
┊❥الكاتبة🦋 نرمين نحمدالله🦋
_تفتقد صاحبها.
يقولها الرجل بمزيج من توقير وحنان وهو يفك رباطها دون أن يحتاج لسؤاله عن رغبته في الأمر..
هي عادته منذ سنوات.. منذ اشترى هذه البقعة الصغيرة من الأرض في الوادي جوار البحيرة..
كلما عاد إليه في إجازة عمله يكون أول ما يفعله أن ينطلق بفرسه في ربوع الوادي التي تبدو ممتدة بلا نهاية.. ثم يعود ليمكث قليلاَ في الكوخ الصغير المجاور قبل أن يرجع لأهله هنا.
يراقبه العجوز ببعض الفخر وهو يراه يمتطي الفرس التي رفعت حافريها بمجرد أن اعتلاها كأنها أخذت شارة الانطلاق، قبل أن تنطلق لتسابق الريح وصهيلها العالي كأنه شارة فرحتها بعودته..
وعلى ظهرها كان هو يعب الهواء عباَ وهو يمسك اللجام بقوة فارداَ ظهره مصوباَ عينيه نحو البحيرة التي بدت تحت ضوء الشمس وكأن الذهب يسبح فوق مائها يناديه من بعيد..
بلمعة تشبه.. عينيها!
هي.. هي فجر!
ربما لهذا لم يشعر بنفسه وهو يلكز خاصرتي الفرس كي تزيد سرعتها أكثر..
تكاد تطير به فيبتسم وهو يقترب من البحيرة..
تتلاحق أنفاسه وهو يشد اللجام أخيراَ لتتوقف به الفرس على الشاطئ..
يترجل من فوقها ليأخذ نفساَ عميقاً ثم يضم رأسها لصدره هامساً :
_فجر رجعت يا (روح).
تسكن الفرس إليه كأنها تفهمه فيبتسم وهو يربت على رأسها :
_تعرفين؟! عندما ولدتِ أنتِ بين ذراعيّ أردت أن أسميك على اسمها.. وقتها كنت أظنها قد..
يقطع عبارته ويقطع معها نزيف تلك الذكرى الموجعة.. عندما أخبروه أنها قد ماتت!
ليردف وهو يهز رأسه بانفعال :
_لكنني لم أستطع.. خفت.. خفت أن يعرف أحد أنني لا أزال أعيش على ذكراها.. أسميتك (روح) وقلت لنفسي (ما الفارق؟! الروح فجر وفجر هي الروح).. والآن رجعت.. رجعت ورجعت روحي معها.
صهيل (روح) الخفيض يبدو له أشبه بمؤازرة صديق..
فيبتسم وهو يمسد ظهرها..
أنامله تمتد لشعرها الأسود الذي يناقض بياض جسمها..
يجدله لها بصبر وعيناه في سكرة حد الثمالة تريان خصلات شعر أخرى:
_كم يشبه شعرها شعرك.. أسود.. لامع.. قوي.. تعرفين ما ذبحني حقاَ يوم اقتربت منها.. أني ميزت شعرة بيضاء! شعرة واحدة في مقدمة رأسها بدت لي غريبة عن ليله الأسود! شعرة بيضاء بدت لي كنصل سكين انغرس في قلبي.. كيف شاب شعرها دوني؟! كيف؟! كيف وأنا الذي عاهدت نفسي.. كما عاصرتُ جديلتها طفلة أن أبقى معها حتى نشيب معاَ؟!
تهز (روح) رأسها بعيداَ كأنها تشيح بوجهها عن وجعه..
فيتنهد وهو يتحسس سلسلة عنقها النحاسية وقد نُقش عليها :
(ودّعته عند الغروب ملوحاَ.. من يومها كل الزمان غروب ُ)
_أنا صنعت لكِ هذه.. منذ قرأت هذا الشعر وأنا شعرت به يمثلني.. وقتها كنت أقول هكذا (كل الزمان غروب).. والآن رجع فجري.. رجع فجري ورجعت روحي.
يهتف بها بملء صدره وهو يعاود ضم رأس الفرس إليه بابتسامة أمل..
عيناه تعانقان رمال الوادي مع سطح البحيرة المتلألئ مع جدائل (روح) فترسم له صورة للغد الذي يرجوه قلبه.. صورة لا ينقصها إياها.. بل لا يكملها إياها..
هي.. فجر!
يرنو للكوخ البعيد بنظرة متأملة ويهمس عبر ابتسامته :
_يوماَ ما ستكتمل الصورة.. بابتسامتها.. وصوتها.. وعزف عودها.. يوماَ ما لا يهمني أن يكون قريباَ أو بعيداَ.. ما يعنيني أنه سيأتي.. حتماَ سيأتي..
لكن الغيمة الوردية التي تظلل نظراته تضحي داكنة فجأة وهو يتذكر ما قاله له حسام..
لتقسو نظراته وهو يخبط بقبضته على صدره هامساَ :
_والله لا يمس أحد قلامة ظفرها إلا وعنقي فداء لها قبلها.
=====
ترتبك حسناء وهي تشعر برهبة القرار..
ألف زغرودة داخلها تريد أن تنطلق..
أن تطفئ كل نيران خيبتها وانتظارها ولهفتها لفرحة كهذه تتمناها كأي فتاة منذ سنوات..
لكن صوتاً وحيداً خائفاً يناشدها التمهل..
صوتاً تتجاهله الآن وهي تشير لأمها بالإيجاب..
قبل أن تقول ببعض الخجل:
_نفتح له الباب ونرى هل يوافق على شروطنا أولاَ.
_هو يقول أنه راض بكل شروطك.. نكلمه ليأتي ونقرأ الفاتحة؟!
تهز حسناء رأسها بأمل شع في وجهها..
فتنطلق زغرودة عالية في البيت تنفتح لها أبواب البيوت المجاورة..
وينتشر معها الخبر الذي طالما انتظرته
(حسناء بنت حسنِي وحسنَى ستتزوج).
======
مصر.. الصعيد
_حسام باشا!
يهتف بها فيصل بصدمة غشيت ملامحه وهو يفتح باب استراحته في مقر عمله بالصعيد ليجد حسام القاضي أمامه!
رجفة قوية تجتاح قلبه لا يبدو اثرها على جسده الذي بقي مشدوداَ مكانه وهو يحاول قراءة ملامح وجه حسام الذي بدا محمراَ في غضب..
_تفضل!
يفسح له الطريق للدخول وعقله يضرب عشرات الاحتمالات لسبب قدوم حسام إلى عنده هنا!
هل عرف بأنه تقريباَ اقتحم بيته وتكلم مع فجر؟!
لا يخاف أن يعرف أحد.. أي أحد.. بمشاعره نحوها..
لكنه يرتعب أن يحرموه منها من جديد..
هذه المرة لن يسمح بفعلها.. فلتزهق روحه قبلها!
_كيف حالك؟! أعتذر لقدومي المفاجئ.
يقولها حسام بنبرة متشحة بالهمّ وهو يتخذ مجلسه، فيختلس فيصل نظرة وجلة للغرفة الجانبية المغلقة ثم يجلس قبالته قائلاً بهدوء لا يعكس حالته :
_لا أظن أن هناك بيننا تلك الشكليات.. تعرف مكانتك عندي منذ زمن بعيد.
يبتسم له حسام بامتنان يجهض الكثير من مخاوفه وهو يربت على ركبته قائلاَ :
_معك حق! لا أنسى ابداَ صنيعك معي ومع ديمة أيام قضية الكوبرا.
ينعقد حاجبا فيصل بشدة وعيناه تحيدان من جديد للغرفة القريبة المغلقة بنظرة مختلسة..
_ولهذا السبب أنا هنا اليوم..أخبرني أولاَ.. هل معك أحد؟! أنا عرفت أنك تسكن هنا وحدك.
فيزدرد فيصل ريقه وهو يرد :
_وحدي.. اطمئن.. ما الأمر؟!
يرمقه حسام بنظرة متشككة وهو يشعر بالارتباك في حركة جسده، فيتنحنح قائلاَ :
_تسمح لي بكوب من الماء أولاَ؟!
_بالطبع.
ولم يكد فيصل يختفي عن ناظريه بالداخل حتى نهض حسام بخفة نحو الغرفة المغلقة فلم تخف عليه نظرة فيصل المرتبكة نحوها..
