
مُدْرك
إنّي لأعجبُ كيف تُخالفُ طبعًا ألفتَه، وتُنافرُ حالًا ما نشأتَ إلا في كنفها، كيف تُغاضبُ وأنت الشفوق، وتجفو وفي قلبك من الحنين ما لو نطق لأوجع، وتنأى وما تزال آثارُ خُطاك على عتبة الباب، وتصمتُ والودُّ بيننا أحقُّ بأن يكون حديثك!
أفقد طاب لك الرحيل، أم ضاق بك مقامٌ كان يومًا مألفَ روحك؟ أبلغ بك التبديلُ أن تستبدلَ بالأنس وحشةً، وبالقرب غيابًا، وبما ألفه قلبك ما لا يعرفه؟ أم أنّ في صدرك من العتاب ما أعجزك عن البقاء، ولم يُعفِك من الحنين؟
ذكر ابن الجوزي في ذم الهوى ما قاله أنس: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت فهل تخاف علينا شيئًا؟! فقال:
«أخافُ عليكم تقلُب القلوب؛ ولقلبُ ابن آدم أسرع إنقلابًا من القدر إذا استجمعت غليانًا!».
كأن رسول الله يُنبهنا أن إعوجاج الخُطى يُفضي إلى خذلانٍ معهود!
فأصدق الشوق وأضناه ليس أن تشتاق إلى من غابوا فحسب، بل أن تشتاق إلى نفسك التي كنتها بينهم، وإلى الحياة التي كانت لك حين كانوا معك، حتى يصبح الحنينُ شوقًا إلى أشخاصٍ وإلى زمنٍ وإلى قلبٍ لم يعد كما كان.
اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بك، يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، ويا مجيب دعوة المضطرين، يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.. سبحانك وحدك لا شريك لك.
أمانُك النفسيّ في ألَّا تظن أنك شيءٌ أو لك شيءٌ، أو حتى تظن أن يكونَ لك هذا الشيء؛ حتى إذا فقدتَ شيئًا أو لم يأتِكَ شيءٌ أو حدث لك شيءٌ، لم تفقد أيّ شيء! وهو معنى قوله تعالى: "لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ" وجماعُ ذلك أن تجعلَ مقاليدَ أمرك بيدِ مَولاكَ، فلن تَجِدَ أينما توجهتَ إلّا خيرًا.
الشيخ عماد عفت، رحمه الله
لك الحمد في منع وفي عطاء، ولك الحمد في حزن وفي فرح، ولك الحمد علي جميل تدبيرك وعجيب اقدارك ولك الحمد ياربنا أنك ربنا مالك امرنا وململم شعثنا ومستقر دعاءنا وملجأنا وملاذنا الأوحد.
يا باسط يا واسع يا حيي يا كريم يا جميل! يا رب، سبحانك وبحمدك لا شريك لك.
"يا رب، هذا عبدُك، ولا يليق بكرمك أن يخرج عبدُك من بابك مكسورًا، ولا يليق بجودك أن يرجع راجيك خائبًا، فأنت الكريم إذا سُئلت، والرحيم إذا رُجيت، والغني إذا افتقر إليك عبادك، ولا أكرم منك، ولا أرحم منك، ولا ألطف منك، سبحانك وبحمدك
ولتعلم يا مسكين، أنه ما مضى من حياتك لا يُدفع باليأس ولا بالحزن، بل بالرضا والحمد، ويُحصن بالتوحيد والتوكل، تلك السكينة المطمئنة، وسلامة القلب، ومعية العناية من الله، والملاذ الآمن هو: أنه ما قدر الله لعبده شراً، وكفاية المؤمن وغاية راحته أنه إذا ما سلّم لله = تغتسل الروح من شوائب الغم وعوالق الكدر.
اللهم اجعلنا ممن لطفت بهم يوم كتبت أقدارهم، وجعلت الرضا زادهم، اللهم إنا نشكو إليك تلهفنا على الدنيا، وانقيادنا في طاعة الهوى، جاهلين بحقك، إلهي، إليك المفر من دار كثيرها لا يُشبع، وأنه لا يشقى عائد إليك، سبحانك وبحمدك.