
💐 من كل بستان زهرة 💐
لا تحزن ولا تعترف بالهزيمة في معترك الحياة،
ولا تدع اليأس يخيّم على روحك،
ولا القنوط يستوطن قلبك،
ولا الاحباط يطوّقك من كل جانب،
امض في طريقك واثقاً بالله، مؤمناً بأن العُسر لا يدوم، وأن الكرب لا يبقى، وأن الليل مهما طال فلابد أن يعقبه فجر؛ فبعد العُسر يُسر، وبعد الانكسار جبر، وبعد الهزيمة نصر، وبعد الفقر غنى، وبعد الضيق سعة.
السعادة لا تحتاج دائماً إلى تغيير العالم من حولنا؛ أحيانا تبدأ من تغيير نظرتنا إلى ما حولنا،
فالسعيد ليس من خلت حياته من المنغّصات، وإنما من امتلك قلباً يعرف كيف يرى النور وسط العتمة، وكيف يصنع من القليل فرحاً، ومن الصعوبات قوّة، ومن كل يوم فُرصة جديدة لحياة أجمل وأفضل.
من خانَ الفضلَ الأول… هان عليه كلُّ فضل ...
برُّ الوالدين ليس خُلُقًا عائليًّا فحسب، بل امتحانٌ كاملٌ للضمير....
يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:
«فمن رأيتموه ينسى فضل أمه وأبيه أو يسيء إليهما، ولو بكلمة، فلا تثقوا به ولا تعتمدوا عليه؛ لأنكم مهما أحسنتم إليه فلن تولوه معشار ما أولته أمه أو أبوه. فإذا نسي فضلهما وجحده، فهل تأملون أن يذكر فضلكم ويحفظ معروفكم؟».
هذه العبارة ليست موعظة عادية، بل قاعدة دقيقة في قراءة المعادن البشرية؛ لأن الإنسان لا يُمتحن في أخلاقه حين يكون ضعيفا محتاجا، وإنما حين يقوى ويستغني، ولا يُعرف وفاؤه حين يرجو منك منفعة، بل حين يصبح قادرا على نسيانك من دون أن يخسر شيئا.
ومن هنا كان موقف الإنسان من والديه من أصدق النوافذ التي يُطلّ منها الآخرون على حقيقة قلبه:
-فإذا جحد فضلَ من حملاه صغيرا، وأطعماه عاجزا، وسهرا عليه مريضا، وخافا عليه قبل أن يعرف معنى الخوف؛ فما الذي سيمنعه من جحود فضل صديق أو زوجة أو شريك أو وطن، حين تنتهي حاجته إليهم؟
-من يخون الفضل الأول، يسهل عليه أن يخون كل فضل جاء بعده.
والديك... هُما التاريخ الذي سبق ذاكرتك...
كل معروف يقدمه الناس إليك تستطيع أن تتذكر بدايته، إلا معروف والديك؛ فقد بدأ قبل أن تبدأ ذاكرتك....
أحسنت أمك إليك يوم لم تكن تعرف اسمها، وسهر أبوك عليك يوم لم تكن تدرك معنى التعب....
حملتك أمك قبل أن تحملك الحياة، وأنفق عليك أبوك قبل أن تعرف قيمة المال... مرضتَ فارتجف قلباهما، وبكيتَ فاضطرب بيتهما، ونجحتَ ففرحا بك أكثر مما فرحت بنفسك....
أنت لا تتذكر كم مرة استيقظت أمك مذعورة لأن أنفاسك تغيّرت، ولا كم مرة أخفى أبوك ضائقته حتى لا تشعر بأن البيت يضيق....
لا تعرف عدد الوجبات التي تنازلا عنها، ولا الرغبات التي أجّلاها، ولا المخاوف التي ابتلعاها، ولا الدعوات التي رفعاها باسمك في غيابك.
ولهذا فإن عجز الإنسان عن إحصاء فضل والديه لا يعني أن الفضل قليل، بل يعني أنه أقدم من وعيه وأوسع من ذاكرته.
قد لا يكون والداك قدّما لك كل ما أردت، لكنهما — في كثير من الأحيان — قدّما لك كل ما استطاعا، وربما كل ما كانا يملكان.....
إن التقدُّم بالسنّ والكِبَر لا يخلق حق الوالدين، لكنه يكشف أخلاق الأبناء....
فكم من ابن يتحدث مع مديره بأدب مصطنع، ثم يرفع صوته على أبيه!