يفتحها فجأة لتدور عيناه فيها بسرعة ثم يتنهد بارتياح وهو يجدها خالية..
_اعذرني! كان يجب أن اتأكد أنه لا أحد معنا.. الأمر يتعلق بأمن فجر.
يقولها بنبرة معتذرة وهو يلتفت نحو فيصل الذي جاء لتوه حاملاً كوب الماء..
والذي رمق الغرفة الخالية بنظرة مرتاحة هو الآخر.. قبل أن يغلقها حسام من جديد ويعود لمقعده..
_أمن فجر؟!
يكررها فيصل بنبرة جاهد الا تخونه ليومئ حسام برأسه وهو يشبك أصابعه سامحاَ لغضبه ببعض التحرر :
_هي ابنة عمي وأختي في الرضاعة
.. تقيم معي حالياَ في بيتي.. كانت معك في المدرسة الابتدائية هنا في المدينة كما أذكر قبل ان تنتقل انت وعائلتك للفيوم.. سألتك عنها من قبل فقلت أنك لا تذكرها.
يشعر فيصل بقلبه يهوي بين ضلوعه لكنه يحافظ على جموده بثبات يحسد عليه وهو يهز رأسه فيما يبدو كموافقة..
ليردف حسام بغضب تتعالى وتيرته :
_لها قصة مؤسفة.. منذ سنوات طويلة تزوجت أحدهم دون رغبة العائلة.. هربت معه ثم تعرضت لحادث ما..
يرتجف صوت حسام رغماَ عنه في عبارته الأخيرة ولم يكن قلب فيصل أقل ارتجافاَ وهو يجبر نفسه على ادعاء البرود بينما يستعيد ما عرفه عن حقيقة (ذاك الحادث)..
_لست غريباَ.. والأمر ذاع صيته هنا وقتها لكنك لم تكن قد استلمت عملك هنا بعد.. لهذا سأخبرك بصراحة.. كان.. حادث اغتصاب.. بعضهم اقتحم شقة ذاك الوغد الذي هربت معه لمكان منعزل.. ضربوه ونالوا منها هي.
تدمع عينا فيصل بعجز صامت وهو يطرق برأسه..
كعادته كلما يتذكر هذا الأمر بالذات يتصاعد داخله غضب يكفي ليحرق الدنيا كلها..
عجز يكفي ليحرق الدنيا كلها. .
وذنب يكفي ليحترق هو ما بقي له من عمر..
هو كان يمكنه منع كل هذا..
فقط لو..!
يقطع على نفسه الخاطر الأخير وهو يسمع حسام يردف بنفس الغضب المكبوت :
_كانت الحادثة سبباَ ان يعرف مكانهما.. تدخلت العائلة وأجبرته على تطليقها.. وتمادت فتسببوا في سجنه لبضع سنوات.. اختفى بعدها من حياتنا وبعدها بعدة سنوات أخرى تعرضت عائلة فجر لحادث مات فيه الجميع.. أو هكذا كنا نظن حتى تفجرت قضية الكوبرا لندرك أنه هو.. هو ذاك الوغد.. هو من دبر الحادث كي يختطفها.. هو من أوهمنا بأنها ماتت.. هو احتجزها رهينة عنده طوال هذه السنوات.. المجرم استغل فقدانها للبصر بعد الحادث بل وكان يتعمد أن يعطيها الأدوية التي تشوش على ذاكرتها كي لا تتذكر كل ما حدث..
تتشنج قبضتا فيصل وهو يضمهما بقوة جواره ولا يزال مطرقاَ برأسه..
بينما يردف حسام :
_انتهت قضية الكوبرا كما تعرف..الحقير ارغمها قسراً ان تطلق الرصاص عليه كأنه لآخر لحظة يريد تلويثها به.. المهم أننا تخلصنا منه واستعدتها من بين يديه.. لكن..
يرفع فيصل بصره إليه بأنفاس تلاحقت رغماَ عنه، لكن حسام كان أكثر غضباَ من ان يلاحظ تطرف ردة فعله وهو يردف :
_حادثان غريبان يؤرقانني.. الأول كان حادث تصادم بدا عفويا مع السيارة التي كانت تحمل جثة ذاك الوغد عقب وفاته.. فقد الجميع وعيهم بعدها لكن أحداَ لم يعر الحادث اهتماماَ لأنهم عندما أفاقوا وجدوا الجثة كما هي..
تتسع عينا فيصل بارتياع وهو يخشى تصديق ما سيؤول إليه هذا الحوار..
فيساله بصوت مبحوح :
_مضى على هذا الحادث الكثير لماذا تذكرته الآن؟!
فيزفر حسام وهو يحل زراَ من ازرار قميصه ليرد بعصبية :
_بالأمس عرفت مصادفة أن قبر ذاك المجرم قد نبش بعد أيام قليلة من وفاته.. واختفت الجثة تماماَ.
_تشك أنه لازال.. ؟!!
لم يستطع فيصل إكمالها مع هذا المزيج الهائج من الغضب والخوف داخله..
الخوف على فجر!
ماذا لو كان ذاك المجرم لايزال حياَ؟!
ماذا لو عاد يطاردها بكل هوسه وشيطنته؟!
_مستحيل!
يهتف بها حسام بحدة وهو يخبط بقبضته على صدره مردفاَ :
_أنا تأكدت من موته ساعتها بنفسي.. لكن.. لكن..
يزفر من جديد وهو ينهض من مقعده.. يدور في المكان بحركات مضطربة :
_الرجل كان عضواَ في تنظيم دولي خطير.. هؤلاء لهم ألاعيبهم التي نعرفها.. والتي لا نعرفها.. أقول لنفسي هل كان الحادثان مصادفة حقاَ؟!.. لهذا أتيتك اليوم.
يكظم فيصل انفعالاته بمشقة كادت تجعله يترنح مكانه ولايزال يدعي الجمود.. يسأله :
_ما الذي تريده مني؟!
_لو جرت الأمور بطبيعتها كنت سأتصل بضابط من جهة عليا كان هو المسئول عن هذه القضية.. لكنه مختفٍ الآن.. حاولت الوصول إليه ولم أستطع.. ولا أستطيع مع خطورة الأمر الثقة في أي أحد ليتحرى بسلطته عن الأمر.. يكفي ان تعلم أن ذاك الوغد كان لديه قائمة كاملة تعمل لحسابه من جهاز الشرطة نفسه.. لهذا وجدتني مدفوعاَ إليك أنت.. ربما لم تكن علاقتنا قوية بما يكفي لكن المواقف تظهر الرجال.. وأنا أثق بك.
يضم فيصل قبضته وهو يختلس نظرة حذرة نحو الغرفة المقابلة..
ثم يتنحنح ليقول باقتضاب:
_اطمئن.. سأبداً فورا بالتحري عن الأمر وبأقصى قدر من السرية يكفل سلامة فجر.
يكتم شهقة غادرة كادت تغادر فمه واسمها يجري بسلاسة على لسانه كما هو حاله في قلبه..
يطبق شفتيه بقوة كأنه خاف أن ينفضح المزيد فيرمقه حسام بنظرة متفحصة وهو يشعر أنه يخفي شيئاَ.. فيسأله فجأة :
_ألا زلت لا تذكر فجر؟! أم.. تذكرتها ؟!
لكن فيصل يهرب من السؤال وقد عز عليه أن ينكر من جديد.. فيبادره بقوله:
_قل لي الآن كل معلوماتك عن الأمر بدقة.. وأنا سأخبرك بما سأصل إليه في أقرب وقت.
لم يبتلع حسام (الأريب) طُعم هروبه لكنه آثر التظاهر بهذا وهو يهز رأسه ليخبره بما يريد معرفته..
قبل أن يمد له يداَ مصافحاَ بقوله :
_سأنتظر منك خبراَ قريباَ.
_لا تقلق.. سأبذل كل ما في وسعي.
يصافحه بها فيصل بدوره فيرمقه حسام بنظرة أخيرة سبقت هزة رأسه قبل أن يغادر المكان..
