
EUNOIA
EUNOIA
pinned «
العقول محبّة لليأس، لأنّ فيه من صفاء الجوهر ما لا تبلغه كافة المشاعر التي تستمد حياتها من ضجيج العالم واضطرابه. إن اليأس هو أصفى التجارب، لأنه لا يحتاج إلى موضوعٍ خارجيٍّ يتعلّق به، ولا مثيرٍ يحركه، ولا قناعٍ يُزيّنه. إنه عُزلة الوعي وقد جرّد نفسه من ضباب…
»
العقول محبّة لليأس، لأنّ فيه من صفاء الجوهر ما لا تبلغه كافة المشاعر التي تستمد حياتها من ضجيج العالم واضطرابه. إن اليأس هو أصفى التجارب، لأنه لا يحتاج إلى موضوعٍ خارجيٍّ يتعلّق به، ولا مثيرٍ يحركه، ولا قناعٍ يُزيّنه. إنه عُزلة الوعي وقد جرّد نفسه من ضباب الأمل، وسراب الخداع، ووهم الرغبة في التبرير. وحده اليأس يمنح العقل ذلك الصفاء الشبيه بما بعد الاحتراق، حين لا يبقى في النفس إلا رماد الحقيقة، ورائحة الفناء التي تفوح من كل ما يُنسب زوريًا إلى الخلود. إن المحبّة والكراهية، والفرح والحزن، وكافة المتناقضات الشعورية التي تلوِّن عالمنا، مثلها كمثل مظهر الزجاج وقد انعكست عليه أضواء العالم: تفاعلٌ مع الخارج، وانعكاس لما ليس من الذات. أما اليأس فهو الزجاج في نقائه، إنه لحظةُ التلاشي التي يدرك فيها الإنسان أنّ الوجود لا يحتاجه، وأنه هو أيضًا لا يحتاج إلى الوجود.
عبد الرحمن
The women whom nature endowed with an excess of beauty fracture existence, for they remind us that some are effortlessly gifted with intrinsic values others will never possess. Their effect can at times surpass that of blind natural catastrophes. Is it not wondrous when aesthetics transcends justice, when beauty mocks the very notion of equality?
It is not only our senses they disturb, but also our gregarious morality and our sense of equilibrium, for in them we witness the scandal of a world that bestows and withholds with an arbitrary hand.
-Abdulrahman ramadan
تُعَدُّ مخيلة الفنان عملاً حربياً ضد كل ما حاول يومًا تحطيم روحه، وفي جوهرها تمثل أيضًا، وبشكل متناقض، فعلًا يتعارض مع، ولكنه في الوقت ذاته يتماشى تمامًا مع إيقاعات ودورات الكون الكبرى، التي يعيد الفنان ترتيب عناصرها خلال رحلته الملحمية في عالم الفن. إنه يعيد تشكيل الواقع بحيث يجبره على الدخول في حالة تواصل مع الخيال.
الخيال ليس سوى تمثال منحوت من مكونات حقيقية وملموسة، لكنها تُصاغ وفق رؤية الفنان وخياله لتكون إطارًا يحكي قصة. والهدف من هذه القصة هو السماح للتألق غير المقيد بأن يتنفس حيث كان سيظل مختنقًا تحت وطأة الواقعية القاسية، إلى جانب الحركات الآلية التي تفتقر إلى الروح في المجتمع المُبرمج.
الجوهر الثوري للفن العميق يكمن في تحديه الصريح للتفاهة، وللمرايا المشوهة، وللخطاب المزدوج الذي يميز الزيف الذي تحاول به الحضارة المهذبة كبح كل ما هو فني وجميل.
يقف الفنان متأملًا من قمة تطل على وديان عوالم تجمع بين الروحانية والحسية بأكثر الطرق أناقة، وتعيد ضرباته الفرشاتية المتألقة كتابة السكون الذي يميز التاريخ السلبي، لتفرض بدلاً من ذلك نظامًا جديدًا بالكامل وأثيريًا. في هذا النظام، تأخذ محتويات الخيال مكانها في قلب الواقع، حيث تصبح حقيقة ملموسة، بدلاً من أن تبقى مجرد أفكار محبوسة في الذهن ومنسية في طي النسيان.
الفنان هو ذاك الذي يُجبر منتجات الخيال على الظهور في الوجود الحقيقي، فيحول ما كان يُعتقد أنه لا يمكن أن يكون إلى ما لا يمكن إلا أن يكون. ذلك لأن الفن الحقيقي يناضل من أجل الوجود ذاته، في علاقة حب لا تنقطع مع تحويل كل ما هو موجود إلى طقس كوني مقدس، يُحيي فيه قلبًا مشتعلًا: هدية من السماء للإنسان المتعب والمريض، الذي يعاني جوعًا دائمًا للدفء، ويخوض حربًا داخلية لا تنتهي من أجل الحب وارتقاء الروح.
