
قناة/ د. محمد السيد محمد
كل عام وأنتم بخير وصحة وعافية تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
توطئة في منهج طلب العلم: .... لطالما تتابع السُّؤالُ من طائفةٍ كبرى من طلبة العلم يلتمسون رَسْمَ منهجيةٍ علميةٍ منضبطةٍ في دراسة المسائل العقدية، وكنتُ شديد التريُّثِ والتوقف في الجواب عن هذا المطمع؛ نظراً لأنَّ الساحة العلمية -رغم غزارة شروحها ومصنفاتها…
توطئة في منهج طلب العلم:
....
لطالما تتابع السُّؤالُ من طائفةٍ كبرى من طلبة العلم يلتمسون رَسْمَ منهجيةٍ علميةٍ منضبطةٍ في دراسة المسائل العقدية، وكنتُ شديد التريُّثِ والتوقف في الجواب عن هذا المطمع؛ نظراً لأنَّ الساحة العلمية -رغم غزارة شروحها ومصنفاتها النافعة- تموج باختلافاتٍ بينيةٍ عميقةٍ في طرائق الترتيب، ومسالك التبويب، وتحرير المقالات والمسائل المعرفية.
تأسيساً على هذا، انقدح في الذهن عزمٌ على صياغة مشاريع وموسوعاتٍ علمية تقوم على هندسةٍ موضوعية وتأصيلٍ نسقيٍّ دقيق، تجمع شتات المباحث العقدية، وتستوعب القضايا الوجودية والمعرفية (العقلية، والفطرية، والنفسية، والخبرية)، وما يتصل بها من مسالك المحاكمة النظرية على منهج أهل السنة والجماعة بـبسطٍ واستقصاء، مع رصد سائر الاعتراضات الواردة حولها ونقضها.
وفي هذا المقام، أجدني على تباينٍ جذريٍّ ومباينةٍ تامة لبعض المناهج الدارجة التي صاغها بعضُ الأفاضل؛ إذ جعلوا التبحر في المتون الفلسفية والمصطلحات الكلامية الصرفة شرطاً لازماً وسُلَّماً قسريّاً لفهم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية. والواقع المعرفي يقطع بأنَّ مثل هذه المقاربات التعليمية لا تؤسس منهجا فطريّاً، ولا نظرًا عقليّاً، ولا دليلاً شرعيّاً مستقيماً، بل تَعدل بالطالب ابتداءً إلى دراسة الشبهات العويصة ومقالات النظار المحشوة بالتحريف، وهو مسلكٌ مآله إيقاع الخلل في التصور الفطري وإفساد الوعي العقدي لدى الناشئة بدلاً من تمكينهم وتسديدهم؛ ولذا لا ينبغي العجب ممن أفضى به سلوك هذا المنهج إلى التأثر بالمنزع الأشعري، أو قصور تقييمهم للمنجز المعرفي التيمي.
من أجل ذلك، تبلور كتابي (التأصيل العقدي) ليكون دراسةً موسوعيةً محررةً للمسائل العقدية الشرعية؛ حيث يستوعب بالبسط والاستقصاء أركانَ الإيمان الستة؛ بدءاً من (الإيمان بالله في ربوبيته، وأسمائه وصفاته، وألوهيته)، ومُروراً بـالإيمان بـالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وصولاً إلى تحرير مسائل مسمى الإيمان، والاعتقاد في الصحابة، وأحكام الإمامة بتفصيلٍ وتدقيقٍ كبيرين، متبوعاً بـدراسةٍ للمسائل الكلامية مبنيّةٍ على الترتيب الحاصر والنقاش الصارم للاعتراضات الفلسفية.
وعلى السَّنَن نفسه، جاء مصنفي (الحقيقة واليقين ونقيضهما) دراسةً استقصائيةً في نظرية الوجود والمعرفة الإسلامية، متبوعةً بتفكيك المآخذ الموجهة إليها؛ ليمثّل هذان الكتابان بديلاً علمياً متماسكاً، ومنهجيةً نسقيةً متكاملة تقطع دابر الشتات المعرفي والاختلاف التركيبي الناجم عن عفوية الشروح وتباين المناهج.