ولم يكد يفعل حتى توجه فيصل نحو الغرفة المقابلة، يفتحها ثم ينظر عبر نافذتها المفتوحة بعينين متربصتين قبل أن يأخذ نفساَ عميقاَ وهو ينظر للقمر الذي افترش مقعده وسط السماء هامساَ لنفسه :
_آه يا فجر.. آه.. ماذا فعلتِ بنفسك وبي؟! بل ماذا فعلته بنا الأيام؟!
==
مصر.. الفيوم
_فيصل باشا! متى عدت؟! هلت الأنوار!
يهتف بها الحارس الكهل ببشاشة وهو يستقبله أمام مربط فرسه في تلك البقعة النائية من الوادي..
فيبتسم فيصل وهو يقترب من الفرس الأبيض التي علا صهيلها وهي تميل عنقها نحوه فيربت على شعرها الأسود برقة، يسأل حارسه:
_كيف هي (روح)؟!
_تفتقد صاحبها.
يقولها الرجل بمزيج من توقير وحنان وهو يفك رباطها دون أن يحتاج لسؤاله عن رغبته في الأمر..
هي عادته منذ سنوات.. منذ اشترى هذه البقعة الصغيرة من الأرض في الوادي جوار البحيرة..
كلما عاد
عقلها لا يدرك من الدنيا إلا قشورها التي تبقيها واولادها على قيد الحياة.. امرأة حملت الهم باكراَ عندما مات زوجها ولم يكن في وسعها إلا أن تشارك به أقربهم إليها.. وأنا كنت الأقرب.. لكنني لم ارضَ الشراكة.. حملته كله عنها.. ومن يومها وقد صار هذا هو الوضع.. يعني يمكنك القول أن رأي أمي هو رأيي..
ورغم أن قلب طيف الرقيق كان يختلج متأثراَ بمشاعر صاحبتها لكن طبيعتها البربرية جعلتها تطلق ضحكة ساخرة ناسبت قولها الفظ :
_يعني ان أمك رمت الكرة في ملعبك.. هذا بالضبط المعنى الحرفي ل (تسليم أهالي)!
تضحك حسناء ضحكة طيبة تليق بقلبها، فتعاود طيف سؤالها :
_وأنتِ طبعاَ موافقة! قلبك الأحمق ترك توقيعه في دفتر العشاق من أيام (شطيرة المربى)!!
تكتم حسناء ضحكتها وهي تعود بذاكرتها لذاك اليوم..
في حديقة قصر الرفاعي..
عندما خدعها ضياء الصغير ليقنعها بتناول شطيرته رغماَ عنه..
يومها تعرض لها نزار.. تناول الشطيرة متلمساَ موضع شفتيها قبل أن يقول بنبرة رجل يجيد المغازلة :
(من اليوم لن أتناول مربى الفراولة إلا وأذكر معها مذاق شفتيك).
لن تعترف أن غزله الصريح أثر فيها ساعتها..
واحدة مثلها عاشت سنين غربتها وحيدة لم تكن لتنزلق قدمها في فخ كهذا..
لكنها لا تنكر أن بقعة باهتة.. باهتة جداَ.. داخل أصغر تجويف بجدار أنوثتها.. تمنت لو كان غزله حقيقياَ..
لو كان حقاَ يريدها.. يريدها في الحلال!
_أووووه.. أين ذهبتِ يا بنت؟! هل ذكرتكِ بالذي مضى؟!
تنتزعها بها طيف من شرودها فتضحك هاتفة بخجل :
_بعض الشيء!
_ثانية واحدة! هل هذه رنة خجل في صوتك أم أنني اتخيل! أرجوكِ قولي أنني مخطئة.. بصراحة الخجل لا يليق بكِ ولا ب(فرقع لوز) ذاك!
_طيف!
تهتف بها حسناء مستنكرة.. لترد طيف بضحكتها المكتومة :
_ماذا ؟! هل أبالغ؟! هل أذكركِ ماذا كانت هديته لكِ يوم زفافي؟!
ومن جديد تطلق حسناء ضحكتها وهي تتذكر يوم زفاف طيف في (الأهوار)..
وقتها قفز نزار المجنون لزورقها هي بعدما سمع صرختها إثر خوفها من كائن زاحف وجدته على ساقها. .
ساعتها كادت تضربه بمجداف الزورق على رأسه لكنه منحها هديته يسترضيها.. يعتذر لها عن سابق تحرشه اللفظي بها ويخبرها أنه حقاَ لا يراها كغيرها من النساء اللائي عرفهن قبلها..
لكن هديته لم تكن أقل فجاجة من صاحبها..
زجاجة عطر غطاؤها بشكل ساقيين متلاعبين عاريين لامرأة!
_معك حق! كلانا لا يليق به الخجل! (حلّة والتقت غطاها) كما يقولون! لكن الفارق انني أدخر ميوعتي لزوجي في الحلال..
تقولها حسناء بمرح ليعلو صوتها فجاة :
_قرّب البعيد يارب!
_واقعة.. واقعة..
تهتف بها طيف بأسف مصطنع لتتعالى ضحكاتهما معاَ للحظات ،قبل أن تسألها حسناء بنبرة جادة :
_انتِ ما رأيك؟! لن أتطرق لموضوع أخيه (إياد) المسجون ولن أعتبر هذا نقيصة في حقه فكلنا صرنا نعلم تقريباَ ملابسات الأمر.. لكنني أتحدث عن شخصيته هو.. هو صديق زوجك.. ومقربٌ جداَ منكما ومن مجد.. تظنينه جاداَ ؟!
تطلق طيف زفرة قصيرة وهي تتحرك في غرفتها مفكرة..
تحك رأسها لتقول :
_الحقيقة هو مخلص و(صاحب صاحبه) كما يقولون.. طيب وحنون جداَ مع مجد.. لكن.. أمر الخطبة المفاجئ هذا لا يقنعني.. خاصة وهو لم يخبر يحيى به! لو كان قد عرف لأخبرني!
_ربما ليس مفاجئاَ.. هو معجب بي منذ رآني في المشفى معكِ أول مرة.. وبعدها حاول اجتذابي كما كان يفعل مع النساء العابثات ولما رأى أنني امرأة جادة وليس لي طريق إلا في الحلال شعر أن قلبه وجد ضالته.. وأنه يريد ان يكمل بي نصف دينه!
_وكأنه يمتلك النصف الأول أصلاً؟!
تهتف بها طيف ساخرة فتطلق حسناء زمجرة معترضة بينما تهتف طيف بنفس النبرة المتهكمة :
_أكملي.. اكملي يا (عين أمك) الفيلم العربي الذي هرسوه في السينيمات.. او قوليها كبنات هذه الأيام (I can fix him).
تقولها متوقعة اعتراضاً آخر من حسناء لكن الأخيرة تصمت قليلاً وتتنهد أخيراَ قائلة:
_أريد تصديق هذا.. أريد تصديقه حقاَ. . ربما لو صدقته يتحقق.. قولي لي أنتِ.. هل تعرفين سبباَ منطقياَ واحداَ يجعله يتقدم لخطبتي لو كان في نيته العبث!
تفكر طيف قليلاً لتهتف بعدها ناصحة :
_لا.. لا أعرف..لكن ما اعرفه وأثق به أن قلب المرأة رادار صادق.. فقط لا تتجاهلي إشاراته سعياَ خلف ضلالات أملك.. تمهلي.. تمهلي قدر استطاعتك.. في طريق الحب يركض القلب لكن دورك أن تتحكمي في مكابحه.. هذا طريق لا يفوز فيه راكض.
صمت قصير يسودهما.. فتسألها طيف بتشكك :
_فهمتِني؟!
_بالطبع! تظنينني حمقاء؟!
تتنهد طيف بارتياح لكنها ما كادت تفعل حتى هتفت حسناء بسرعة في كلمات متلاحقة :
_طبقاَ لنصيحتك..نطيل فترة الخطوبة.. نجعلها شهراَ.. انا ايضاَ لم استسغ فكرة عقد القران السريع! اليوم اخبره بموافقتي.. وغداَ نشتري الدبل والشبكة.. لا.. نتمهل قليلاً.. نتركها لبعد غد.. قولي لي بالمناسبة.. ما الأكثر أناقة؟! خاتم ماسي أم مشغولات ذهبية متنوعة؟! تعرفين كم أحب الأساور الذهبية.. أعشق صوت خشخشتها..
على رأي المثل (الذهب زينة وخزينة ويغطي رأس الحزينة)
_اخرسي يا حزينة!
