
رثاء
أَسْقي الدّموعَ دَمًا لا أُوارِبُها
فَالصَّدرُ مَذْبَحَةٌ والقَلْبُ قَتّالُ
أَمْشي وخَلْفي صُراخُ المَوْتِ مُحْتَدِمٌ
كَأَنَّ خَطْويَ على الأَشْلاءِ أَثْقالُ
أَنا ابْنُ لَيْلٍ إِذا ما جاعَ أُطْعِمُهُ
لَحْمَ العِدى وكَأْسي فيهِ أَوْحالُ
ما لي سِوى السَّيْفِ إِنْ نادى الوَغى وَثَبَتْ
في كَفّيَ الجَمْرُ والأَجْسادُ أَنْوالُ
قَلْبي إِذا خَفَقَتْ ذِكْرى يُمَزِّقُني
كَأَنَّ في ضِلْعِهِ نارًا وأَنْصالُ
ألا يا ليلُ، هل فيكَ انقضاءُ
فصدري في دُجاكَ لهُ فِناءُ
أُطيلُ السيرَ في قفرٍ موحشٍ
كأنّي والهِمومُ لهُ رِداءُ
سقيتُ الأرضَ من دمي المُرِّ مرةً
فما نبتَ الربيعُ ولا الضياءُ
دمي أسودُ، إذا جرى توهّجت
بهِ نارُ الأسى… واشتدَّ البلاءُ
أنا الملعونُ في أرضي وسمائي
تُشيّعني الرياحُ بلا عزاءُ
إذا ضحكتُ، فخلفَ الضحكِ موتٌ
وإن صمتُّ، ففي صدري عواءُ
كُلشي بالدنيا عَگب عِينك غَريب.
شخصٌ إذا مسَّ شيئًا ذَبُلا
وإن تَنَفَّسَ ريحًا اشتعَلا.
وإن رَمَى بالنظرِ ارتاعَ الورى
كأنَّ في عَينَيهِ ليلًا مُقبِلا.
Channel photo removed
يا أمَّ عَون، يا مَلاذَ القلبِ إذا ضاق،
كيف أُخبِرُكِ أنّي أَتعبتني الحياةُ،
وأنّ الحُزنَ في صدري يَبيتُ ولا يَنام؟
أُمّي التي لم تَلِدني،
لكنّها حَمَلَتني بالدُّعاءِ،
وغَسَلت وجعي بصبرِها،
وسقَتني من نبعِ كربلاءَ عزاءً لا يَجفّ.
حين أذكُرُ صبرَكِ،
تَخجَلُ جِراحي من أنينِها،
ويَصغُرُ حُزني أمامَ قامتِكِ التي لم تَنحَنِ للرياح.
يا ابنةَ عليّ،
يا مَن علَّمتِنا أنَّ البكاءَ عبادة،
وأنَّ الصبرَ تاجُ الطاهرين،
إنّي أشتاقُ أن أقولَ لكِ:
أنا ما زلتُ صغيرًا في حُضنِ الحزن،
فكوني لي أُمًّا كما كنتِ لأوجاعِ الطفوف.
حُزني يجعلني أبكي يا أُمَّ عَون،
لكنَّ اسمَكِ يُسكِتُ بكائي،
كأنَّ في نُطقِه سُلوانَ السماء.
الحزن يلدغ.
ليلٌ غريبٌ يُقيّدُ الأرواحــا
يمتصُّ منّي بقايايَ أشباحــا
حزني يفتّتُ صدري بلا رحمةٍ
ويزرعُ النارَ في دمي أرماحــا
أبقى غريقًا بلا ضوءٍ ولا وطنٍ
أمشي وأحملُ في خطايَ جراحــا
حتى غدوتُ رمادًا لا يخصّني
ريحُ الخرابِ تذرّيهِ إذ راحــا.
قد أثقلَ الحُزنُ الثقيلُ ضلوعي
وتركْتُ في صمتي نزيفَ دموعي
يمضي الليالي في يديَّ كساهراً
ويشدُّني نحوَ الظلامِ سُجوعي
والشوقُ ينهشُ مهجتي بجراحِهِ
ويزيدُ ناري في الفؤادِ خُشوعي
حتى غدوتُ كأمنيةٍ مكسورةٍ
تلهو بها الأرواحُ دونَ رجوعي.
غريبٌ يمزّقُني الدربُ
ويسقي فؤاديَ ما يَصعُبُ
دموعي تفتّتُ أيّامي
وتسقي جروحي بما يُشعَبُ
أرى الليلَ يضحكُ من ألمي
وأمضي وحيدًا ولا يُصحَبُ
كأنّي صدىً ضُيّعَ الكونُ
وألقى فؤادي بما يَذهَبُ.