-إن الكثير من الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الفرد في العصر الحديث يرجع إلى شروط الحياة في المجتمع الحديث. وبالتالي فإن الفرد لا يتحمل كامل المسؤولية عن اضطراباته النفسية، إذ يشاركه المجتمع في هذه المسؤولية وبدرجة أكبر. إن تحميل الفرد المسؤولية عن اضطراباته النفسية هو جزء من الأيديولوجيا المهيمنة على المجتمعات الحديثة، وهي أيديولوجيا ليبرالية في الأساس، تجعل الفرد مسؤولاً عن كل شيء: نجاحه وفشله، صحته النفسية ومرضه النفسي. فمع نزعتها الفردية المتطرفة تنزع الأيديولوجيا الليبرالية نحو تحويل التوترات الاجتماعية إلى المجال الشخصي، أي أنها تحول الأزمات الاجتماعية إلى أزمات نفسية شخصية، ومن ثم تنظر إليها على أن أسبابها الأخيرة ترجع إلى الفرد ونفسيته. وأي محاولة لإرجاع المشاكل الخاصة إلى سياقات مؤسسية اجتماعية، تلك المحاولة التي يمكن أن تقترح فعلاً عاماً أو سياسياً، يُنظر إليها على أنها إسقاط لتلك المشاكل الفردية على المجتمع. لقد أدرك إريك فروم وهربرت ماركوزة أن المجتمع الرأسمالي الليبرالي هو السبب وراء تحويل التوترات الاجتماعية إلى مجال الشخصية الفردية. إن النظام الاجتماعي للرأسمالية الليبرالية هو الذي يخلق المشكلة في الفرد، وهو أيضاً الذي يفرض على الفرد علاجاً نفسياً من هذه المشكلة وكأن هذا الفرد هو السبب فيها.
| اشرف منصور
أرى في ردود الأفعال التي تنفي صفة "الطبيعية" عن بعض سلوكيات البشر وتصرفاتهم غير المألوفة مقياسًا فاصلًا يكشف مدى إدراك المرء لتنوع الحياة ودرايته باختلاف طبائع البشر وأحوالهم. الطريق السهل لرؤية العالم، والأشد تأصلاً في الغريزة، هو مطابقة إدراك الآخر بإدراك الذات، أي افتراض ثبات المؤثرات ووحدتها على البشر جميعًا. وهذه حالة ساذجة تغيّرها خبرات الحياة وتجاربها، وتصقلها المعاناة الناجمة عن إعمال هذه الطريقة في تفسير العالم وأحواله، وتجرّع مرارة أخطائها. خذ مثالًا ذلك المرء الذي نشأ في بيئة صالحة وفق معايير مجتمعه، وحظي من نعمها بقدرٍ وافر حجب عنه ظلمات الأزقة وما تحتويه من كَدٍّ ومشقةٍ، ألا يرى أن من المحال أن تُرى مناقبه بعينٍ تبديها بصورٍ هي الضد المطلق لما ألفته حواسه واعتاده سلوكه؟ تراه يقول في نفسه إن من المحال أن تولِّد أفعاله ردودًا معاكسة للغاية التي تبتغيها أصلًا؛ فلا يمكن لمظهره الحسن أن يُرى من عين أخرى بدلالة تحط من قدره، وليس من الجائز أن يُفسَّر سلوكه الحميد عقل يحوّره عن مقصده. فلا بد للإحسان أن يُعظَّم ويُقابل بمثله، وللجميل أن يُكرَّم ويُحتفى به، والعكس بالعكس. يزعم ذلك بفطرته وهو لا يدري أن هناك عيونًا ألفت ما يعظّمه ويوقّره على حالٍ مناقضٍ لما ألفه. يجهل أن هناك عيونًا ألفت محاسنه في مظهرٍ معادٍ يبعث أحاسيسًا مناقضة، منها ما يكون الضد المطلق في بعض الأحوال. ذلك الغريب "الآخر" الذي تنفر من أفعاله الشاذة وتنسبها إلى عالمٍ غريب لا يمت بصلة لعالمك، هو كمن لم يرَ السكين إلا في يد العدو، فنسب إليها كل ما هو مقيت وبشع، حتى تشكّل في ذهنه عالمٌ آخر مختلفٌ عن عالمك. الأمر هو أن ما اعتدته سلاحًا في يدك ينمي وجودك ويثريه، قد اعتاده الآخر في يد العدو الذي يهدد وجوده ويبعث في نفسه أحاسيس الألم والخطر. تأمَّل مثلًا السكين التي تحملها يدك: في عالمك، هي أداة تنفذ بها صالح الأعمال، ترى فيها أداة تستخدمها للخير، وتقول في نفسك، مثلًا، أنك بدونها لن توفر القوت لأحبائك، وفي المجمل، مدلولها عندك رمزٌ للإبداع والعطاء. أما في عالمٍ آخر لم تبرح فيه السكين يد العدو، فهي ترمز إلى الخوف والتهديد والموت، وتفسّر كأداةٍ تستخدم لقطع الأواصر وسلب الحياة. مِثلُكَ يرى في السكين أداةً للعيش والازدهار، والآخر يراها أداةً للدمار والانهيار. هذا التباين في الإدراك يعكس فجوةً عميقةً بين عالمين، حيث تتشكل الصور والمعاني وفق تجارب وخبرات سطرتها أحداث متنوعة. في ذهنك، تتلألأ السكين ببريق الأمل، وفي ذهن الآخر، تتشح بظلال الرعب.