تهتف بها طيف وهي تغلق الاتصال فجأة بعنف.. تدور في صالة قصر الأمين كأسد هائج..
تتأفف بصوت عالٍ ثم تهتف ملوحة بكفيها في غيظ:
_رفعت لي الضغط أقسم بالله! فلتتزوج نزار.. فلتتزوجه فعلاً كي يكفّر كل منهما سيئات الآخر! مثال آخر ل(إهلاك الظالمين بالظالمين ولنخرج نحن سالمين!)
ضحكة يحيى العالية تفاجئها فتلتفت نحوه هاتفة بتحفز :
_متى جئت؟!
_حالاً..
يقولها وهو يقترب منها ليطوقها بذراعيه.. قبلاته الرقيقة تغازل وجنتيها مع رقة همسه:
_دعيني اولاَ أهدئ حبيبتي! يبدو ان أحدهم قد أغاظها!
ابتسامتها تمتزج بزفرتها في مزيج مدهش يجبره ان يدلل ثغرها بما يليق..فتتنهد وهي تنظر لعينيه ليمنحها المزيد من غزله :
_صاحبة السديم الذي طالما أذهلتني فوضاه حتى وُلد في سمائه نجمي.. في كل مرة أنظر فيها لعينيك أدرك كيف يمكن أن تكون عينا امرأة مهداَ ولحداَ.. شهقة وتنهيدة.. ربيعاَ ورعداَ.. فأعشقهما في اي حال وكل حال.
_صاحبك!
تهتف بها فجأة مقاطعة سيل غزله فيرتد للخلف مندهشاَ للحظة قبل أن يهز رأسه بياس وهو يدفعها عنه ببعض العنف:
_كل مرة أقول لن أندهش من أفعال (ملكة الفصلان الكبرى) لكنك تصدمينني دوماَ بردود فعلك! راحت (أمك) وصارت (صاحبك)! اوف!
تضحك رغماَ عنها وهي تسترضيه بقبلة لجبينه فيزفر متسائلاً :
_من تقصدين ب(صاحبي)؟! نزار ؟!
تهز رأسها لتهتف بغيظ عاد يكسو نبرتها :
_(فرقع لوز) من غيره؟! ألم يكن غاضباَ منك لأنك نقضت اتفاقكما ورضيت بالاستقرار في بغداد هنا؟! ألا يزال رافضاَ - رغم عمله معك - ان يبقى هنا بل يسافر متنقلاً من بلد لآخر دون داعٍ كأن الإقامة هنا تقرصه مثلاَ!! ألا يزال على طبيعته العابثة يتقافز هنا وهناك ويبتسم كالأبله لأي (تاء مربوطة) تتهادى بتنورتها أمامه؟! ماذا خبطه في رأسه إذن وجعله يقرر فجأة أن يتزوج ويستقر هنا؟!
_من؟! نزار؟! يتزوج؟! وهنا؟! في بغداد؟! مستحيل!
يهتف بها بدهشة فتكزه في كتفه هاتفة:
_انت نائم في العسل إذن! صح النوم يا (بابا)! صاحبك خطب حسناء وينتظر موافقتها.
_حسناء صديقتك ؟!
تهز رأسها بالإيجاب ،فينعقد حاجباه وهو يفكر بصوتٍ عال:
_أنا شعرت منذ فترة أنه معجب بها لكنني ظننت الأمر مجرد عبث كطبيعته.. آه.. الآن تذكرت.. سألني عنها من عدة أيام لكنه لم يصرح لي برغبته في الزواج منها ولا الاستقرار هنا! غريب حقاَ!
ينهي عبارته ليتناول هاتفه ويتصل بنزار الذي أجاب الاتصال بسرعة :
_مساء الأنوار.. لا تقل إنك افتقدتني بهذه السرعة!
_(زعطوط)! دعك من حركاتك هذه وأخبرني.. كيف تتقدم لخطبة حسناء دون أن تخبرني؟!
_اوف! تلك الفتاة مدفع سريع الطلقات! هل أخبرتكما بهذه السرعة؟! هل يعني هذا أنها وافقت؟!
النبرة المرحة لنزار لا تخدعه هذه المرة..
يبتعد عن طيف قليلاً ليعاود سؤاله بصوت منخفض:
_ما الأمر؟! أنت جاد حقاَ؟!
_هل هذه أمور تناقش عبر الهاتف يا صاحبي؟! اصبر قليلاً حتى آتيك!
كانت طيف قد ركضت لتلصق أذنها بهاتف يحيى الذي يحاول جاهداَ الابتعاد عنها زاجراَ إياها بنظرة من عينيه وهو يخاطب صاحبه:
_أهوَنُ عليّ أن تكون قد أخفيت عني أمراَ جللاً كهذا من أن تكون مجرد عابث مع الفتاة.. هذه الأمور ليست لعبة!
_منذ متى كان فتح البيوت لعبة؟!
مرح نزار المعتاد تخالطه مرارة لا يعيها إلا قلب خبير بقلبه كيحيى، بينما يردف الأول :
_وعندي أنا بالذات! تعرف معنى (البيت) عندي؟!
_ولأني أعرف أسألك.. لماذا هي بالذات؟! لماذا الآن بالذات؟! هل أحببتها ؟!
_أوه يا صاحبي! تستكثر عليّ أن أكون عاشقاً مثلك؟! هل يخطئني سهم الهوى الذي أصابك مثلاً؟! أم أنني لست قدر المقام؟!
لا تزال نبرته المرحة تخز قلب يحيى وهو يشعر بثمة شيء ما خطأ!
_نزار!
يهدر بها ببعض العنف الذي فجّره قلقه على صاحبه أولاً وعلى تلك الفتاة البائسة ثانياَ..
لكن نزار يرد بحزم نادر على طبيعته المرحة :
_فيما بعد يا يحيى.. فيما بعد.. عندما أعود لبغداد.
يقولها ثم يغلق الاتصال فلا تحتاج طيف مع ملامح يحيى المتجهمة أن تسأله عما دار بينهما.. تقف قبالته لتقول بتحفز :
_ليس جاداَ.. صحيح؟!
لكنه يهز رأسه ليقول بشرود :
_بل جاد جداَ.. جاد أكثر مما ينبغي.. وهذا ما يقلقني في الواقع.
_البنت تعلقت به.. لا أظنها سترفض عرضه.. تظنه هو قد يؤذيها؟!.. والله لو فعلها لا أصنع اعتباراً لأي مخلوق و..
تغمغم بها طيف بمزيج من غيظ وقلق لكن يحيى يقاطعها بقوله :
_صبرا.. صبراً.. لننتظر حتى يعود وأنا سأفهم منه ما يحدث.
_وهل أنتظر حتى يعود؟! البنت ليس لها أحد وصاحبك ليس له أمان.
تهتف بها بحمية فيضمها لكتفه ،يقبل رأسها قائلاً :
_نزار ليس كما تظنين.. أشد الناس بؤساً من يكتمون جرحهم خلف ابتسامة خادعة.. أنا أدرى الناس بماضيه الموجع.. أنا الشاهد على آهاته وتنهداته.. من يدري؟! لعل صاحبتك تكون له دواء كما كنتِ أنتِ دوائي.. لعله مثلي يكسر سفينته ويجد شاطئاً يأمنه فلا يشتهي الرحيل أبداَ.
======
تغلق حسناء الاتصال مع طيف بابتسامة حالمة ثم تتقدم نحو مرآة غرفتها.. تمسحها بأناملها وهي تتفحص ملامحها كأنها ترى نفسها لأول مرة..
ملامح عادية لا تحمل شيئاَ مميزاَ لكن بعضهم وصفها بالجاذبية.. عينين ضيقتين بلون بني داكن.. لا هو الأسود الذي يتغزلون به.. ولا العسلي الذي يخطف الأبصار..
رموش قصيرة غير كثيفة.. حاجبان متوسطان.. أنف طويل نوعاَ ما مع جدع خفيف يعظمه شعورها بالنقص أحياناَ لكنها لا تكاد تراه عندما تكون راضية عن نفسها كما الآن..
شفتان ممتلئتان كبيرتان كانت تكرههما في صغرها وقد كانت ترى الجمال في الفم المنمنم لكنها كبرت وأدركت كم صاروا
ينفقون المال في تكبير الشفاه فاعتبرت هذا هدفاَ في مرماها.. صارت شفتاها بعينيها جميلتين فجأة!