بناءً على ذلك، فإنَّ مَن أحكمَ مَضامينَ هذين الكتابين واستوعبَ مسائلهما، يكون قد أتقنَ أغلب قضايا الاعتقاد، وحازَ أصولَ النَّظر الوجودي والمعرفي المُنضبط على مذهب أهل السنة والجماعة؛ وحينئذٍ يسوغ له الانطلاق في قراءة مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية، أو الخوض في تلمُّسِ كُتب مخالفيه الفلسفية والكلامية، وهو متترسٌ بـقدرٍ كبيرٍ من المعارف الفطرية، والعقلية، والحسية، والخبرية المستقيمة الموافقة لنصوص الوحي المعصوم.
مقالي الجديد، وهو جزء من كتابي التأصيل العقدي الطبعة الثانية.
حقيقة الصفات الإلهية وإثبات مشروعية مسماها -د. محمد السيد محمد-مصر- مجلة الرَّبيئة
https://share.google/oFDBh0gmK7YfXQljb
دورة جديدة - علمية و تربوية
في شرح مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي
من كان على استعداد لرحلة نافعة مفيدة في باب العلم والعمل.. فلينضم معنا إلى القناة التالية:
https://t.me/sh_m_m_alqasdeen
وسوف نعلن عن التفاصيل قريبًا - بمشيئة الله تعالى -.
رب يسر وأعن وتقبل يا كريم
شارك الإعلان واحتسب الأجر
!
جزء من مقدمة الطبعة الثانية من كتابي (التأصيل العقدي):
....
مما يجدر التنبيه إليه؛ أن هذا الكتاب يمثل الطبعة الثانية المُنقَّحة والمزيدة، وقد آثرت تغيير عنوانها من (التكوين العقدي) إلى (التأصيل العقدي)؛ لكون مسائل الكتاب ومباحثه تقريرات وتأصيلات عقدية متينة، تتجاوز مجرد المبادئ التكوينية إلى مَقام التأسيس المنهجي الرصين.
وتُعَدُّ هذه الطبعة بمثابة مؤلَّف جديد؛ فقد أودعت فيها من المباحث والمسائل ما يمثل ركيزة في تأصيل القضايا العقدية، فضلاً عن التوسع في مناقشة الاعتراضات الفلسفية والكلامية وتفنيدها.
وقد شمل هذا التطوير إعادة الصياغة اللغوية والفنية؛ لضبط المادة العلمية في الكتاب كله، مع إضافات جوهرية ومستفيضة في المجلدات الثلاثة الأولى، وتطوير جذري في صياغة المجلدين الرابع والخامس؛ مما يجعل هذه النسخة هي النسخة المعتمدة والمُعبِّرة عن الرؤية النهائية والتحقيق الأخير لمباحث هذا العمل.
الوجه الثامن: تلازم الخلق مع التشريع وضرورة الهداية الوحيانية
(
ضرورة التشريع الإلهي وقصور المناهج البشرية):
يرتكز هذا الوجه على قاعدة (كمال العلم والقدرة التابعة للخلق)؛ إذ إن الذي انفرد بإيجاد الإنسان هو الأعلم بما يصلحه،
ويمكن بيان وجه هذه الحجة في المحاورالآتية:
المحور الأول:
تلازم الخلق والولاية الإرشادية (أولوية التشريع للخالق):
إنَّ مقتضى الربوبية يوجب أن يكون الخالق -سبحانه- هو الأعلم بما يصلح خلقه في عاجل أمرهم وآجله، والأقدر على تشريع ما يحقق نفعهم ويدفع ضرهم؛ كونه العليم بدقائق التكوين البشري ومآلاته. فالعلاقة بين الخالق والمخلوق تقتضي بالضرورة وجود قانون إلهي ينظم حياة هذا الكائن وفق علم محيط بحقيقته.