وكم من ابنة تصبر ساعات على مجاملات الناس، ثم تضيق بتكرار أمها في دقائق!
وكم من إنسان يكتب أمام الجمهور عن الرحمة، ثم يجعل والديه يخافان من مزاجه داخل البيت!
أشد صور العقوق ليست الضرب ولا الطرد فقط؛ فقد يبدأ العقوق بتنهيدة ضجر، ونظرة ملل، وصوت بارد، وهاتف لا يُجاب، وزيارة تُؤجَّل، وأمّ تتردد قبل أن تطلب حاجتها خشية أن تكون ثقيلة على أبنائها.
وقد بلغ القرآن الكريم في حماية مشاعرهما أن نهى عن أدنى صوت يتسرب منه الضيق:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾....
لم ينهَ القرآن عن الإهانة الكبرى وحدها، بل أغلق الطريق إليها منذ بدايتها:
من حركة اللسان، وتغيّر النبرة، وإظهار التأفّف....
ثم لم يكتفِ بمنع الأذى، بل أمر بالإحسان الجميل:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؛ فهو ذلٌّ لا يصدر عن مهانة، بل عن رحمة ووفاء واختيار. ...
لماذا اقترن حقهما بتوحيد الله؟
قال تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
هذا الاقتران ليس مساواة بين حق الخالق وحق المخلوق، وإنما بيان لعِظم الحق بعد حق الله؛ فالله هو سبب وجودك الأول، ووالداك سببه الظاهر...
الله أوجدك، ثم جعل من جسد أمك مهدك الأول، ومن سعي أبيك سياج حياتك البكر...
وفي موضع آخر قال سبحانه:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
فجعل شكر الوالدين تاليًا لشكره؛ لأن من لم يتعلم الاعتراف بالنعمة القريبة التي عاش آثارها ببدنه، كان جحوده لما لا تراه عيناه أقرب.
يُروى أن رجلًا من التابعين مرض، فلما دخلت عليه أمه نهض ولبس وتجلّد وأظهر القوة، حتى إذا خرجت سقط من شدة مرضه، فقيل له في ذلك، فقال:
«إن أنين الأبناء يعذب قلوب الأمهات».
وليس المقصود من هذه الرواية أن يخفي الإنسان مرضه، بل أن نفهم ذلك النوع العجيب من الرحمة: أن يتألم المرء مرتين؛ مرة لوجعه، ومرة لأنه يعرف أن وجعه يؤلم أمه.
ولهذا لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، ثم قال: «أمك»، ثم قال: «أمك»، ثم قال في الرابعة: «أبوك».
صحيح البخاري
تكررت الأم ثلاثا، لا لأن الأب قليل الحق، بل لأن الأم انفردت بأثقال لا يحملها سواها: حملا ووضعا ورضاعا، ثم شاركت الأب في التربية والرعاية....
حملته ضعفا على ضعف، ثم ظل قلبها يحمله بعد أن عجز ظهرها عن حمله.
إحسان الفقيه
رسالة خاصة.. إليك أنت!
ربما لا أعلم من أنت، ولا في أي مكان تعيش، وما عملك، وما جنسك، وما دينك، لكنني أُوقِن أن هذه الرسالة، التي وصلتْك وقرأتها، إنما أنت المقصود بها، ربما لستَ الوحيد، ولكنك مخصوص بها على وجه التأكيد.
فلا تُهمل قراءتها، ولا تغفل عن رسالتها، ولا تُشغل نفسك بمن كتبها، ولكن أحسِن استقبالها، فقد يكون فيها سرٌ لك لا أعرفه، وربما كُتبت من أجلك دون أن أعلم؛ لكن تَيَقَّن أنها رسالتك، وأنت المعني بها، رسالة قُدِّرت لك من لدُنِ الخفاء الإلهي، فلا تُضيّع وقتك في غير ما اختصك الله به لأجل هذه اللحظة، وهذا المسار الموعود.
بينما أنت منشغل بهموم دنياك: مَن أقبل عليك ومَن جفاك، ومَن سبقك ومَن أعرض عنك، أو مَن أتاك، وأنت مشغول بنفسك وتطلعاتها، وتدور في محراب هواك وأوديتها.. هناك خَلْقٌ يسبقونك الآن، هناك من يغرسون الآن، وهناك من يجدّون وأنت تلعب، ويزرعون وأنت تلهو، ويبنون وأنت تهدم، ويرتفعون وأنت تهبط، وينطلقون وأنت تُسوِّف، ويُشمّرون عن ساعد الجد وأنت قابعٌ متخوّف.