وجنتاها مرتفعتان مع شعر شبه مجعد يغطيه حجابها فلا تهتم بنعومته لكنها تنتوي متى جاء (النصيب) أن تعالجه كيميائياَ فتفرده..
_جاء النصيب.
تضحك وهي تهمس بها لنفسها.. تتحسس شعرها المجعد وهي تحله من رباطه.. تتخيله مفروداَ بنعومة على كتفيها فتدمع عيناها بفرحة..
فرحة ظلت تنتظرها طوال العمر.
تنحني نحو خزانتها الصغيرة لتلتقط منها دفتراَ ورقيا بدا قديماَ نوعاَ ما..
(كشكول الخيبة) كما تدعوه!
لم تكن مجرد مذكرات تكتبها.. بل كانت تخصص فيه صفحة لكل رجل تلتقيه فيتمناه قلبها زوجاَ وتحول الظروف دون ذلك..
أغلبها كانت تجارب حب من طرف واحد.. وبعضها أفسدته الظروف..
لكن المحصلة كانت واحدة كل مرة.. (الخيبة)!
لهذا كانت كل صفحة منه تبدأ باسم الرجل ثم تنتهي بعلامة (x) تقطع على قلبها طريق الأمل الذي سار أول خطواته..
صفحة خلف صفحة..
حلم خلف حلم..
مشاعر لم تكتمل أجهضتها الظروف وتركت قلبها في منتصف الطريق.. دوماَ في منتصف الطريق..
فلا هو نال ما تمناه ولا هو زهد البحث عن الحب..
بقي يفتح كفه منتظراَ متأملاَ!
_هذه المرة لن أكتب اسمك.. لن تنتهي صفحتك بالعلامة المقيتة تلك أبداً.. ستكون آخر المطاف وحسن الختام.
تقولها وهي تستعيد ملامح نزار في مخيلتها..
قامته النحيلة التي لا تميل للطول كثيراَ.. يزيد عنها بضعة سنتيمترات فحسب..
ابتسامته التي تكاد تكون ملتصقة بشفتيه مع نبرة عابثة تشي ان صاحبها لا يحمل هماَ..
ملامحه الوسيمة بمعقولية مريحة.. لا هو الجذاب الآسر ولا القبيح المنفر.. مناسبة تماماَ لطموحها البسيط..
لكن ما يقلقها حقاَ هو تلك النظرة الداكنة في عينيه..
كأنه مثلها يملك (كشكول خيبة) لكنه استبدله بصفحة واحدة سوداء تغطي دوماَ على لمعة حدقتيه!
_أدخل؟!
صوت شقيقتها الصغرى يقاطع أفكارها فتلتفت نحوها وهي تراها تدفع باب الغرفة لتركض نحوها بملامح مشرقة، تدسها بين ذراعيها في عناق قوي بينما صوت الطفلة يكاد يتراقص فرحاَ :
_ستتزوجين حقاَ ذاك الرجل؟!
_لا أعرف بعد!
تهز بها كتفيها لتهتف الصغيرة بعفوية:
_تزوجيه.. بالله عليك تزوجيه.. تزوجيه كي لا نخاف عليكِ.
تتسع عيناها ببعض الدهشة فيما تردف الصغيرة ببراءة :
_أسمع أمي دوماَ تدعو لك في صلاتها.. تطلب من الله أن يحفظك لأنها تخاف عليك.. (محمود) يجتهد ليبحث عن وظيفة دون أن يخبر أمي كي يخفف الحمل عنكِ لأنه يريدك أن تعودي ويخاف عليكِ في غربتك.. و (أحمد) قد أسرّ لي أنه تعلم رياضة (البوكس) خصيصاَ كي يكون قادراَ على الدفاع عنك.. و(محمد) و(مصطفى) يسهران طوال الليل يذاكران بكل طاقتهما كي يوفرا ثمن الدروس الخصوصية حتى لا تحتاجي المال فتعودين بسرعة.. (مريم) تعطي المرأة على رأس الشارع صدقة كل يوم صباحاَ وتطلب منها أن تدعو لك.. وأنا..
تستخرج الطفلة حافظة صغيرة تبدو مكتظة بالأوراق المالية ترفعها أمام عيني حسناء الممتلئتين بدموعهما وهي تردف :
_أنا أدخر مصروفي ولا أنفقه.. حتى إذا احتجتِه يوماَ لتعودي فلا تتراجعي.. أخاف عليكِ أن تكوني راغبة يوماَ في العودة إلينا ولا تستطيعين.. كلنا نخاف عليكِ.. كلنا.
تجهش حسناء بالبكاء وهي تعتصر شقيقتها بين ذراعيها، تغرق شعرها ورأسها ووجهها بقبلاتها هاتفة :
_لا تخافوا.. لا تخافوا أبداً.. أبداَ.. من لديه إخوة مثلكم لا يخاف ولا يُخاف عليه.
_تزوجي العم نزار إذن.. يبدو لطيفاَ.. ضحكته حلوة.
تهتف بها الطفلة ببراءة فتجد حسناء نفسها تهز رأسها بما يشبه الوعد..
_أنتِ وافقتِ؟!
هذه المرة أمها!
تقف بملامحها كثيرة الطيبة قليلة الحيلة عند باب الغرفة وكأنها سمعت الحوار..
_ليتني عضضتها حقاَ! بالكاد منعت نفسي عنها! كيف يحتملها إلياس؟!
تهتف بها بشراستها المعهودة ليضحك من جديد وهو يستقر على الكرسي أمامها قائلاَ :
_بمنتهى الحيادية هي ماهرة جداَ في عملها.. أظنها تعمل معه منذ سنوات طويلة قبل حتى عودتي الأخيرة لبغداد.
يغص حلقه رغماَ عنه في عبارته الأخيرة وقد غامت عيناه بسحابة من جرح الماضي..
(السندباد) الذي أجبروه ان يشق البحر مغترباَ تاركاَ على الشاطئ كل تاريخه لكنه وجد الحب الذي جعله يكسر سفينته ليعود مقتحماَ معركته من جديد.. غازياَ ومنتصراَ.. قانعاَ بما كسبه وراضياَ عما خسره!
قلبها الخبير به يشعر بما سحبته إليه أفكاره، فتتشبث بالموضوع الأول :
_أظن الأمر يحمل ما يفوق العمل.. من ناحيتها على الأقل.
_لا تعنيني ناحيتها.. ما يهمني هو إلياس.. لا أظنه يراها أكثر من رفيقة عمل وصديقة ذكية.
_بثيابها تلك ؟!
تطلق صوتها الساخر المعهود مع هزة كتفيها فيبتسم وهو يرفع أحد حاجبيه هامساَ ببراءة مصطنعة:
_ما بالها ثيابها؟! لم أنتبه!
_يحيى!
تزمجر بها مع رفعة حاجب فيردف بمكر :
_هذا هو الاختبار الذي لن أرسب فيه أبداَ.. لا يوجد زوج عاقل يعترف أنه انتبه لثياب امرأة أخرى في حضرة زوجته!
تخبط أحد كفيها بالآخر لتهتف :
_قلت هكذا! والله قلت هكذا! لا يوجد رجل لا يطلق بصره نحو امرأة.. لكن هناك من يأخذ (فكرة) وهناك من يأخذ (المقاسات)!
يطلق ضحكته طويلة مغيظة هذه المرة وهو ينحني بجذعه ليقترب من وجهها قائلاَ :
_هاقد عادت (عدوة الرجل)! قلقت عليكِ الفترة السابقة والله! خشيت ان تكون رومنسية شهور الزواج الأولى قد أثرت عليكِ! لكن هأنتِ ذا ما شاء الله.. لا تزالين على العهد!
تلكزه في كتفه ب(شبه ابتسامتها) التي يعشقها ،فيضحك متأوهاَ ثم يتنهد ليقول بشرود :
_لا أظن إلياس ينظر لها أو لغيرها..هو مزاجه بالنساء قد تعطل منذ زمن.. قلبه ينتظر سراباَ هجره منذ سنوات طويلة لن يرى في سواها بديلاَ.
_تجربة وفاء رجولي جديرة بالتدوين في متحف الحفريات..
