
عِرفان
يقول شيخ الإسلام الإمام المبارك أبو العباس ابن تيمية رضي الله عنه
:
القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي.
فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما بطن معه إن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله كان هذا ترجيحا بدليل شرعي،
والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا أخطؤوا.
فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة. فإلهام مثل هذا دليل في حقه، وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف؛ وأصول الفقه.
وقد قال عمر بن الخطاب: اقربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون؛ فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة. وحديث مكحول المرفوع {ما أخلص عبدٌ العبادة لله تعالى أربعين يوما إلا أجرى الله الحكمة على قلبه؛ وأنطق بها لسانه.
وفي روايةٍ: إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الصلاة نور، والصدقة برهان؛ والصبر ضياء".
ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها؟
ولا سيما الأحاديث النبوية؛ فإنه يعرف ذلك معرفة تامة؛ لأنه قاصد العمل بها؛ فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع الامتثال ومحبة الله ورسوله
=ثم قال الشيخ رحمه الله ورضي عنه:
حتى إنَّ المحبَّ يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده منه تلويحًا لا تصريحًا.
والعين تعرف من عيني محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها
إنارة العقل مكسوف بطوع هوًى
وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
انتهى كلامه والحمد لله رب العالمين.
من تدبر عداوة الشيطان ورآه يجاهر بهذه العداوة أمام رب العالمين وينطق بشقوته متوعدا بني آدم بالإذلال والغواية والإضلال ، وسائر ما تطاير من شرره:
تيقظ في مشهد الاستعانة بالله والاستغاثة به، والانشغال بمحبته تعالى واللياذ به واللهج بذكره!
وقد أمرنا ربنا في مواضع من الكتاب المجيد" بالإكثار" من ذكره تعالى في كل أحوالنا؛ فالذاكر المستكثر محفوظ مُعانٌ، وهذا مشاهد معلوم.
والذاكر يقظ، منور، منتبه لطرائق الشيطان وحيله!
ومن شاهد ما ذكره ربنا تعالى من وعيد الشيطان وتهديده=شرَّف نفسه أن تقع في أسره، وكره المعصية كراهة شديدة، وأكثر من الاستغفار والتوبة، ومكاثرة المعاصي بالطاعات، والله ربنا الجميل الكريم!
للنفس قوة عظيمة على الكلام والاتكاء على أريكة الحكمة، للحكم على الناس! تجد لذة في هذا ونشوة متى استقرت في القلب، أسرع إليه الفساد!
وليس الكلام هنا محبوسًا في حنك الإنسان! بل كل ما يغدو ويروح من أحاديث النفس والتعليقات المختبئة خلف ألواح الصدر! تلك الخفيات الرابضة في غابات النفس ومسبعة الظنون " والمسبعة المكان كثير السباع".
الشتائم الصامتة والتعليقات الهامسة، مع أطنان من الاحتقار وسوء الظن الذي ينتظر أدنى مخالفة لينطلق كالبركان لا يبالي!
ولقد حدثني صاحب لي أنه شرع في تعويد نفسه على الصوم عن الاسترسال في النظر بالقلب والحكم على الناس! نعم ينكر المنكر ويبغض المعصية ولا يتجاوز عبوديته للحكم على السرائر والنيات والمصائر وأعمال القلوب وخواتيم العباد!
وأحسن أعانه الله ووفقه في هذا الذي امتلأت كتب السلف بالحذر منه والخوف من عاقبته!
نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا!
سُئل الحسنُ عن الرجل، يُذنب ثم يتوب، هل يُمحَى من صحيفته؟
قال: لا، دون أن يوقفه عليه، ثم يسألَه عنه!
ثم بكى الحسن البصري رضي الله عنه وقال: لو لم نبكِ إلا حياءً من ذلك المقام؛ لكان يحقُّ لنا أن نبكيَ فنُطيل!
ذكر ذلك وعلق عليه تعليقاتٍ شريفةً الإمام ابن رجب رحمه ، انظر مجموع رسائله ط اللباب ١/٢٥٦
في صحيح مسلم يقول نبينا ﷺ : يَخرُجُ مِنَ النَّارِ أربَعةٌ فيُعرَضونَ على اللهِ، فيَلتَفِتُ أحَدُهم فيَقولُ: أي رَبِّ، إذ أخرَجتَني مِنها فلا تُعِدْني فيها، فيُنجيه اللهُ مِنها.
-وفيه يقول نبينا ﷺ :إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟
قال: قاتلت فيك حتى استُشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء!
وقد قيل!
ثم أُمِرَ به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار!
ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه ، وقرأ القرآن فأُتِي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟
قال: تعلمت العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن!
قال : كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم!
وقرأت القرآن ليُقال هو قارئ!
