
قناة مَسَار | محمود أبو عادي
من أشكال التفاوت بين البشر:
اختلاف معايير عَتبة threshold تحسّسهم للوجود.
والعتبة مفهوم مفتاحي ومُفرَدَة مُهمّة كي تفهم نفسك من خلالها، وهي مُصطلح مُستعار من علم النفس الفيزيائي Psychophysics تعني:
الحدّ الأدنى من شدّة المُؤثّر، اللازم لكي يُدركه الإنسان أو يستجيب له.
وهناك مستويات عدّة لهذه العتبات، منها على سبيل المثال:
• عتبة تحسّس الجَمَال
(ما مدى دهشتي من المألوف والعادي؟)
• عتبة السلوك الذوقي
(ما هو الأكثر/الأقلّ ذوقًا؟)
• عتبة الإيذاء
(متى يكون ما أفعله/أقوله مُؤذيًا؟)
• عتبة المعصية
(ما هو أصغر حجم للخطيئة التي تدفعني للهرع لإصلاح علاقتي مع الله؟)
• عتبة العلم
(كم يكفيني من البحث لأبلغَ حدّ الفهم؟)
وهذه الفروقات دقيقة، لكنّها تجعلني أنا وتجعلُكَ أنت، في نهاية المَطاف.
وهو ما نرصده في الآخرين، فيجذبنا إليهم، أو يُنفِّرُنا منهم.
فحين تتقارب عتباتنا مع عتبات أحدهم، نشعر أنّه يفهمنا بلا عناء، وحين تتباعد، نشعر أنّه غريبٌ عنّا، وإن جمعتنا به كلّ الظروف الأخرى.
وفكرة العتبة دقيقة ولطيفة، ويُمكِن التعبير عنها بمُعادلة رياضية:
كَم يلزمني من X حتّى أشعر بـ Y؟
مثلًا:
كَم يلزم من مُدّة لانقطاع تواصلي مَع مَن أُحبّ، حتّى اعتبر أنّي قد جَفيتُه أو نَأيتُ عَنه؟
دقائق
ساعات
أيّام
أسابيع
بهذا يفترق النّاس
وهذا طبعًا، يتحدّد بالتنشئة (التربية) والخبرة المعيشية (التجارب والخبرات التي أخوضها).
أيّ أنّه يتناوب بين عوامل قَبلية، وعوامل أملك تحديدها، بانتقاء الأوساط التي أريد أن أتواجد فيها، وبانتقاء علاقاتي وخبراتي.
وقد عبّر أهل الذوق عن حساسيات مختلفة للزهد والتزكية والتوبة، توسّعوا فيها عن نظام صارم من الصغائر غير المعتبرة، بالنطر إلى قصدية الفعل وموقفه من نفسه وربّه، فقالوا أمورًا من مثل:
ومن تطبيقات هذه الحساسية الذوقية على المستوى الاجتماعيّ، إجابة العبّاس، ما يُروى عن عمّ النبيّ ﷺ، حين سُئل:
أنتَ أكبر، أم رسول الله؟
فأجاب:
هو أكبر منّي.. ولكنّي وُلِدتُ قَبلَه
عندما نرى أزواجًا يُفرطون في النشر على فيسبوك منشورات حول حبّهم وعلاقتهم، فإنّنا نميل تلقائيًا للاعتقاد بأنّهم أزواجًا سُعداء يعيشون علاقة مليئة بالحُبّ والالتزام.
لكنّ "السرّ غير اللطيف" هنا، هو ما تكشفه دراسات علم النفس الاجتماعي حول (الإفراط بالنشر) وتحديدًا دراسة للباحثة ليديا إيميري وزملائها، وهي أستاذة في علم النفس في جامعة شيكاغو، وقد وجدت في دراساتها أنّ:
الأزواج الذين يبذلون جُهدًا كبيرًا لبناء صورة رقمية خالية من العيوب لعلاقاتهم يعيشون في الحقيقة ضمن علاقات أقلّ جودة وأقلّ رضا ومليئة بالمشكلات مقارنة بأولئك الذين يُفضّلون عدم استعراض تفاصيل حياتهم الخاصّة.
الحقيقة أنّ النشر المُكثّف هنا.. ليس مُؤشّرًا على السعادة، بقدر ما هو محاولة للتعويض عن فجوة داخل العلاقة، محاولة لإظهار استقرار شكلانيّ، لا يُصادِق عليه الواقع.