وعليه؛ فإن الذي خلق الإنسان هو القادر وحده على إخباره وتوجيهه لما ينفعه، وهو الأحق بـ (تشريع ما يحفظ مصالحه)؛ إذ لا يمكن لمن أوجد الذات من العدم أن يتركها سدى دون منهاج يضبط مسارها. وبذلك يتضح أن هداية الرسل وتنزيل الكتب هو امتداد طبيعي لفعل الخلق، وكمال لا يتم تدبير الكون بدونه.
المحور الثاني: قصور التشريع البشري (مثال الخمر):
يظهرُ امتيازُ التشريعِ الإلهيِّ وفوقيَّتُه عندَ مقارنتِه بالنظمِ الوضعيةِ القاصرة؛ فبالرغمِ من إجماعِ العقولِ والتقاريرِ العلميةِ على الأضرارِ الفادحةِ للمسكراتِ (الخمر) وتأثيرِها الـمُدمّرِ على العقلِ والصحةِ والمجتمع، فبينما تقرُّ القوانين الوضعية في معظم دول العالم بمخاطرها الفادحة على العقل والصحة والمجتمع، إلا أنَّ القوانينَ الوضعيةَ في جُلِّ دولِ العالمِ عجزت عن حظرِها حظراً حاسماً، وظلّت مشروعةً ومباحةً نتيجةَ تضاربِ المصالحِ والميولِ الماديةِ والأهواءِ الضيقة.
وفي المقابل، جاءَ التحريمُ الإلهيُّ قاطعاً ومحققاً للمصلحةِ الإنسانيةِ العليا؛ انطلاقاً من علمِ الخالقِ المحيطِ بما ينفعُ ابنَ آدمَ وما يَضُرُّه. وهذا يقطعُ بأنَّ (التشريعَ الـمُحكم) الذي يُراعي الفطرةَ والمصلحةَ لا يمكنُ تلقِّيه استقلالاً عبرَ العقولِ المـحدودة، بل ينحصرُ حصراً في طريقِ الوحيِ ووساطةِ الرسلِ -عليهم السلام-؛ لكونِهم القناةَ الوحيدةَ لبيانِ مراداتِ الحكيمِ الخبيرِ في خَلْقِه.
المحور الثالث: حتمية الواسطة النبوية للبيان التشريعي:
يخلصُ الاستدلالُ إلى أنَّ العلمَ الإلهيَّ بـ (مصالحِ العبادِ الـمحضة) لا يمكنُ أن تبلغه العقولُ بمحضِ استقلالِها وقصورِها، بل لابدَّ من طريقٍ يقينيٍّ وهو (الرسلُ عليهم السلام)؛ فهم الوسائطُ المعصومةُ التي تُبلّغُ شرعَ اللهِ وتنقُلُ أوامرَه، بما يضمنُ مطابقةَ الواقعِ للمصلحةِ والقدرة. وهذا يقطعُ بأنَّ التشريعَ الـمُحكمَ الذي يُراعي الفطرةَ والمصلحةَ العليا لا يمكنُ تلقِّيه إلا عبرَ قناةِ الوحيِ ووساطةِ الرسلِ؛ مما يُثبتُ أنَّ تمامَ الربوبيةِ لا يتحققُ إلا بـإرسالِ الرسلِ وتنظيمِ حياةِ الخلقِ بالوحي، ليكونَ الدِّينُ هو الضمانةَ الوحيدةَ لثباتِ اليقينِ واستقامةِ المعاشِ والمعاد.
ومما سبق يتضح أن إقرار الفلاسفة بالخالق مع إنكار شرعه هو قدح في حكمة الصانع؛ فـالخالق العليم لا يترك صنعة الإنسان بغير «دليل إرشادي» (الوحي)، والواقع يشهد بـحاجة البشر إلى تشريع إلهي معصوم ينقذهم من تخبط عقولهم، وهذا هو مقتضى كمال التدبير والربوبية.
#نقص
المذهب الربوبي.
الطبعة الثانية من كتاب (التأصيل العقدي).
قال بعض الحكماء: "من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم، بكلام من يعلم، فحسبك خجلاً من نفسك وعقلك أن تنطق بما لا تفهم"
(أدب الدنيا والدين للماوردي)