
د. عبد الكريم بكار
تعلمتُ من تجربتي أن أحداً لا يستطيع أن يجمع بين محاسن الإقامة في الوطن ومحاسن الاغتراب؛ فلكل منهما مزاياه، ولكل منهما ثمن لا بد من دفعه.
ماذا يعطيك الوطن؟
يعطيك الجذور والانتماء. تشعر فيه بأن مواقفك مفهومة، وأن لك مكاناً معروفاً بين الناس. وفيه صداقات الصبا، وصلة الأهل والأرحام، والتواصل العفوي الذي لا يحتاج إلى تكلّف أو ترتيب، وهي أمور قد لا تدرك قيمتها الحقيقية إلا حين تفقدها.
وما الثمن الذي تدفعه؟
قد تجد مجتمعاً متصلباً يراقب تحركات أفراده، ونماذج فكرية محدودة، وخبرات محلية متشابهة. ومن يطل به المقام في بيئة واحدة قد يشعر مع الوقت بأنه يفكر داخل صندوق مغلق، وأن آفاقه لم تعد تتسع كثيراً.
وماذا تعطيك الغربة؟
تعطيك علاقات تختارها بنفسك ولا تُفرض عليك، وفرصاً أوسع للرزق، وآفاقاً أرحب للتفكير والتجربة. والأهم أن المغترب، إذا كان مثقفاً، يستطيع أن يكوّن رؤية أكثر أصالة واتساعاً للعالم، وأن يتعرف إلى نماذج وتجارب لم يكن ليراها لو بقي في بلده. ومع تعدد التجارب والمقارنات، تتسع بصيرته، ويصبح أكثر ميلاً إلى الاعتدال والإنصاف؛ لأن المقارنة تتحول لديه إلى حاسة دائمة.
وما الثمن الذي تدفعه؟
الشوق إلى الأهل والأحباب يثقل القلب، وفراقهم يترك في النفس ألماً لا تعوّضه مكاسب الغربة. وقد يعود المغترب بعد سنوات طويلة، فيجد أن الأشياء التي ألفها قد تغيرت، وأنه أصبح غريباً في بلده أيضاً.
وقد أدرك علماؤنا القدماء قيمة الرحلة، فرحلوا في طلب العلم، وطافوا البلدان، ولقوا الشيوخ، وعرفوا من أحوال الناس وتجاربهم ما لم يكن ليتاح لهم لو لزموا أماكنهم.
أما أنا شخصياً، فقد استفدت من الغربة فوائد كثيرة، وأشعر بفضل الله عليّ فيها. ومما يهوّن على النفس أن تدرك أن لكل اختيار ثمناً، وأن تقبل دفعه عن طيب خاطر، وأن تعلم أن استحضار هذه الحقيقة يمنح الإنسان عزاءً عجيباً، ويعينه على الرضا بما اختار.
د. عبد الكريم بكار
كان الحسن البصري رضي الله عنه جالساً مع تلاميذه في مجلس علم، وإذا بعدة رجال يأتون إليه الواحد تلو الآخر، كلٌ يحمل همّه وقضيته التي تثقل قلبه.
أتى الأول يشكو جدب الأرض وقلّة المطر، والثاني جاء يئن من ضيق الفقر، والثالث يشتكي من حرمانه من الذرية، ورابعٌ يحكي عن جفاف بساتينه وخسارته.
فكان جواب الحسن لكل واحد منهم واحداً: "استغفر الله."
تعجّب الحاضرون وقالوا له: "يا أبا سعيد، كيف توصي جميع هؤلاء الذين يأتونك بأوجاع مختلفة بالاستغفار فقط؟"
فابتسم الحسن رضي الله عنه وقال:
> "قال تعالى:
(فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً)
هذه الآيات ليست مجرد دعوة عامة بل وعدٌ صادق لكل من رجع إلى ربه بالاستغفار، فبالاستغفار تُفتح أبواب السماء، ويرسل الله المطر الذي يروي الأرض، ويملأ الجيوب بالأرزاق، ويبارك في الذرية، ويجعل لنا من بساتين حياتنا جنات خضراء وأنهاراً متدفقة.
لماذا نبحث عن حلول كثيرة ومعقدة بينما جوهر الحل هو الرجوع إلى الله والندم والطلب منه المغفرة؟
الاستغفار ليس فقط إزالة للذنوب، بل هو مفتاح البركات التي لا تُعد ولا تُحصى."
وهكذا، يعلمنا الحسن البصري رحمه الله أن الاستغفار هو أعظم الأسباب التي تُصلح النفوس وتُبدل الأحوال، وأنه ينبوع الخير الوفير الذي لا ينضب، فحين يشتد الضيق، وحين تعجز كل الحلول، لا تتردد: استغفر ربك، فهو الغفور الرحيم.