فقد قيل !
ثم أُمِر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار!
ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأُتِي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟
قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك!
قال : كذبت، ولكنك فعلتَ لُيقال هو جواد!
فقد قيل!
ثم أُمر به فسُحبَ على وجهه، ثُم أُلقي في النار )!
….
والخلاصة: التعويل على رحمته وفضله وحده! والخوف من كدر السر وتلون النيات وتقلب القلوب وسوء الطوية والخاتمة! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
إياك وما في صدور العباد ونياتهم! لا تقتحم هذا الحرم الذي علمه المحض عند الله تعالى! واحذر أن تعجبك نفسك فتتوثب على نيات الناس وسرائرهم فتهلك!
طلب بعضُ الطّلّابِ من عبدِ اللهِ
#بن
ِ_وهبٍ أن يُحدّثَهم عن
#مالك
ٍ بشيءٍ مستنكرٍ اشتهر عنه، فأبى وقال: «إنّ أحدَكم يصحبُ العالمَ، فإذا تعلّم منه شيئًا لم يُوجبْ له من حقِّه ما يمنعُه من أقبحِ ما رُويَ عنه؟!».
#الص
ّحبةُ عقدٌ يُورثُ حقًّا، ومن أخذ عن رجلٍ علمًا فقد صار مؤتمَنًا على ذكرِه كما ائتُمِن على حديثِه.
وتتبّعُ
#الش
ّاذِّ لا ينبتُ في نفسٍ تطلبُ الهدى، وإنّما ينبتُ في نفسٍ تطلبُ الغلبةَ؛ ولذلك كان الإمساكُ عنهُ حراسةً لقلبِ الطّالبِ قبل أن يكونَ حراسةً لمقامِ الشّيخ.
وليس هذا تنزيهًا للعالمِ عن الخطأ؛ فالعصمةُ منتفيةٌ، وفي حكايةِ ابنِ وهبٍ زيادةُ فقهٍ وتوعيةٍ: فالمسؤولُ عنه «مستنكَرٌ»، وامتناعُه ورَعٌ ورعايَة لحقّ شيخِه.
ومن
#خف
ّةِ_العقلِ عند بعضِ المعاصرين أن يلزمَ الشّيخَ زمنًا طويلًا، حتّى إذا مات أخذ ينشرُ عنه ما لا يليقُ نشرُه ممّا لا يسلمُ منه إلّا معصومٌ: ويستشهدُ بذلكَ على قُربِه وتفرّدِه بمعرفتِه. فيبيعُ حُرمةَ ميّتٍ بحظِّ نفسِه.
قَالَ أبو إسحاقَ
#الث
ّعلبيُّ:
«ولقد أصاب ابنُ وهبٍ، فأحسن في إمساكِه عن ذكرِ زللِ العلماءِ، وزجرِه عن تتبّعِ رخصِ الفقهاءِ».
عون الكسير على حفظ الإكسير
نظم كتاب الإكسير (أعمال القلوب من مدارج السالكين)
نظم الفقير إلى الله/ عامر بهجت
غفر الله له
كتب الشيخ يوسف بن حسن بن عبدالهادي يوم السبت سنة ٨٩٦هـ في كتابه عن سورة الفاتحة:
«قد شاهدتُ أنا من نجاحِ الأمورِ بها أمرًا عظيمًا، فقلَّ حاجةٌ من الحوائجِ تعرضُ لي من الحوائجِ الدنيويّةِ والأخرويّةِ؛ فأقرؤها عليها إلّا قُضِيت ونجحَ أمرُها، وكم من حاجةٍ تعسّرت واستدّت طرقُها وحالت دونها الموانعُ، فقرأتُها لنجاحِها، فقُضِيت وعادت أتمَّ ما كانت.
وكم من أمرٍ تعسَّر، فقرأتُها له، فتقشّعت غيومُه وزالت سُحُبُه وأنارت شموسُه.
وكم من أمرٍ تهيّأ تناولُه، فأنسَتِ المقاديرُ قراءتَها لتناولِه، بعد أن مُدّتِ اليدُ لأخذِه حالتِ الحُجُبُ بينها وبينَه، واختُطِفَ بعد أن توصّل إلى اليدِ، فأصبحَ لا يُرى له أثرٌ ولا يُدرَى كيف ذهب.
وهي سورةٌ عظيمةٌ،
فعليك -رحمكَ اللهُ- بالإكثارِ منها على أمورِك، وحوائجِك وأدوائِك، ومهمّاتِك، وكلِّ ما عرضَ لك، وتأملْ ذلك تجدْ منه ما يظهرُ لك
».
إياك أن تجالس حزنك، أو أن تجاوب وسواسك!
واستمسك بهذه القاعدة:
الشيطان يُدفَع بالذِّكر لا بالفِكر!