من المهم أن ننتبه هنا أنّ الدراسة تتحدّث عن (المُشاركة المُفرِطة) Oversharing وليس عن مُجرّد المُشاركة أو أي مشاركة عفوية وموسمية ومُتباعدة حول العلاقة الزوجية وما يُحيط بها من حُبّ ومودّة وتعبير عن الامتنان المتبادل.
لكن لماذا نندفع للنشر عندما تهتزّ ثقتنا في شريك حياتنا؟
أثبتت أبحاث ليديا إيمري أنّ الأفراد يلجؤون إلى جعل علاقاتهم مرئية للغاية عبر الإنترنت (من خلال وضع صور الشريك كصورة شخصية، أو النشر المستمر للصور المُشتركة selfie، أو كتابة منشورات عديدة حول الشريك في التحديثات اليومية)، أقول..
تُشير الدراسات أنّ البشر يفعلون هذا، تحديدًا في الأوقات التي يشعرون فيها بقلق مرتفع وانعدام الأمان حول مشاعر شركائهم تجاههم، وفي الأحوال التي تجتاحهم فيها شكوك عمّا إذا كانت هذه العلاقة ستستمرّ أم لا، بالمستوى الّلاواعي أو شبه الواعي.
وقد توسّعت الباحثة تشين تشانغ C. Chang عام 2019 برصد هذه الظاهرة، حيث وجدت أنّ الأشخاص الذين يُعانون من هواجسَ مستمرّة حول شريكهم ومدى التزامه يكونون الأكثر استخدامًا لفيسبوك كأداة "لصيانة العلاقة"
وأكثر سعيًا لاستدرار الاهتمام وتحصيل التوكيد والمُبارَكة والثناء من الآخرين، أي أنّهم يبحثون عن توكيد حول سلامة هذه العلاقة، من أشخاص هُم بالأساس خارج العلاقة نفسها.
وبالعودة لدراسة ليديا إيمري، فقد قامت وبطريقة لافتة بمنهجية الدراسة بتتبّع سلوك المشاركين يومًا بيوم، حيث تبيّن وبشكلٍ ملحوظ، أنّه في الأيام التي يشعر فيها الشخص بالتوجّس وانعدام الأمان والشكّ المتزايد في حبّ الطرف الآخر له، يرتفع مُعدّل نشره العاطفي عن علاقته على منصات التواصل بشكلٍ حادّ في ذلك اليوم تحديدًا.
بهذا المَعنى، يعمَل المنشور هنا يعمل كـ "مُسكّن مَوضعي" فالحصول على إعجابات وتعليقات إيجابية من الأصدقاء يمنح الشخص طمأنينة خارجية مُؤقّتة تُخمِد صوت القلق الداخليّ الذي يهمس له بأنّ علاقته الحالية مُهدّدة بالانهيار.
أخيرًا، ثمّة وجه آخر ترصده الدراسات، لظاهرة الإفراط بالنشر على منصّات التواصل الاجتماعي، حول العلاقة الزوجية أو العاطفية، تتعلّق أكثر بالغيرة، غيرة أحد الأزواج، وحاجته لإظهار نفسه بجانب زوجته أو زوجه، كعملية (تقارب قسريّ) في محاولة لإبعاد أيّة مُعجبين أو مُعجبات مُحتملات..
وللأسف هؤلاء الأزواج غالبًا ما يكونون الأكثر ميلًا لممارسة المراقبة المُستمرّة بطريقة مَرَضية وعُصابية لصفحة الشريك على منصات التواصل أو ما يُعرف شعبيًا بـ Stalking وهي لعبة عاطفية خطرة، تنتهي في الغالب بإحباط الشريك الآخر تمامًا وإنزعاجه، مما يُعطي نتيجة عكسية تمامًا للتقارب المنشود.
إنّ احمرار الوجه (بفعل الخجل) يُعدّ أكثر التعبيرات الانفعالية غرابةً وأكثرها إنسانيةً على الإطلاق
“Blushing is the most peculiar and most human of all expressions”
من الملاحظات الجوهرية التي التقطها تشارلز داروين في كتابه (التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان) إذ على عكس ردود الفعل الانفعالية والجسدية الأخرى، فإنّ احمرار الوجه، لا إرادي تمامًا ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخليط الإدراكي الفجائي الناجم عن التقاء الوعي الذاتي بالوعي الاجتماعي.
