
كناشة الغامدي | فائدة وخاطرة
رأيت مقطعًا لأحد المشايخ يذكر فيه أن ابن عثيمين لديه فوائد مميزة عن جيله، ذكر بعضها في شروح حديث البخاري، فاستفزني هذا للحديث عن جانب مهم لاحظته عند الشيخ رحمه الله يستحق الاهتمام، وهو:
(الجرأة العلمية المحمودة)
وهذه الجرأة لعله ورثها من شيخه ابن سعدي الذي هو الآخر تميز بغزارة إنتاجه وقيمته العلمية، واختياراته المميزة عن جيله.
وكذلك حصل مع ابن عثيمين رحمهما الله.
وهذه الجرأة المحمودة جعلته ينبغ ويضيف إلى العلم ولا يقتصر على تخصصه الفقهي الذي نبغ فيه وأصبح مرجعًا بل إنه كذلك في التفسير والحديث والاعتقاد.
ولهذه الجرأة أسباب غذتها من بينها:
أولاً:
التوقد الذهني عند ابن عثيمين، فقد كان ذكيًا من أذكياء مشايخ عصره.
وثانيًا
: التواطؤ على سيرته المحمودة التي سمحت بتلك الجرأة والإضافة إلى العلم دون اعتراضات تتهمه في نيته أو في علمه أو في ديانته، فتقبل المجتمع لآرائه أضفى عليها نوعًا من القوة وأتاح له مساحة من إبداء الرأي، وهذه من العوامل التي جعلته يستزيد من تلك الجرأة.
وثالثاً
: أساسه العلمي المتين وذكاؤه الفطري والاجتماعي الذي ابتعد به عن الصدامات والدخول فيما لا يُحسن، فهو يعرف متى يبدي ويتكلم، ومتى يذر ويسكت.
ورابعاً
: عبوديته وتنسكه الذي يظهر على هيئته ومطعمه ومسكنه وشأنه كله، فأثمرت لديه صفاءً وتسديدًا من الله سبحانه وتعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" فهذا التوفيق والإلهام الإيماني الذي تكلم عنه ابن تيمية.
ومن أمثلة تلك الجرأة المحمودة مثلاً:
🔸
كتابة رسالة في الدماء الطبيعية، وهو باب يُحجم عنه كثير من الفقهاء لعسره، حتى قال الإمام أحمد: "كتبت فيه تسع سنين حتى فهمته".
🔸
وأيضًا جرأته على الفتيا والإضافة في زمن ابن باز، فبروز اسم عالم حينها ليس بالأمر الهين، ولا يستطيعه كل أحد فالشهرة والمكانة والقيادة التي كان عليها ابن باز، والفارق العمري الذي كان بينهما؛ يصعب تجاوزهما.
لقد كان ابن باز رحمه الله رجل أمة وملة ودولة في آن واحد، تقلد مناصب رفيعة وتأثيره عالمي، وعُمّر حتى التسعين من عمره، بعكس ابن عثيمين الذي مات في مقتبل السبعين.
🔸
ومن أمثلة جرأته المحمودة أيضًا حرصه على التسجيل الصوتي لدروسه، في حين امتنع كثير من العلماء وطلبة العلم عن البث المباشر والتسجيل الصوتي والمرئي.
🔸
وكذلك جرأته بفتح مجالسه لعامة الناس وتصديه للإفتاء المباشر والنفع العام.
🔸
وأيضًا جرأته في استنباط الفوائد والتدليل والتعليل، وفي الإضافة والاستدراك على العلماء، فكتابه "القول المفيد" من أهم الشروح التي تجرأ فيها على استدراك بعض المسائل التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب.
فرحمه الله كان من العلماء الأذكياء الأتقياء.
{وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون}
{الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل}
الآية
قال ابن تيمية:
"انتفاء الكتابة عنه مع حصول أكمل مقاصدها بالمنع من طريقها؛ من أعظم فضائله وأبقى معجزاته، فإن الله علّمه العلم بلا واسطة كتاب معجزةً له، وصارت أُمِّيَّتُهُ المختصة به كمالًا في حقه من جهة الغنى بما هو أفضل منها وأكمل، ونقصًا في حق غيره من جهة فقده الفضائل التي لا تتم إلا بالكتابة"
من كلمات ابن تيمية في الحسين رضي الله عنه وقبره:
🔸
"المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما الذي بالقاهرة كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم، ولا يُعرف عن عالم مسمى معروف بعلم وصدق أنه قال: إن هذا المشهد صحيح"
🔸
"أصل هذا المشهد القاهري: هو ذلك المشهد العسقلاني، وذلك العسقلاني محدث بعد مقتل الحسين بأكثر من أربعمائة وثلاثين سنة، وهذا القاهري محدث بعد مقتله بقريب من خمسمائة سنة، وهذا مما لم يتنازع فيه اثنان ممن تكلم في هذا الباب من أهل العلم على اختلاف أصنافهم"
🔸
"لو كان رأسه بعسقلان لكان المتقدمون من هؤلاء أعلم بذلك من المتأخرين فإذا كان مع توفر الهمم والدواعي والتمكن والقدرة لم يظهر ذلك عُلم أنه باطل مكذوب مثل من يدعي أنه شريف علوي، وقد علم أنه لم يدع هذا أحد من أجداده مع حرصهم على ذلك لو كان صحيحا فإنه بهذا يُعلم كذب هذا المدعي"
🔸
"يمتنع أن يكون أهل العلم والصدق: على الباطل وأهل الجهل والكذب: على الحق في الأمور النقلية التي إنما تُؤخذ عن أهل العلم والصدق لا عن أهل الجهل والكذب"
🔸
"كان من أشدهم تحريضا عليه شمر بن ذي الجوشن، ولحق بالحسين طائفة منهم، ووقع القتل حتى أكرم الله الحسين ومن أكرمه من أهل بيته بالشهادة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأهان بالبغي والظلم والعدوان من أهانه بما انتهكه من حرمتهم واستحله من دمائهم"
🔸
"أشار عليه مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما بأن لا يذهب إليهم، وذلك كان قد رآه أخوه الحسن واتفقت كلمتهم على أن هذا لا مصلحة فيه وأن هؤلاء العراقيين يكذبون عليه ويخذلونه إذ هم أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها عن ثبات"
🔸
"كان ذلك من نعمة الله على الحسين وكرامته له لينال منازل الشهداء حيث لم يجعل له في أول الإسلام من الابتلاء والامتحان ما جعل لسائر أهل بيته كجده ﷺ وأبيه وعمه وعم أبيه رضي الله عنهم، فإن بني هاشم أفضل قريش وقريشا أفضل العرب والعرب أفضل بني آدم كما صح ذلك عن النبي ﷺ"
🔸
"كان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، كانا قد ولدا بعد الهجرة في عز الإسلام ولم ينلهما من الأذى والبلاء ما نال سلفهما الطيب فأكرمهما الله بما أكرمهما به من الابتلاء ليرفع درجاتهما وذلك من كرامتهما عليه لا من هوانهما عنده، كما أكرم حمزة وعليا وجعفرا وعمر وعثمان وغيرهم بالشهادة"
🔸
"قد علم الله أن مصيبته تُذكر على طول الزمان، فالمشروع إذا ذكرت المصيبة وأمثالها أن يقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها"
🔸
"أهل العلم يختارون فيمن عُرف بالظلم ونحوه مع أنه مسلم له أعمال صالحة في الظاهر -كالحجاج بن يوسف وأمثاله- أنهم لا يلعنون أحدا منهم بعينه؛ بل يقولون كما قال الله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} فيلعنون من لعنه الله ورسوله عاما"
🔸
"من أصول أهل السنة التي فارقوا بها الخوارج: أن الشخص الواحد تجتمع فيه حسنات وسيئات فيثاب على حسناته ويعاقب على سيئاته، ويُحمد على حسناته ويذم على سيئاته، وأنه من وجه مرضي محبوب ومن وجه بغيض مسخوط"
🔸
"يزيد بن معاوية: قد أتى أمورا منكرة…
ولهذا قيل للإمام أحمد: أتكتب الحديث عن يزيد؟ فقال: لا ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل وقيل له -أي في ما يقولون- أما تحب يزيد؟ فقال: وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقيل: فلماذا لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيت أباك يلعن أحدا"
🔸
"نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد، فكيف بنقله بعد زمن يزيد؟ وإنما الثابت: هو نقله من كربلاء إلى أمير العراق عبيد الله بن زياد بالكوفة، والذي ذكر العلماء: أنه دُفن بالمدينة"
🔸
"دُفن بدن الحسين بمكان مصرعه بكربلاء ولم ينبش ولم يُمثّل به، فلم يكونوا يمتنعون من تسليم رأسه إلى أهله كما سلّموا بدن ابن الزبير إلى أهله، وإذا تسلم أهله رأسه فلم يكونوا ليدعوا دفنه عندهم بالمدينة المنورة عند عمه وأمه وأخيه وقريبا من جده ﷺ ويدفنونه بالشام"
🔸
"قد عُلم أن سعي الحجاج في قتل ابن الزبير وأن ما كان بينه وبينه من الحروب: أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه"
🔸
"وما زال الناس في مصنفاتهم ومخاطباتهم يعلمون أن هذا المشهد القاهري من المكذوبات المختلقات، ويذكرون ذلك في المصنفات حتى من سكن هذا البلد من العلماء بذلك وما زال ذلك مشهورا بين أهل العلم حتى أهل عصرنا من ساكني الديار المصرية: القاهرة وما حولها"
في قوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}
قال الوزير ابن هبيرة:
"إنما لم يقل: ما كتب علينا؛ لأنه أمر يتعلق بالمؤمن ولا يصيب المؤمن شيء إلا وهو له، إن كان خيراً فهو له في العاجل، وإن كان شراً فهو ثواب له في الآجل"
نقد المصادر
💡
"وقد رأيتُ بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبي أن أعتمد على شيء مما فيه فأنقل منه إلا ما كان مشهوراً معروفاً من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين، وفيه من الشطح والطامات والدعاوى والكلام الباطل ما لا يُحصى"
✍🏻
ابن رجب متحدثاً عن كتابٍ جمعه المقرئ أبو الحسن الشّطّنوفِي.