تقولها بسخريتها المعهودة فيهز رأسه مستنكراَ لتردف بضحكة مكتومة :
_لولا دخول ناي هذه في الخط.. لا أدري لماذا أشم رائحة شياط الحب المشتعل من مكاني هنا!
_ماذا؟! ناي؟!! لا لا.. مستحيل!
يهتف بها باستهجان وهو يقف مكانه مردفاَ :
_لا ناي ولا جوليا.. ولا غيرهما.. أنا أعرف قلب إلياس جيداَ.
فتقف بدورها رافعة حاجبها بتحدّ هاتفة:
_وأنا أعرف رائحة الحب جيداً.
_لماذا أشعر أنكِ تتحيزين نحو ناي هذه دوماً؟! منذ رأيتها أول مرة مع العم مؤيد؟!
_الفتاة من جمهور قارئاتي الوفيات وقد خصصت صورة حسابها على الفيسبوك لغلاف روايتي إياها.. تذكرها ؟!
تغمزه فيضحك وهو يتذكر كيف كان لقاؤه الأول مع روايتها تلك..
(فلامنجو بثلاثة أرجل)!
_اعذريني لو تجاهلت ذكرى تلك الرواية بالذات! تعرفين ماذا فعل بي رجال أخيكِ عاصي الرفاعي بعدما رأيتها أول مرة ببضع ساعات!
تضحك بدورها وهي تجذبه من ياقة قميصه هاتفة :
_ظننتني واحدة من اولئك الواهنات ستبكي قليلاً على أطلالك ثم تمضي لحالها؟؟!! .. لا.. لا.. أنا عرفت وأعرف وسأعرف دائماَ كيف آتي بك من أي مكان لأعتقلك في السجن الذي يليق بك..
ثم تقترب أكثر لتمتزج أنفاسهما شاهدة على صدقها بينما تردف :
_قلبي.
_وأنا جاهز للمؤبد!
يهمس بها بحرارة وهو يرفعها من خصرها نحوه لكنها تتملص منه بعنفوان يعشقه فيها..
فيرفع أحد حاجبيه قائلاً :
_نتراهن إذن ؟! من بنا سيصدق توقعه بشأن إلياس؟!
يقترب بها من وجهها فتشتعل انفاسهما معاَ لترد هي بثقة :
_نتراهن.
======
_ماذا ؟! (فرقع لوز) طلب يدك؟؟
تهتف بها طيف بذهول عبر الهاتف تخاطب حسناء التي لا تقل عنها ذهولاَ:
_أقسم لك أن هذا ما حدث.. خرجت في الصباح الباكر أشتري (فول) و (فلافل) وعدت ب(المحروس) يسبقني لبيت امي كي يطلب خطبتي منها.. هكذا دون مقدمات!
تعقد طيف حاجبيها بتفكير عميق وهي تحاول البحث عن تفسير.. لتسالها بتوجس:
_كان يبدو وكأنه تعاطى أي شيء؟! .. أعرف هذه (الاصطباحة)!
_كنت أظن هكذا مثلك! قلت لنفسي هذا أقرب تفسير لجنون مثل هذا! بل إنني كدت أقنع امي ان عرضه ليس جاداَ لكنه عاد يتصل بأمي في المساء كي يسال عن صحتها ويطلب منها موعداَ للرد.. (ابن اللذين!) لا اعرف من أين اتى بالرقم!
فتطلق طيف صوتها الساخر المعهود لترد :
_طبعاَ! خبرة نصاب قديم!
_ماذا؟!
تسألها حسناء بجهل عما تقصده، فتتمالك طيف نفسها وهي تحاول تجاهل هذا الماضي الأسود الذي يخص زوجها وصاحبه..
لهذا تبادر هي حسناء بسؤالها :
_وما رأي أمك؟!
تتنهد حسناء تنهيدة حارقة تلاها صمت قصير قبل أن ترد :
_تعرفين كم أجبرتنا الظروف من زمن بعيد أن نعكس الأدوار.. أنا التي صرت أماَ للجميع هنا.. أنا المسئولة عن المال.. أنا المسئولة عن القرارات.. أنا صاحبة الكلمة.. الهم كله همي أنا.. لا أريدك أن تأخذي فكرة خاطئة عن أمي فتظنينها لا مبالية أو متواكلة.. هي فقط امرأة بسيطة.. بسيطة جداَ..
فتأخذ نفساَ عميقاَ براحة حقيقية وهي ترفع عينيها إليه، ليقول لها بنبرة بين الأمر والرجاء :
_عديني.
_بماذا؟!
_ألا تندفعي في واحدة من حماقاتك.. أن تقطعي علاقتك بذاك الولد نهائياَ.
تكتم ابتسامة مريرة وهي تدفن جبهتها في كتفه..
مظفر ذو المائة وتسعين سنتيمتر وما يقارب المائة كيلوجرام بما يجعله أشبه بحائط متحرك.. ماذا سيفعل لو سمع ان جدها يدعوه ب(الولد)؟!
وكأنها تهرب بسخريتها من وعد لا تقوى على منحه!
لم تعد تستطيع الابتعاد عن مظفر..
هو طريقها الذي ينبغي أن تسيره لآخره!
تقطع خاطرتها مانعة قلبها من المزيد من جموحه!
ليس الآن..
ليس وهي بين ذراعي جدها يبثها حنانه بكل هذه الثقة!
_لن تمنحيني وعدك؟!
يسألها مؤيد بخيبة لترفع إليه عينين عاتبتين:
_هل ستصفعني هذه المرة أيضاَ؟!
دموع العجز تملأ عينيه..
أصابعه ترتفع.. ترتجف حول وجهها كأنه محتار أن يصفعها أو يربت عليها..
فيختلج قلبها بنفس الصراع من جديد..
تشعر بما يكابده من خوف عليها.. لكن..!
رنين هاتفه ينقذها مؤقتاَ فتزدرد ريقها وهي تراه يتحدث إلى جدتها.. ينهي الاتصال سريعاَ ليتنهد وهو يعيد هاتفه لجيبه:
_عودي أنتِ للبيت الآن.. جدتك قلقة وتريد الاطمئنان عليك.. أنا سأذهب لشراء شيء ما تحتاجه جدتك.. لم ينتهِ حديثنا بعد.
يقول عبارته الأخيرة بنبرة محذرة فتهز رأسها ليفترق طريقاهما..
تتحرك لموقف الحافلات العامة تقف تنتظر الأقرب لبيتها.. بينما يتحرك مؤيد في الاتجاه المعاكس نحو بغيته..
ولم تكد تطمئن لاختفائه من دائرتها حتى استخرجت هاتفها الذي يضج بأنينه..
_مظفر! ألا تعرف أنني كنت مع جدي؟! لماذا كل هذه الاتصالات؟! الهاتف في وضع الاهتزاز ومع كل هذه الاتصالات كدت أتحول لأرجوحة!!
ترسلها له مكتوبة فيرد :
_لم أطق صبراَ على انتظار نتيجة مقابلتك.. هل تسلمتِ الوظيفة؟!
_بالطبع! هل تستهين بقدراتي؟!
_من ذا يجرؤ؟! أفدي غرورك هذا!
تضحك وهي تكتب له :
_أين أنت؟!
_أمامك.
تشهق بدهشة وهي ترى سيارته الفارهة تتوقف أمامها بالضبط في صرير عالٍ..
_مجنون!
تتمتم بها بما ظاهره الاستنكار وباطنه الرضا وهي تتلفت حولها قبل أن تستقل السيارة جواره لتهتف باستنكار :
_لماذا جئت؟! ألم تخف ان يكون جدي لا يزال معي؟!
_بصراحة لم أستطع منع نفسي من الحضور.. راقبتكما حتى رأيته يتركك.. قلت لنفسي قلبي كان يشعر أنك ستكونين جواري آخر المطاف.
يقولها بعاطفته الملتهبة وعيناه تطوقان ملامحها..
أنامله تمتد ليمسك كفها لكنها تسحبه منه..
فيغمغم بضيق:
_ما الأمر؟! لا تبدين سعيدة بوجودي.
تتأوه بخفوت وهي تشيح بوجهها قائلة بحرارة :
_"سعيدة " كلمة أقل بكثير مما أشعر به.. تعرف كيف يرتاح قلبي عندما أراك.. لكن.. جدي.. أنت تعلم..!