لو نظرتَ إليهم لرأيتَ ألسنتهم لا تفتر عن ذكر ربها بآلاف، بل بعشرات الآلاف، من التكبيرات والتسبيحات والتهليلات، وهناك من يقطع الساعات في تلاوة وتدبّر الآيات، وهناك من يُقيم الليل لا يفتر، وهناك من يسعى في حوائج الناس، وهناك من يبحث عن مريض ليعوده، ومَن يتفقَّد محتاجاً ليُغنيه، أو مكسور الخاطر ليجبره، هناك من يعمل بلا كلل، ويُقبل بلا مَلَل، ويُناجي بلا فتور، وكل واحد منهم يحمل في قلبه حرقة الوصول، ويخشى أن ينقطع به الوَرد.
وأنت ما زلت تلتفت مُتَشاغلاً بمن أتى ومَن ذهب، ومَن جمع ومَن ترك، أو تنشغل ببدنك ووزنك، أو ثيابك ولباسك، أو ما تملك وما تجمع أو تزرع، أو ما فاتك وما ضاع منك، وما بعت وما اشتريت، وما خسرت وما أكلته الضباع منك!
ألا تُفكر أن تنزل إلى ميدان السباق، وأن تحرق سفن التردد والتواني، ويكون هدفك اللحاق، أو تُسارع مع المتنافسين لتفوز؟
فإذا أردت ذلك، فاعرف حقيقة مهمتك، وحدِّد أصل معركتك، وتيقّن أن الفَوْتَ هناك هو الفَوْتُ، وأن الفوز ليس هنا، ولكن بعد الموت.
قُمْ، وألْقِ ما في يمينك، وأعلِن ثورة على ما يشغلك، وتوقف عن العبث، ونادِ السائرين المسرعين أن: خذوني معكم!
والحَقْ بقوافل السائرين، واخشُر قلبك معهم، ولُذْ بصحبتهم؛ حتى لا يفترسك ذئب الفراغ، أو تلدغك حياتُ الهوى، أو تُغرِّر بك ثعالب الطريق.
فأنت متى صرختَ في نفسك فأنهضتها من سُباتها، وأيقظتها من غفلتها، وخوّفتها عاقبة التخلف وسوء مصير التوقف ومرارة الحرمان من التعرف، وبؤس طعم الصَّرْف عن الطريق؛ لربما تذكَّرتْ فبَكَت على ما فاتها، أو ندمت على ما فرّطت، أو سجدت سجدة الأوّابين.
فيُفتح لها الباب، ويناديها ربُّ الأرباب، فيُذيقها من لذة المناجاة ما يُداوي به جراحاتها، ويجمع شعْثَها، ويفك قيود أسرها، فتطير مع أسراب المحبين تُغرِّد بالمحبة وتهيم بالشوق وتتعالى على كل القيود.
فتلتفت التفاتة إلى ما كان يشغلها لتُدرك ساعتها أن الحقائق ليست هنا بل هناك، وما يوجد هنا إلا الخيال والأوهام! فلا الفقير فقير، ولا الغني غني، ولا الصحيح صحيح، ولا المريض مريض، ولا الأسير أسير، ولا الطليق طليق.. ستتغير كل المفاهيم.
سترى أن الفقر ليس في الفقْد، إنما الفقر في حرمان الذكر، وأن الغنى ليس بالاكتناز، إنما الغنى بالرضا والاكتفاء، وأن السعادة ليست فيما أخذت، إنما السعادة فيما أعطيت أو فيما تركت، وأن الرزق ليس شرطاً أن يكون فيما أعطاك، بل قد يكون عين الرزق والغنى فيما حُجِب عنك فحماك.
سترى في قوافل السالكين أفواجاً لا طاقة لأحد بمُسايرتهم، وكأن الملائكة تأخذهم على أجنحتها تسرع بهم للحاق بفيوضات الإحسان، فتُدرك أن شهرتك في عالم الزوال خَبَلٌ وأوهام، وإنما العبرة بمَن اشتهر في القوافل، وسبق في التنافس، وغاب عن نفسه فخفّ وزنه وعلت همته، فارتقى فوق السحاب، فصار حُراً من قيود الأرض، سكنت روحه وهدأت جوارحه؛ لأنه استراح من نفسه ووصل إلى ربه.
