
دراية للعلوم الإنسانية
تعرضت الذات الإنسانية لكثير من المستجدات والأوضاع والأحوال، فأثرت عليها إما بسلوك أو نمط عيش، ولا زالت المستجدات تتفاعل مع الإنسان ويتفاعل ويتفاعل معها؛ لينتج عنها حالة مغايرة عن الأوضاع والأحوال السابقة. وإن مما استجد دخول الرقمنة والحياة الرقمية في حياة الإنسان، وتغوّل برامج التواصل الاجتماعي وأدواتها في معيشتنا.
لو استعرنا مفهوم الذات عن "غوفمان" في سياق التفاعلات اليومية التي يمر بها الإنسان وأدواره التي يمارسها داخل أسرته، ابناً أو أباً، بنتاً أو أماً، موظفاً في عمله أو مشترياً من متجر؛ فإن المرء يجد نفسه يتنقل أو يتبدل في الأدوار التي يقوم بها. فإذا أضفنا إليها دخول الإنترنت وما يحويه من برامج تواصل اجتماعية، تكونت لدينا هوية رقمية منعكسة عن الهوية الأصلية، لكن نقوم من خلالها بأدوار غير الأدوار التقليدية، ولا نبالغ إذا قلنا: إن الهوية الرقمية أصبحت هويات متعددة بتعدد وسائل التواصل الاجتماعي وطبيعتة أدواتها، ففي برامج الصور، يُلزم الإنسان نفسه بإظهار أحسن الصور وأكثرها أناقة، وفي برامج السرد، يتحول إلى اللغة السردية المنمقة. وفي برامج (ask) يلبس رداء الوقار ليجيب على أسئلة المريدين؛ وهو شخص واحد، لكنها أدوار متعددة في برامج التواصل الاجتماعي، إلا أن السمة الجامعة بين وسائل التواصل الاجتماعي، وقوع المرء تحت هيمنة مراقبة حكم الآخرين عليه، فالفرد ليس متفرجاً في منصات التواصل الاجتماعي، بل فاعل يستخدم التفاعلات والإشارات لتخليق واقع اجتماعي رقمي مقنع، يحاول من خلاله رسم صورة عن ذاته الحقيقية، من خلال الحضور في وسائل التواصل الاجتماعي، وانتهاج أسلوب في بث محتواه الرقمي، ثم تتبع الإشعارات والتفاعل وردود الفعل والمشاركة والتبرير والمناقشة لحضوره الرقمي، فنلاحظ أن حضور التقنية ووسائلها أثرت على الذات الإنسانية، وجعلتها في حالة تقلّب وتبدل، نتاج التفاعل المتبادل بين الإنسان وبين التقنية وأدواتها. وزاد الأمر تطرفاً حين صارت هذه الأدوات حاضرة مع الإنسان غالب وقته، فظهرت لدينا صورة الإنسان يتتبع الرائج من التغريدات، ويسير مع النزعة والتيار المهيمن من الآراء والأفكار ، ويتبع الصيحة والموضة الملابس والدثار ، ليكون في النهاية "إنسان الترند"
https://t.me/Deerayah
"
إنسان الترند
ليس مجرد مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، بل هو ضحية لسباق محموم نحو
اللاشيء
.
لقد استبدلنا الحكمة باللقطة، والخصوصية بالاستعراض، وأصبحنا نعيش حياتنا وكأننا في تجربة أداء مستمرة أمام جمهور لا يرحم، ينسى غداً ما صفق له اليوم...
في الفترة القادمة ، لا نتحدث عن مجرد تطبيقات تقنية، بل نغوص في وجع الروح الإنسانية وهي تُسلب من عمقها لتصبح مجرد صورة عابرة على شاشة الهاتف"
الصيام الرقمي
"في أشهرِ تعاريفِ الصومِ يُفسرُ بأنهُ الإمساكُ والامتناعُ عن سائرِ المفطراتِ تعبدًا لله، وقد أشارت بعضُ النصوصِ أن الصومَ بابٌ للصحةِ، كقولِهِ: صوموا تصحوا،وإن مما ابتُلي به الناسُ تغولُ التقنيةِ في معيشـتهم فألقت بأضرارٍ في حياةِ الأفراد من قلقٍِ وإدمانٍٍ للأجهزةِ، فذكروا أن أقوى أساليبِ التخلصِ من الإدمانِ "الامتناعُ الطوعي" عن استخدامِ التقنية، بل سمّيت "الصيام الرقمي"، وبعضهم يسميه الديتوكسَ الرقمي أو [Digital Detox]. ويريدون بهذا كسر دائرة الاعتماد المُفرطِ على الأجهزةِ وما تحويه من تطبيقات وإشعاراتٍ صُممتْ لتكونَ مرتبطا بها طوال الوقت بالامتناع عنها؛ بغيةَ تحسين المزاج والتخفف من القلق، ولو استثمرنا هذا المفهوم في شهر الصوم بالتخفف من التقنية لاقتربنا من السكينة والطمأنينة في صلواتنا وتلاوتنا، وطهّرنا صومنا بالبعد عن الصور التي تخدش تصوراتنا، وحفظنا وقتنا عن متابعة التفاهات وما لا ينفع.
كيف؟
- نخصصُ وقت العبادة بعيدًا عن الأجهزة،ِ حتى في وردك تلاوتكِ احرصْ أن تكون بالمصحفِ الورقيِ.(١)
- إيقاف الإشعاراتِ في برامج التواصلِ وقتَِ العبادةِ.
- التدرجُ بإيقافِِ الاتصال الدائمِِ بالإنترنتِِ من أجهزة الاتصال لكيْ يصفو الذهنُ للعبادةِ.
- جرّبْ أن تخرجَ إلى العبادةِ، إلى صلاة الفرض أو إلى صلاةِِِ التراويح بدون جهاز الاتصال-ما لمْ تكنْ محتاجًا إليه- ، وانظرْ كيف يمكننا التخلي عن أجهزة الاتصال التي طالما كنا أسرى لديها.
تحرير أ.عبدالله السليم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) يُذكر أن هناك ارتباط بين الأشعة الزرقاء المنبعثة من شاشات الأجهزة و الأرق وقلة التركيز.
https://t.me/Deerayah