من اللافت أنّ الإسلام يضع وزن نوعي مختلف لـ (الحياء) في مدوّناته الحديثية بإزاء فضائل عديدة أخرى، فالحياء عند شريحة غير قليلة من العلماء يُعتبر رأس الفضائل، وأصل لكلّ خير، محمودٌ بذاته، بل أنّه ممدوح على ما قد يأتي به من علّات ذاتية مُدركة لدى صاحبه، فقال صلّى الله عليه وسلّم: الحياء خيرٌ كلّه، وفي رواية: لا يأتي إلّا بالخير. وهو مُتمّمٌ للإيمان وأحد شُعَبه. وبإمكان المرء أن يعقد مقاربة فلسفية مُوسّعة بكل سلاسة يعقد فيها الرابط بين الحياء والانضباط الخُلقي أو السلوكي للمرء.
أوقن أنّ البشر، تحت أقصى طبقات هشاشتهم الظاهرة، يريدون أن يكونوا أخيارًا وصالحين، ويُريدون في نهاية المطاف أن يكونوا مَحبوبين.
بل إنّ معظم رذائل البشر ليست سوى محاولات لأن يسلُكوا طُرُقًا مختصرة نحو الحب.
وحين يدنو الإنسان من الموت، مهما بلغت مواهبه ونفوذه وعبقريته، فإن مات دون أن يكون مَحبوبًا، فلا بدّ أنّ حياتَه كلّها ستبدو له كإخفاق وفشل وسيكون احتضاره رُعبًا مُوحِشًا وباردًا.
وأيًّا كانت خياراتنا في هذه الحياة، سواء أكانت فكرية أم سلوكية، فينبغي علينا أن نستحضر أنّنا سنموت في نهاية المطاف، وعلينا أن نُحاول العَيش بطريقة لا يجلب فيها مَوتُنا أو رحيلُنا عن هذا العالَم السرورَ والسعادة لأيّ أحد.
يخطر ببالي أنّ الشرّ لا بُدّ وأن يُعيد إنتاج نفسه على الدوام، يحتاج إلى التجديد..
فالرذيلة دائمًا ما تبحث لنفسها عن وَجهٍ جديد!
أمّا الفضيلة والخَير فكليهما ضاربان بِالقِدَم، أزليان وخالدان، لهما هَيبة ووقار ووضوح على نحوٍ لا يُضاهيهما فيه شيءٌ آخر في هذا العالَم.
- جون شتاينبيك، شرقيّ عدن
قناة مَسَار | محمود أبو عادي
pinned «
بالزيجات التعيسة، هل يجد النّاس السعادة بعد طلاقهم وانفصالهم؟ Does Divorce Make People Happy? Findings from a Study of Unhappy Marriages أحد البحوث الممتازة والتي تناولت عيّنة إحصائية كبيرة، حيث استند الباحثون إلى بيانات المسح الوطني للأُسرَة في الولايات…
»
يعتقد البعض أن الحبّ يُصلح كلّ شيء.. لكنّه في واقع الحال، لا يفعل ذلك تمامًا.. قد يشفي الحُبّ بعض الندوب وقد يُساعد في تخثير بعض الجروح النازفة.
لكنّ ما العمل مع مشكلات ذاتية وعميقة في جوهرها؟ مشكلات لم يستطع المرء التعامل معها قبل الحبّ ولا استيعابها ولا إدارتها أو تجاوزها.. غالبًا سنرى الحبّ عاجزًا وأحيانًا متورّطًا.. وغالبًا ما تتحوّل طاقة الحبّ إلى طاقة كراهية بنفس المقدار (وهذه ظاهرة شائعة في العلاقات.. إذ بمقدار تعاظم الحب.. يزداد حجم السخط والإحباط الناجم حين يفشل الحب).
قد تعتقد أنّك ستكون أقلّ قلقًا إذا كان لديك شريك مناسب، لكنك لن تكون كذلك بالضرورة، خاصّة إن لم تكن قد اكتشفت كيف تفعل ذلك بنفسك.
لأنّ الحبّ قد يساعدك على فهم نفسك، لكنّه لن يحوّلك إلى شخصٍ آخر بالمُطلَق
، إلّا في حالات نادرة للغاية..
شيء ما يُشبه ما قاله درويش من قبل:
لا حلولَ جماعيَّةَ لهواجسَ شخصيَّة
لم يكن كافيًا أَن نكونَ معًا
رصد المحلّلون النفسيون، وبشكلٍ مُؤثّر
ظاهرة الأشخاص الذين وُصفوا بأنّهم “دمّرهم النجاح”.