لا تصل إليه أصوات العابثين، ولا يرى صور اللاعبين، ولا يشغله شاغل، ولا يحجبه حاجب، ولا يمنعه حاجز، فأولئك هم الذين غرس الله كرامتهم بيده، وحجبهم عن الخلق ليكونوا له وحده، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ما أعدّه لهم ربهم من الأفضال على قلب بشر.
فانظر أين أنت، وماذا تريد؟ فقيمتك بقدر همك، فلا يكن لك قبل الوصول همٌّ، ولا قبل اللقاء راحة، ولا قبل الجنة منزل.
د. جمال عبد الستار
فائدة
لمن أراد القوةَ في بدنه وكلامه وكتابته وفي شؤونه كلِّها
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى:
«الذكر يُعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر مالا يطيق فِعله بدونه، وقد شاهدتُ من قوة شيخ الإسلام ابن تيميّة-رحمه الله - في مِشيته وكلامه وإقدامه وكتابته أمرًا عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أي أسبوع أو أكثر، وقد شاهد العسكر من قوّته في الحرب أمرًا عظيمًا.
وقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وعليًّا-رضي الله عنهما أن: يُسبّحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويُكبّرا أربعًا وثلاثين؛ لمّا سألته الخادم، وشكت إليه ما تُقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلّمها ذلك، وقال: (إنه خيرٌ لكما من خادم)
فقيل: إنّ مَن دَاوم على ذلك وجد قوةً في بدنه مُغنيةً عن خادم».
الوابل الصيّب ( صـ ١٨٥ ).
أجمل صفات الرجل والمرأة في صفحة:
﴿فَجَاءَتهُ إِحدَاهُمَا تَمْشِي على
استِحيَاءٍ
﴾
﴿قالت إِحدَاهُمَا يا أَبَتِ استَأْجِرهُ إِنَّ خير من استَأْجَرتَ
القَوِيُّ الأَمِين
﴾.
من أعظم المصائب أن يموت الخوف من الله في قلب العبد؛ فلا يعود للذنب وقعٌ، ولا للمعصية رهبةٌ، ولا للطاعة لذةٌ.
إن انطفاء الوجل وموت الفطرة مع تتابع نعم الله خسارةٌ عظيمة؛ فالقلب إذا فقد هيبته من الرقيب هان عليه كل شيء، وإذا عُمِر بالتقوى أحياه الله وإن كان فردًا.
فاسأل الله دائمًا قلبًا حيًّا؛ فحياة القلوب هي الحياة الحقيقية، وما عداها فموتٌ.
أتَى رجلٌ ابن سيرين، فقالَ لهُ : خَطبتُ امرأةً فرَأيتُها في المَنام.
فقالَ لهُ ابن سيرين : كيفَ رَأَيتَها؟
قالَ: رأيتُها سَوداءَ ، قَصيرةً ، مَكسورةَ الفَم.
فَقالَ ابن سيرين : أمَّا الَّذي رأيتَ مِن سَوادِها فإنَّها امرأةٌ لَها مَال، وأمَّا ما رَأيتَ مِن كَسرِ فَمِها فإنَّها امرأةٌ فَظيعةُ اللٌّسان ، وأمَّا ما رَأيتَ مِن قِصَرِها فإنَّها امرأةٌ قَصيرةُ العُمرِ، وتُوشِكُ أن تَموتَ عاجلاً.
فَذَهبَ الرَّجُلُ فتَزَوَّجَها !
بَهجةُ المَجالِس / ابنُ عبدِ البَر
يظلّ الرّجل قويّ الشّكيمة، مرهوبَ الجانب، قاسي القلب، جامد العاطفة، حتّى إذا أحبّ خارت قواه، وسهل جانبه، ولان قلبه، وتفجّرت ينابيع العاطفة من أحشائه.
الحبّ أجمل شعور يحياه المرء لوّثه أهل الفجور حتّى لكأنّهم استبدّوا به، وأهل العفاف أحقّ الناس به.
- محمد عبده.
📌
قال العلامة ابن القيم رحمه الله:
« كل من بحث عن السعادة في معصية الله، يُعاقبه الله بضيق الصدر، والنكد، والهموم ».
📚
روضة المحبين (ص: 362).
من أراد السعادة الحقيقية، فليلزم طاعة الله، ففيها راحة القلب
، وانشراح الصدر، والبركة في الدنيا والآخرة.