التي نستهين بها، والالتباس الذي يربكنا، خيوط في نسيج الحكمة والتدبير والإحاطة.
"
شؤون صغيرة
"
لكلٍّ منا مواطن سروره وملاذاته الآمنة، وعاداته التي يلوذ بها من هجير الأيام، وضحكاته التي يدخرها لليالي المعتمة، وأصدقاءه الذين يشهرهم في وجه اللحظات التعيسة.
لكلٍّ منا دندناته التي تعلو فوق صخب الروح وفوضى الذاكرة، واعتذاراته التي يهمس بها لنفسه، وصكوك الغفران التي يمنحها للآخرين، لا ليغفر لهم، بل ليحرر نفسه من عبء الكراهية.
لكلٍّ منا وجهاته التي يقصدها بشتاته، وبعثرته، وفوضاه، ويعود منها وقد سكنت روحه .
يُروى أن فلاديمير نابوكوف واصل كتابة قصائده رغم هدير البنادق في مسامعه أثناء الثورة الروسية.
أما آذر نفيسي فذكرت في سيرتها أنها كانت تجد عزاءها في تلك الحصص الدراسية الخاصة، حيث كانت تناقش مع مجموعة مختارة من طالباتها الأعمال الأدبية، وكانت تؤمن بـ”الطاقة الهائلة، بل وربما السحرية للأدب”.
وعُرف عن رضوى عاشور لجوؤها إلى الكتابة كفعل مقاومة، وسيلة لمواجهة الهزيمة واستعادة الإرادة.
وكذلك وجد إيرفين يالوم عزاءه في ممارسة العلاج النفسي، رغم تدهور حالته النفسية ومرض زوجته، إلاّ أنه استمر في مدّ يد العون للآخرين كسبيلٍ للتماسك والبقاء.
*العنوان مقتبس من قصيدة لنزار
https://www.aldiwan.net/poem6305.html
أهلًا
يسألني بعض الأصدقاء عن التدوين، والحقيقة أن الهوى لا يواتيني لأدون بشكل منتظم
لكني أضع كل خميس نصًا على حسابي في الانستقرام كنوع من الإلزام بالكتابة "وأحيانًا "
"
أحيانًا
" أراجع الكتب :
https://www.instagram.com/r_owaidah?igsh=MXRvMzYzbWZ2bTZocQ%3D%3D&utm_source=qr
لكل إنسان اختباره في هذه الحياة؛ فقد يمتحن رقيق الحس في رقته ومن حوله، ويبتلى القاسي بما يكسر سطوته، ويختبر الدقيق في نظامه وصرامته.
وعلى قدر نصيبك من الشعور، يكون امتحانك فيه.
لم أحفل يوما بسؤال : ما هي القوة الخارقة التي تود أن تمتلكها ؟
لم أجد له موضعا في خيالي يخصب عنه خيالٌ وخيال
حتى سمعت قول كاظم في محبوبته:
تنبت من الازهار ما كان معدوم
وتسر نفسٍ من زمن ما استسرت
فتذكرت سؤال المجلات هذا وتمنيت أن تكون لدي هذه القدرة الخارقة
🧚🏻♂️
صبيحة سبت ساكنة، يتوسّد فيها الناس أحلامهم متعبين من ضجيج الأسبوع وثقله وحدي أصحو، أُعد قهوتي بتؤدة شديدة، كأنني أرتب نهاري.
أفتح الساوند كلاود وأترك صوت أم كلثوم ينساب خافتًا في أرجاء البيت.
أحرص ألا يعلو، ألا يوقظ أحدًا، أردد معها: “سوف تلهو بنا الحياة وتسخر…” وكأنها تعرف، كما أعرف، أن للحياة طرقها في العبث، ولنا نحن طقوسنا الصغيرة في المقاومة.
بوسع الوهج اللحظي أن يسلب لبك تمامًا، أن يغرقك في لجة من الانبهار، ويعمي بصرك عمن سواه، لكن .. سرعان ما يهمد ويستحيل رمادًا تذروه الذكرى.
شعاع النور الكثيف يغمرك بخيط من الضوء الباعث على الطمأنينة، ضوء تستطيع أن تنظر إليه مرارًا ولا تغض بصرك خوفًا من شدة السطوع.
أعتقد أن مي زيادة كانت من النوع الأول، من أصحاب الوهج الساحر ..
قلما نجى من الافتتان بها أحد، حتى الزيات وهو عندي نموذج للرصانة-أعني أنني لا أضعه مع العقاد أو نزار أو درويش في ذات الكفة- قرأت له مقالةً غالى فيها بمديحها، بدا لي وكأنها ألقت عليه تعويذتها..
ميّ التي حين تذكر حتى اللحظة يقترن اسمها بالسطوع والفتنة، وقلما يأتي أحد على ذكر ما آلت إليها حياتها من تراجيديا مفجعة؛ حين تخلت عنها العائلة، وانقطعت رسائل الغرام، وانفض الجموع، ونفض المحبون أياديهم، وخف وقع القدم على الصالون، وأودعت في نهاية المطاف في العصفورية …
ذوت وانطفأ وهجها وماتت في صمت تام ووحدة موحشة حد أنه لم يمش في جنازتها سوى ثلاثة أشخاص فقط.
بوسع الوهج اللحظي أن يوقعك دائمًا في الالتباس، لذلك أستطيع أن أجزم أني أراهن على الضوء الكثيف وعلى الومضة والالتماعة التي تظهر سهوًا فيما المرء مشغول بعاديته، وعلى البريق الذي تعيد اكتشافه في كل مرة.