أولئك الذين تحطّموا، عندما وصلوا أخيرًا
لقد كان الأمر مُحيّرًا بالنسبة لفرويد ولكثيرٍ من المُحلّلين النفسيين، ولكنّها مُشاهَدة حقيقية تتكرّر كثيرًا:
أنّ الناس يمرضون أحيانًا -وعلى وجه التحديد- لأنّ أُمنية عميقة الجذور وطويلة الأمد قد تحقّقت أخيرًا بعد طول انتظار.
إذ يبدو الأمر حينها وكأنّهم لا يستطيعون تحمّل نعيمهم، أو أنّهم فجأة تمّ إفراغهم بالكامل من أحلامهم..
فجأة -وفقط عندما يتحقّق ما كنت طوال عمرك تقاتل من أجله، وتسعى جاهدًا من أجل تحقيقه- يتحوّل كل شيء في الداخل لخواء مُوحش وفراغ مُرعِب!
المُعتاد هو أن نمرض بسبب الفشل أو الخسارة، لكن المفارقة هنا هي أنّ بعض الأشخاص يمرضون حرفيًا (أو يصابون بالاكتئاب أو العُصاب) بمُجرّد حصولهم على ما تمنّوه طوال حياتهم.
تقوم المُقاربة التحليلية على مستوى الّلاوعي بتفسير ما يحصل هنا، بالقول بأنّ النجاح قد يُوقظ شعورًا دفينًا بالذنب (مثلًا الشعور بالذنب لتفوّقك على والديك، أو لحصولك على امتيازات حُرم منها إخوتك).
فيُصبح المرض أو الانهيار هو الوسيلة الّلاواعية لمُعاقبة الذات على هذا "النعيم" الذي لا تستطيع النفس احتماله، وللتطهّر من ذنب التفوّق على إخوتك.
على مستوى التفسيرات الإجرائية الأخرى، يبدو أنّ البشر يُعلّقون آمالهم المُبالَغ بها على أهداف حياتية إجرائية، مثل أن يظنّوا أنّهم سيجدون معنى حياتهم النهائيّ عند بلوغ نقطة مُعيّنة، أو أنّ هنالك حلول لمشكلاتهم الوجودية ستبددها وظيفة أو أموال مُعيّنة.
أن تصل فتنهار.. هل يمكن لهذا أن يحصل هذا في سياق أخطر؟
للأسف، يلفت القرآن النظر إلى صورة فنّية خطيرة، أن يكونَ الإنسان ظمآنًا، ويرى ما أمامه ماءً.. يسير متوهّمًا أنّه سيصل، يصل، ثمّ لا يجده شيئًا
والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بِقيعة يحسبه الظمآن ماءً..
حتى إذا جاءه (لم يجده شيئًا)
حتّى إذا جاءَه.. لَم يجده شيئًا
عندما رصدت شركة جوجل عمليات البحث الأكثر شيوعًا في السنوات العشر الأخيرة.. وتحديدًا في أعوام محدّدة، تصدّرت أسئلة مثل:
• كيف أعرف أنّ زواجي قد انتهى؟
• كيف تبدو العلاقة الصحية؟
• كيف أنقذ علاقتي؟
ضمن قائمة أكثر عشرة مدخلات مبحوثة، ولا تزال أسئلة العلاقات العاطفية والزوجية مهيمنة ضمن محركات البحث في السنوات اللاحقة.
من الواضح أنّ الكثيرين لديهم هواجس وشكوك وحيرة حيال علاقاتهم!
ومن الواضح كذلك أنّ النّاس تدخل العلاقات العاطفية اليوم، بدون فهرس ثقافي أو مدوّنة سلوك معروفة تشرح للنّاس ما يعنيه أن تكون في علاقة عاطفية كما جرت العادة بالعلاقات التقليدية قديمًا.
يموت إرث ثقافي كامل مع أفول وتراجع الزيجات التقليدية، هذا يشمل أمثال شعبية، وحِكَم واستعارات ونكات، وتقاليد اجتماعية كان يجري فيها فحص الزوج والزوجة ضمن طقوس عبور معقّدة تضمن زيادة الآصرة الزوجية وتقليل فُرَص الانفصال.
من اللافت أنّ الحبّ في عصرنا، يتحوّل إلى (مشكلة) أكثر من كونه (حلّ) لمشكلات وجودية
، كما كان يفعل الزواج بالنسبة للكثيرين، إذ يبدو أنّ الحبّ يضع ذواتنا تحت اختبار صعب.