نفسٌ حارق يغادر جوفها ويجد صداه في قلبه هو فيهتف بانفعال:
_لماذا يكرهنا جدك إلى هذا الحد؟!
_وهل يحبنا والدك مثلاً؟!
تهتف بها بتهكم فيزفر قائلاً :
_فقط لو اعرف سر هذه العداوة؟! كل ما أذكره عن طفولتنا أن عائلتينا لم تكونا تفترقان إلا لماماَ.. أبي وأبوكِ.. أمي وامك.. وأنا وانتِ! ماذا حدث لكل هذا؟!
تغيم عيناها بنظرة داكنة وأناملها تتحسس قلادتها بينما تهز كتفيها في إشارة للجهل..
لكنه يمسك كفها ليغرس نظراته في عينيها :
_ما كان كان.. وليكن ما يكون.. أنتِ لي رغماَ عن انف الجميع..
تبتسم وهي تسحب كفها منه من جديد.. فيردف بنفس الانفعال:
_أنا غيرت رأيي.. اليوم أكلم أبي وتعملين معي في شركتنا.
_وهل سيوافق؟!
ترقبّها يحمل طيفاَ من مرارة ساخرة فتكتسي ملامحه بالغم وهو يجيبها:
_فليمنحني سبباَ للرفض إذن.. لكل هذا التوتر الذي يشعر به كلما أتيت على سيرتك.. ألم يقل جدك شيئاً؟!
تهز رأسها نفياَ لترد :
_يتحدث عن عداوة لكنه لا يفصح عن تفاصيل.
صمتٌ قصير كئيب يلفهما بعباءته.. وتكون هي أول من يقطعه بابتسامتها تتصنع المرح :
_دعك من كل هذا! هل سنضيع الوقت القصير الذي نملكه في الحزن؟!
ابتسامة تنير وجهه تكبر رويداَ رويداَ وهو يناظرها.. ليقول فجأة :
_دقيقة.. دقيقة.. كيف لم أنتبه إلا الآن؟! انتِ يا بنت! كيف جرؤتِ؟!
_ماذا فعلت؟!
تسأله بتوجس ليصلها صوته المغتاظ:
_كيف تحضرين مقابلة عمل بهذه الفتنة؟!
ضحكتها الطويلة تغرد في أذنه بينما يقرص هو اذنها لتتأوه وهي تسمعه يردف :
_كيف تجرؤين ان تخطفي الأبصار بهذه الطريقة؟!
_مظفر!
تهمس بها بعتاب وهي تبتعد عن مرمى ذراعيه تكاد تلصق ظهرها بالباب خلفها فيتنهد بحرارة :
_يا لوعة مظفر.. يا حرقة مظفر.. يا نبض مظفر..
ثم تجف لهجته نوعاَ ما وهو يسألها :
_هل أجريتِ المقابلة مع إلياس الأمين نفسه؟!
_آها.
تهز بها رأسها ببعض الفخر فيعاود سؤالها :
_وما انطباعك عن إلياس هذا؟!
_للأبد.
تهمس بها بثقة فيميل رأسه بسؤاله :
_ماذا تقصدين؟!
تتسع ابتسامتها الواثقة وهي تمرر سبابتها على موضع خافقه مفسرة :
_سألتني إلى متى وأجبتك للأبد.. أنا امرأة لا يُفك أسر عاشقها! لا يُفك أسر عاشقها أبداَ!
ضحكته العالية تحلق بقلبها هي لأعلى سموات الحب فتشاركه إياها للحظات قبل أن تشعر به يقترب منها أكثر، يلصق جبينه بجبينها مكرراَ بوله :
_أبداَ! أبداَ! صدقتِ! تعرفين فيما أفكر الآن؟!
اشتعال جوارحه يفضحه فتمط شفتيها بدلال وهي تحاول الابتعاد هامسة:
_مسابقات قياسك التي لا تنتهي أبداَ!
لكنه يتشبث بها، يزيدها منه قرباَ ليهمس بجاذبية رجولية أخاذة :
_اعترفي أنني ماهر في اختراع وحدات القياس.. هذه المرة قد أبتكر واحدة جديدة!
تضحك وهي تنجح في الابتعاد عنه هذه المرة، تدور حوله لتكبل معصميه خلف ظهره بحركة مباغتة وسط تأوهات دهشته، تلصق صدرها بظهره لتهتف بنبرة قوية :
_هاهنا يمكنني نقل التفاوض لمرحلة متقدمة.
يضحك مستسلماَ وهو يدير وجهه كي ينظر إليها من فوق كتفيه هاتفاَ :
_أفدي طريقتك هذه! قولي.. ماذا تريدين!
تلتمع عيناها بتحفز كأنها على وشك الخوض في معركة، فيهتف باستدراك :
_آآه! الآن فهمت ما كانت تعنيه مجد بالحل البديل! جئتِ تقنعينني بالموافقة على سفرها وحدها!
تهز رأسها بالإيجاب والجذوة العنيدة في عينيها تشتعل أكثر، فيحرر معصميه بحركة مفاجئة، ليقبض على كتفيها بقبضتيه قائلاَ بجدية :
_لا تتصرفا وكأنني مجرد ديكتاتور يمنع عن ابنته ما تحبه! تعرفين لماذا أرفض! المكان الذي تريد السفر إليه وعر مليء بالمرتفعات.. كيف ستتحرك فيه على كرسيها؟!
_أنا تحريت عن الأمر ووجدت انهم مهدوا ممراَ خاصاَ لذوي الإعاقة.
_أها! رأيتِ ماذا قلتِ انتِ؟! (ذوي الإعاقة)!! أنتِ أمها وقلتها هكذا.. كيف بتنمر الآخرين من زملائها عليها خاصة وقد اشتكت هي نفسها من الأمر من قبل؟!
_هل تحاسبني على زلة لساني؟!
_بل أردت فقط ان انبهك لما قد تتعرض له!
_ابنتي ذات عقل كبير تتقبل قدرها وتعرف نقاط قوتها وضعفها.
_ولماذا نعرضها لتجربة كهذه من الأساس؟!
_لأنها ستكبر وتواجه عالماَ يذكرها كل يوم بنقائصها.. تواجهه اليوم ونحن معها نسند ظهرها.. خيراَ من أن تواجهه غداَ وحدها.. لن يمكننا ابداَ مهما أحببناها أن نحميها للأبد.. يجب أن تتعلم هي كيف تشق طريقها واحدة واحدة.. كيف تواجه مخاوفها.. أنت تريد وضع زهرتك داخل صوبة زجاجية محمية لكنني امرأة تعلمت بأقسى طريقة أن الزهور التي تشق طريقها بين الصخور هي الأقوى!
تتسارع أنفاسها مع كلماتها الأخيرة كأنما ماضيها كله يجري الآن أمام عينيها اللتين غشيهما ستار رقيق من دموع.. فيتنهد وهو يقترب، يقبّل عينيها هامساَ بعبارته المعهودة :
_إلا دموعك! إلا دموعك!
تهز رأسها كأنما تتمالك مشاعرها لتكمل هجومها :
_ولن تكون هي وحدها.. سيفردون لها مشرفة خاصة بها!
يتجدد الرفض في عينيه مع نظرة تحدٍ متبادلة للحظات..
نظرة تلين بعض الشيء مع الرجاء العزيز غير المنطوق في عينيها والذي يناقض حزم كلمتها :
_مجد ستسافر.
يبدو الرفض في نظراته قاطعاَ لكنه يتزعزع رويداً رويداَ مع مسكة أناملها لكفه..
تضغطه بقوة ناعمة تشبهها..
ثم ترفعه لصدرها تستقر به هناك كأنما تذكره بعهد قلبيهما..
قبل أن ترفعه لشفتيها في قبلة عميقة فيسبل جفنيه للحظات..
ثم تتحول نظرته لتنهيدة استسلام تنتهي ب:
_تدللي!
تبتسم رغماَ عنها وكلمته الوحيدة على بساطتها تحملها لأروع ذكرياتها معه..
تلقي نفسها بين ذراعيه فلا تدري أيهما يتشبث بالآخر أكثر..