د. عبد الكريم بكار
يقولون: الاقتصاد هو ما تبقى من السياسة.
وهم يقصدون أن الجماهير العريضة تنظر إلى النجاح في السياسة على أنه جودة في الخدمات الأساسية ووفرة في فرص العمل، وقدرة على توفير الحاجات بيسر.
إذا لم يحدث قدر مقبول من هذا فإن معظم الناس لن يكونوا راضين عن أداء الحكومة بسبب تعيين فلان، أو تحسين العلاقات مع الدولة الفلانية.
هذه النظرة ليست صحيحة بالمطلق، ولكن هكذا ترى الجماهير الأمور.
المزيد من الشفافية والوضوح في الأوضاع المالية للبلاد، والمزيد من المشاركة السياسية يخففان من سخط الناس عند ضآلة الإنجاز.
د. عبد الكريم بكار
أحب أن أعرف ما الموضوعات التي تشغل تفكيركم، وما الأسئلة التي تبحثون عن إجابات عنها.
ما القضية التي تودون أن أكتب عنها أو أتحدث فيها في الفترة القادمة؟
اكتبوا أسئلتكم واقتراحاتكم في التعليقات، وسأحرص على تناول ما أستطيع منها في منشورات قادمة.
يمكنكم مشاركة أسئلتكم عبر هذا الرابط
https://www.facebook.com/100044230969382/posts/pfbid0CwVU5hoUEJzo3xvHzhhtnD71KNvK4tr7W9Uc5SXqJWRcjdYHmGTSfLYaNXxLk2yHl/
ٍأسعد الله أوقاتكم
د. عبد الكريم بكار
سفينة البغي والعنصرية، سفينة الأوباش أخذت طريقها نحو القاع، ولن يستطيع إيقاف غرقها أحد بإذن الله تعالى.
صبراً يا أهل الأرض المباركة، ففرج الله تعالى قريب.
ذهب الكثير وبقي القليل.
الله غالب.
(أصحاب الفضيلة)
يتحمل علماء الشريعة مسؤولية خاصة تجاه سلامة الأمة وصواب مسيرتها، كيف لا، وهناك من يقول: إن علماء الشريعة هم أولو الأمر، وإن كنت أرجّح أنهم من أولي الأمر.
الأمة تائهة اليوم؛ لأنها لا تدري إلى أين تتجه، وأعتقد أن هناك مهام أساسية تنتظرهم، من تلك المهام:
1 ـ الانحياز إلى الفقير والضعيف، والوقوف مع تطلعات الناس في الحرية والعدالة والكرامة.
2 ـ الجهر بالحق، ومن لم يستطع ذلك فليصمت، ولا ينطق بالباطل.
3 ـ جمع كلمة الناس على الهدى، والمساعدة على بسط الأمن والاستقرار والتفاهم في المجتمع.
4 ـ تعليم الناس أمور دينهم، ونشر الفقه في الدين على أوسع نطاق.
5 ـ محاربة الغلو في الدين؛ لأن الغلاة يشوّهون الإسلام، ويفتحون على المسلمين أبوابا واسعة من الشر والعداء الدولي.
6 ـ امتلاك رؤية حضارية وإصلاحية متقدمة؛ من أجل مساعدة الأمة على النهوض.
7 ـ توثيق الصلات بينهم، والتشاور المستمر في الشأن العام؛ فالناس ينظرون إليهم على أنهم مرجعية لهم.
د. عبد الكريم بكار
التفكير عملية شاقة، ومعظم الناس يفضّلون أن يمشوا ساعةً على أن يفكّروا ربع ساعة.
ومن صور التخلّف في بلادنا أن إقناع كثير من الناس بأنهم بحاجة إلى التغيير والتحسين أمرٌ شاقّ.
د. عبد الكريم بكار
قلت لبعض الأصدقاء: أتعرفون ما هو العدو الأكبر لشعوب الأرض؟
إنه ليس الكفر ولا الفقر، إنه الاستبداد السياسي الذي يذل العباد، وينهب البلاد ويمكّن الأوباش من رقاب الأشراف.
قاوموا الاستبداد، وقاطعوه، ولا تحترموا من يتحالف معه لأي سبب من الأسباب.
د. عبد الكريم بكار
للتفكير الموضوعي ثلاث ركائز: التجرد عن الهوى، والابتعاد عن الظنون، والتحرر من المؤثرات الخارجية.
ومن أمثلة التجرد عن الهوى ما يُروى عن رجل من السلف أنه كان في طريقه لبيع حماره، فسأله أحدهم: أترضاه لنفسك؟ فقال: لو كنت أرضاه لنفسي لما بعته.
د. عبد الكريم بكار