
بيتٌ بقصِيدَة
شَكَوتُ إِلى سِربِ القَطا إِذ مَرَرنَ بي
فَقُلتُ وَمِثلي بِالبُكاءِ جَديرُ
أَسِربَ القَطا هَل مِن مُعيرٍ جَناحَهُ
لَعَلّي إِلى مَن قَد هَوَيتُ أَطيرُ
قذى بعينكِ أمْ بالعينِ عوَّارُ
أمْ ذرَّفتْ إذْ خلتْ منْ أهلهَا الدَّارُ
كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ
فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ
إني تذكرتُ والذكرى مُؤَرِّقةٌ
مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه
ويحَ العروبة كان الكونُ مسرحها
فأصبَحت تتوارى في زواياه
عودي نَعُد أيّامَ كنّا أصدقاءْ
هو نُصفُ حلٍّ، قد يُعينُ على البقاءْ
فإذا الطريقُ أمامنا مسدودةٌ
ليسَ انهزامًا أن نعودَ إلى الوراءْ
خَلِيليَّ زُورَا قبل شَحطِ النَّوَى هِندَ
وَلاَ تَأمَنَا مِن دَارِ ذِي لَطَفٍ بُعدا
ولاَ تَعجَلاَ لَم يَدرِ صَاحِبُ حَاجَةٍ
أَغَيًّا يُلاَقِي فِي التَّعَجُّلِ أَم رُشدَا
ومُرَّا عَلَيهَا بَارَكَ الله فِيكُم
وَإن لَم تَكُن هِندُ لِوَجهَيكَما قَصدَا
وَقُولاَ لَهَا لَيسَ الضَّلالُ أَجَازَنَا
ولَكنَّنَا جُزنَا لِنَلقَاكُمُ عَمدَا
غَداً يكثُرُ الباكُونَ مِنَّا وَمِنكُمُ
وتَزدَادُ دارِي مِن دِيَارِكُمُ بُعدا
أيُدرِكُ ما أدرَكتُ إلّا ابن حُرّةٍ
يُمارِسُ في كَسبِ العُلا ما أُمارِسُ
يَضِيقُ مَكانِي عَن سِوايَ لِأَنّني
عَلى قُبّةِ المَجدِ المُؤَثّلِ جَالِسُ
يا ربّ صلِّ على من كان مبعثُه
للناس رحمى وإرشادا وإشفاقا
ما خانَ عهدا ولم تُقطع له رحمٌ
واللهُ عظّمه خَلْقًا وأخلاقا
ذكراهُ كالنورِ يجلو كل مظلمةٍ
كالماءِ ينعشُ أغصانا وأوراقا
نحيا بنفحكَ في صحوٍ وفي وسنٍ
فيعبقُ الدهرُ إيمانًا وأشواقا
يا مَنْ يَرَىَ مَدَّ البَعُوضَةِ جَناحِهَا
في ظُلْمَةِ الليلِ البَهِيمِ الألْيَلِ
ويَرَىَ مَنَاطْ عُروقِها مِنْ نَحرِهَا
والمُخُّ في ِتلكَ العِظَامِ النُحَّلِ
ويَرَىَ آثار الوطءِ مِن أقْدَامِهَا
في سَيرِهَا و حَسِيسِهَا المُسْتَعجِلِ
ويَرَىَ مجَارِي الدَّمِ في أودَاجِهَا
مُتنقِّلًا مِن مِفصَلٍ في مِفْصَلِ
ويَرَىَ ويسمَعُ ما هُو دونُهَا
في قَاعِ بحرٍ مُظلمٍ متهوِّلِ
فأُمنُن عليَّ بتوبةٍ تمحُو بها
ما كانَ مِنِّي في الزمَانِ الأوَّلِ
المُلكُ للهِ والدنيا مُداولةٌ
وما لِحَيٍّ على الأيامِ تخليدُ
الناسُ ذا فاقدٌ يبكي أحبّتَهُ
وذاكَ يُبكَى عليهِ وهو مفقودُ
للدهرُ وجهٌ عبوسٌ في تَقَلُّبِهِ
وللمنايا سِهامٌ صيدُها الصّيدُ
ما يمنعُ الموتَ أبرَاجٌ مُشيدَةٌ
ولا درُوعٌ ولا بِيضٌ ولا خُودُ
لو يَمنعُ الموتَ سُلطانٌ بقوّتِهِ
لكانَ حيًّا سليمانُ وداوُدُ