فائدة وتذييل:
يتكلّف أحيانا أصحاب الرؤى في التأويل، وربما يراعون ذا المكانة والجاه والمال، فيصرفون التأويل عن وجهه المكروه إما حقيقة أو لفظاً مراعاة له، كما قيل في القصة المشهورة: أن أميراً رأى أسنانه تسقط إلا واحد، فعبّرها الأول بأن أهله يموتون ويبقى وحيداً، ففزع وطلب معبّرا آخر، فقال: يطول عمرك حتى تكون آخر أهلك موتاً! فاستبشر.
فهذه الحقيقة واحدة وإنما المراعاة في اللفظ والتعبير.
ومن ذلك ما حكاه ابن الجوزي عن أبي حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني
قال ابن الجوزي : “رأيت بخطه - يعني النهرواني -: (رأيت ليلة الجمعة عاشر رجب سنة خمس وأربعين -فيما يرى النائم- كأن شخصاً في وسط داري قائماً، قلت : من أنت!؟ قال: أنا الخضر!
تأهب للذي لا بد منه
من الموت الموكل بالعباد
ثم كأنه علم أني أريد أن أقول له: هل ذلك عن قرب؟ فقال: قد بقي من عمرك اثنا عشر سنة تمام سني أصحابك، وعمري يومئذ خمس وستون سنة)
قال ابن الجوزي: فكنت دائماً أترقب صحة هذا، ولا أفاوضه في ذكره لئلا أنعى إليه نفسه، فمرض رحمة الله عليه اثنين وعشرين يوماً.
وتوفي يوم الثلاثاء بعد الظهر ثالث عشر جمادى الاخرة من سنة ست وخمسين وخمسمائة،
فكان مقتضى حساب منامِهِ أن يبقى له سنة
، ومات في أول الأخرى، أو لعلها من السنين الشمسية"
يعني أنه مات سنة ٥٥٦هـ والمنام يقتضي أن موته سنة ٥٥٧هـ
فانظر كيف تكلّف ابن الجوزي في التأويل حتى تقع الرؤيا صحيحة.
وقد كتب ابن حميد النجدي بإزائها معلقاً: “السنين الشمسية أطول من القمرية فالتوجيه به غير جيد”
تذييل
من أعجب الناس المعروفين بالتأويل الصادق الإمام الشهاب العابر أحمد ابن نعمة ابن سرور الحنبلي المقدسي ت٦٩٧هـ ، حتى أنه كان يخبر بما لا يقتضيه المنام كاسم الإنسان ومنزله وبلده!
وله غرائب وعجائب، حتى اعتقد فيه بعض الناس، وسُئل عنه ابن تيمية فقال: "كان له رئي من الجن يخبره المغيبات، وكان صاحب أوراد وصلوات، وما برح على ذلك حتى مات"
له كتاب مفيد مطبوع اسمه: البدر المنير في علم التعبير.
فائدة وتذييل:
قال الوزير ابن هبيرة الحنبلي:
"والله ما نترك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الرافضة، نحن أحق به منهم؛ لأنه منا ونحن منه، ولا نترك الشافعي مع الأشعرية؛ فإنا أحق به منهم"
تذييل
قال النبي ﷺ لمّا رأى اليهود يصومون عاشوراء:
"نحن أولى بموسى منهم" وأمر بصيامه.
وهكذا لا ينبغي ترك رموز الإسلام وأهل السنة لأجل انتساب المبتدعة لهم، مثل الحسن والحسين وفاطمة، أو جعفر الصادق رضي الله عنهم.
مهما بلغت قوة الإنسان وعظمته؛ يذله الله فيما لا يملك ولا يقدر عليه، فينزع عنه نوم الليل، وصحة الجسم، وطمأنينة القلب، ويسلط عليه الهم والغم، وآلام فقد الحبيب، وعدوان القريب، وهجران الصاحب، وعصيان الولد وغضب الوالد، وتنكر الزوجة …الخ
ولابن تيمية فصل في أن الآدمي: جبار ضعيف مطبوع في مجموع الفتاوى ج14