ترسل شكرها في قبلة لجبينه ويبعث عشقه في قبلة لشفتيها.. عاصفة غرام توشك أن تزأر لولا طرقات سريعة على الباب تجعلها تبتعد لتجلس على كرسي قريب واضعة أحد ساقيها فوق الأخرى بينما يبدو ضيقه في صوته المرتفع وهو يسمح للطارق بالدخول :
_جوليا.. تفضلي!
تنشغل طيف للحظات ترسل فيها رسالة لمجد.. (وافق) مع (وجه يغمز) فترد مجد بأخرى (كنت واثقة فيك) مع (رسم لساعد مشدود)
تتقلص ابتسامتها وهي تميز أخيراَ وجه الوافدة.. ترتدي قميصاَ أحمر بلا أكمام تكاد ازراره تنفجر من فرط ضيقه على تنورة سوداء قصيرة بالكاد تغطي ركبتيها.. شديدة الجمال بقصة شعر مثالية تناسب استدارة وجهها.. وجه فاتن يليق بواحدة من بطلات رواياتها.. لو كانت ستكتب عن بطلة شديدة الميوعة كهذه!!
_مستر يحيى! لدي شكوى!
تتأهب حواسها وهي تختبر بحدسها الأنثوي اثر امرأة كهذه على يحيى الذي ارتدى ببراعة رداء غموضه الجذاب الذي فتنها أول مرة..
يستقر على كرسي مكتبه مشبكاَ كفيه تحت ذقنه ونظراته الثاقبة مسلطة على عيني جوليا كأفضل جهاز لكشف الكذب!
يمنحها فرصة الحديث كاملة لتهتف بانفعال ارتج معه جسدها كاملاَ :
_تلك الموظفة الجديدة (ناي)! ماذا تعرف عن الدعاية؟! حتى لو كان مجال دراستها كما تزعم! ما هي مؤهلاتها غير انها حفيدة العم مؤيد البستاني الخاص ب(إلياس)؟! اعذرني على صراحتي لكن هذه ليست مقاييس شركة محترفة يجب أن يدار فيها كل شيء بمنتهى الدقة و..
_عفواَ للمقاطعة! لكن متى صار (مستر الياس) الياس فقط هكذا؟! من منحك حق مناداة رئيسك المباشر باسمه مجرداَ؟!
تكتم طيف ابتسامة إعجابها بسياسة (قلب الطاولة) التي يجيدها زوجها، خاصة وهي ترى تلعثم جوليا وترنح ذراعيها حولها قبل أن تعقدهما أمام صدرها هاتفة بنبرة تحولت من الهجوم للدفاع :
_تعرف أن صداقة قوية تربطني بإلياس.. أقصد.. (مستر إلياس) بعيداَ عن العمل.. لهذا لا أتحفظ كثيراَ في استعمال الألقاب.
_مادمتِ تتحدثين عن القواعد في شركة محترفة فلا مجال للصداقة التي تزعمينها.. صحيح ؟!
هدوؤه الواثق يحشرها اكثر في الزاوية فتهتف بحدة :
_انت توافقه إذن على ما يفعله مع تلك الفتاة؟! بنت حديثة التخرج يجعلها مسئولة عن أكبر حملة دعاية لمشروع جديد نغامر بدخوله للسوق في خطتنا الجديدة!!
_ألم يكن من الأولى بحكم (صداقتكما) أن تكلميه هو أولاً وتسمعي مبرراته؟!
يضغط حروف (صداقتكما) عن عمد وهو يتراجع بظهره للخلف فيحمر وجهها أكثر بانفعاله وهي تفك ارتباط ساعديها هاتفة:
_مبرراته أن المشروع الجديد موجه بالأصل للمراهقين .. و(الشباب أدرى بالشباب) على حد قوله! وكأنني صرت عجوزاَ مثلاً!
يهز رأسه للحظات ثم يخبط على المكتب خبطة واحدة قوية فتتأهب طيف لرد فعله الذي أتى بمزيج متجانس بين الود والسيطرة :
_جوليا.. تعلمين كم أفتخر أنا شخصياَ بوجود كفاءة مثلك على رأس شركتنا.. لا أعتبرك مجرد موظفة بل شريكة نجاح..
ترتخي ملامح جوليا ببعض الفخر.. ليردف يحيى بحزم أكبر :
_لكنني أثق أكثر برأي إلياس.. مادام أوكل الأمر ل(ناي) فهو يعرف جيداَ ما يفعله بعيداَ عن أي اعتبارات شخصية.. والآن.. هل أعتبر ما تقولينه شكوى رسمية نناقشها في الاجتماع القادم؟! أم يبقى الأمر مجرد فضفضة ودية بيننا أنا وانتِ لن يعرف حتى إلياس عنها شيئاَ؟!
تطرق برأسها دون رد.. بينما يستمر هو في طرق الحديد الساخن :
_لو كنت أعرف إلياس جيداَ فظني أنه لن يرحب كثيراَ بالعمل معكِ لو عرف عما دار بيننا منذ قليل.. مهما ظننتِ أنتِ عن عمق (صداقتكما) التي أحترمها بلا شك!
عبارته تحمل أطيافاَ متداخلة من تهديد وتهكم ونصيحة حقيقية!
ربما لهذا لانت ملامح جوليا أكثر وهي تهم بقول ما لولا ان ارتفع رنين هاتف يحيى الذي تناوله ليعتذر منهما كي يغادر الغرفة وقد بدت مكالمة عمل مهمة..
تتابعه جوليا بنظراتها الزائغة وقد بدت غارقة تماماَ في انفعالاتها.. تحدث طيف دون أن تلتفت نحوها :
_كيف أوقعتِ رجلاَ كهذا في حبك؟!
(نعم يا أختي؟!)
تكاد طيف تهتف بها بشراسة لكنها تمنع نفسها بقوة، ليس من قولها فحسب بل من أن تمسك تلك المرأة من شعرها فتزعف به سقف الغرفة!
تخرج كلماتها على العكس هادئة تماماَ وهي ترسم ابتسامة سمجة على وجهها :
_هو وقع وحده! عندما أيقن أنني امرأة لا تمد عينيها لمن لم يمنحها قلبه!
تشحب ملامح جوليا وقد انتبهت لما قالته، تحاول الاعتذار لكن طيف كانت قد ازاحت غطاء البالوعة ولن يمكن لأحدهم الآن غلقه!
_امرأة لا تفسد غيرتها عقلها ولا تسكب حقدها على الأرصفة تزحلق به المارة..امرأة ممتلئة العين تعرف أين تودي به خطواتها مهما كان كعب حذائها رفيعاَ.. امرأة تثق في سعة أفقها أكثر مما تعول على ضيق تنورتها!
تزدرد جوليا ريقها وقد بدت وكأنما سقط دش بارد على رأسها.. بينما تبدو طيف هادئة تماماَ وهي تردف ببراءة مصطنعة :
_ها قد أجبتك.. أجيبيني أنتِ! هذه الثياب.. ؟!
تشير بعينيها لما ترتديه جوليا التي تبتسم بفخر وهي تفرد جسدها في وقفته لتهتف مستعرضة :
_أعجبتك ؟! هي أحدث صيحات ماركة(...)
_أعرف.. أعرف.. ليس هذا ما قصدته
تقاطعها بها طيف بغرور تستخدمه أحياناَ لتردف :
_كنت سأسألك كيف انحشرتِ أنتِ داخلها؟! عندما رأيتكِ من بعيد ظننتكِ قد طليتِ جسدكِ! هل ستتمكنين من خلعها؟!
يحمر وجه جوليا للإهانة لكنها تبتلعها وهي ترد بدبلوماسية :
_يليق بي هذا (الستايل).
_ربما!
تمط بها طيف شفتيها لتردف بنفس النبرة :
_يمكنك الآن الانصراف.. أظن يحيى قد أنهى كلامه معك.
ترمقها جوليا بنظرة متحدية قبل أن تدق الأرض بكعبيها لتغادر بخطوات متعجلة واشية بغيظها.. تكاد تصطدم بيحيى لدى عودته لكنها تكمل طريقها كعاصفة دون أي كلام..
_ما بال هذه؟!
يشير بها يحيى نحو الخارج بينما يدخل مكتبه من جديد لتهز طيف كتفيها بحركة ماكرة تجعله يضحك هاتفاَ :
_أصابتها عضة العنكبوتة السوداء!