يَصعُب إنكار الاختبار الذي تحمله العلاقات الزوجية العاطفية والحُبّ في طيّاتها.
عندما تزوّج الشاعر الإيرلندي ويليام بتلر ييتس عام ١٩١٧، كتب له والده رسالة تهنئة حارة. قال فيها:
"اعتقد أنّ الزواج سيُساعدك في تطوير قريحتك الشعرية"
ثم قال شيئًا مثيرًا للاهتمام في رسالته:
"لا أحد يعرف الطبيعة البشرية حقًّا، رجالًا ونساءً، إلّا مَن عاش في كنف الزواج،
فالزواج بطريقة أو بأخرى أشبه بدراسة قسرية للطبيعة البشرية
"
ففي الزواج، يُجبَر الزوجان على معرفة المزيد عن بعضهما البعض أكثر مما كانا يتوقّعان وأحيانًا أكثر بكثير ممّا يرغبان هُما في معرفته عن كل منهما.
تلعب أنماط التربية الحالية دورًا أساسيًا في تشكيل هذه الحالة، فالأهالي اليوم يربّون أبناءهم ويعلمونهم كيف يتلقّون الحبّ ولماذا يستحقّونه؟ أكثر ممّا يعلمونهم كيف يمنحون الحبّ؟ وكيف يكونون حسنوا العشرة ومخلصين لمَن حولهم وكيف يديرون خصوماتهم بنزاهة ومروءة.
ففي كتابه الشهير (رسائل إلى شاعر شاب) كتب ريلكه نصّ بديع يقول فيه:
أن نُحبّ إنسان آخر، فهذا من بين جميع مهامنا البشرية، هو الاختبار الأصعب والأهم، كل الخبرات والجهود والتحدّيات الأخرى في حياة المرء، ليست سوى تحضير لهذه المهمّة الكبرى
هناك حديث آخذ بالتضخّم بالأوساط العلمية حول أثر التقنية على تراجع قدرتنا على احتمال المجهول وكيفية التعامل مع (اللايقين)، مثلًا:
• جوجل يُجيبَك عن أسئلة (لم تكن تعرف) إجاباتها
• خرائط جوجل أو Maps يجعلك تتجنّب التوهان ويُساعدك بالخروج من أماكن (لا تعرفها)
• شازام Shazam يُعرّفك على أغاني (لم تكن تعرفها)
• تشات جي بي تي، سيجيبك عمّا ينبغي عليك فعله أو قوله حين تكون تائهًا، مذعورًا أو مشوّشًا.
كل هذا كي لا تُقيم ولو لثوانٍ معدودة في براثن المجهول، كي لا تستشعر ضآلتك ومحدوديتك وحجمك الطبيعي بالوجود.
طبعًا ثمّة تطبيقات أكبر اليوم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، لأن يُجيبك بشكل فوري عن كلّ ما يشغل بالك، بصرف النظر إذا كانت هذه الإجابة دقيقة أو مفيدة أم لا،
لكنّ الشعور الذي تمنحك إيّاه هذه التقنية هو الأهم، إنّه الشعور بالاطمئنان الكاذب بأنّه (ليس هناك ما لا يمكنك معرفته).
هناك مقياس في علم نفس الشخصية، يُسمّى (القدرة على احتمال اللايقين) UT وهو مقياس هامّ جدًّا لتحديد الفروقات بين البشر في سلوكهم، وكذلك في اضطراباتهم وأمراضهم.
وقد كان المحلّل النفسيّ فرويد يرى أن أمراض النفس العُصابية هي تجلّي لخوف عميق من مواجهة المجهول.
"Neurosis is the inability to tolerate ambiguity"
بالمقابل، فإنّ البقاء الواعي في مُواجهة وضع غير مريح ومقلق، سبب أساسي لنماء الذات واتّساعها ونضوجها.
إن احتراف احتمال المجهول، وتنظيم الانفعالات في ظلّ اللايقين، وإبقاء قدر من التماسك الداخلي وعدم الهرع لأخذ قرارات اندفاعية ومتهورة هربًا من المجهول.. هذه المهارة تحديدًا ستكون أحد أهمّ المهارات للسنوات القادمة بحسب تقارير المنتدى العالمي الاقتصادي.
يُشير العلماء بطبيعة الحال، أنّ تجاوز الخوف من الضبابية مُمكن فعلًا بالتعلّم والتعرّض لخبرات حياتية أكثر، وعن طريق اعتمادنا أكثر على خوض تجارب جديدة، والذهاب بأنفسنا للمناطق المجهولة في خرائطنا الإدراكية، ومواجهة المخاطر المترتّبة على ذلك.
اِصبِر على ريبِ الزمانِ فإِنّهُ
بِالصبرِ تُدرِكُ كُلَّ ما تتطَلَبُ
- أبو فراس الحمداني
بالزيجات التعيسة، هل يجد النّاس السعادة بعد طلاقهم وانفصالهم؟
Does Divorce Make People Happy?
Findings from a Study of Unhappy Marriages
أحد البحوث الممتازة والتي تناولت عيّنة إحصائية كبيرة، حيث استند الباحثون إلى بيانات المسح الوطني للأُسرَة في الولايات المتحدّة..
ومن بين الآلاف تم اختيار عيّنة مُكوّنة من 645 فردًا صنّفوا زيجاتهم بأنّها زيجات «غير سعيدة». ثمّ جرى متابعتهم على مدى خمسة أعوام.
تخلص الدراسة إلى نتائج خطيرة تتطلّب منّا قدرًا من التأمّل:
الدراسة وجدت أنّ 43% من الأزواج غير السعداء الذين تطلّقوا، بسبب شعورهم بالتعاسة خلال الزواج،
كانوا هُم أنفسهم (غير سعداء) بعد خمس سنوات من الطلاق.
نتيجة لافتة أخرى، نسبة جيدة من المُطلّقين حديثًا وتحديدًا 60% منهم يُظهرون مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب بعد عامين من الطلاق.
وتشير النتائج إلى أنّ 19% فقط من المُطلّقين، يجدون أنفسهم في زيجات سعيدة ثانية خلال خمس سنوات بعد الطلاق.
خلاصة أخرى هامّة، نسبة تصل إلى النصف وتفوقها أحيانًا (46% إلى 66% بحسب الولاية) من المُطلّقين، عبّروا لاحقًا عن ندمهم وتمنّوا لو أنّهم وأزواجهم السابقين كانوا قد بذلوا جُهدًا أكبر لحلّ خلافاتهم بطريقة جادّة، قبل المسارعة إلى قرار الطلاق والانفصال.
وتُشير البيانات والتحليل البحثي إلى أنّ الأسباب التي تدفع الناس للبقاء في زيجات غير سعيدة مُتعدّدة ومُعقّدة، منها على سبيل التعداد:
1. الالتزام تجاه الأطفال -حيث اعتبر 67% أن انفصال الأبوين يضرّ بالأطفال.
2. عدم الثقة بإمكانية تحقيق سعادة أكبر بعد الطلاق.
3. الالتزامات الدينية والأخلاقية تجاه العهود الزوجية.
4. الخوف من الوحدة والرفض الاجتماعي.
5. وجود شبكة اجتماعية متينة للأسرة تجعل من الانفصال فعلًا مُحرِجًا.
6. الاعتبارات المالية والكفاءة المالية للفرد بعد الانفصال – خاصة للنساء اللواتي قد يواجهن انخفاضًا حادًا بالمستوى المعيشي.
لا يبدو أنّ الطلاق والانفصال حلّ واعد كما يبدو للوهلة الأولى.. بالنسبة للكثير من المشكلات الزوجية، الّلهم إذا استثنينا بعض الحالات الزوجية التي يتعثّر فيها المرء فعلًا مع شخص سامّ أو مُعتلّ نفسيًا أو إنسان مُؤذٍ وضارّ لا يعرف الرأفة ولا الذوق ولم يتلقّ أي تربية حقيقية في حياته، وهو تعثّر وارد إحصائيًا ويحصل واقعيًا، وحينها يكون الطلاق والانفصال حلًّا جذريًا وذا فائدة.
في المقابل، لا يبدو الزواج أيضًا كمَهمّة سهلة ويسيرة ولا تجربة زاخرة بالسعادة المتتالية، ومع هذا تظلّ الأسرة بُنية صلبة لمواجهة تحدّيات الوجود ونكباته الحادّة، وقد وصفها الناقد الأمريكي كريستوفر لاش بتعبير بديع ذات مرّة، حين وصفها بقوله:
العائلة هي المَلاذ..
في عالَمٍ لا يرحَمُ أحدًا!