ترك
الحياة ليست عادلة لكنها دقيقة
تعطيك ما لا تريد لتصنع منك ما لا تتوقع مهدي الاشقراني
بين وردةِ الياسمين وبذرِ المرجان مسافةٌ لا تُقاس بالخطى بل بالدهشة
هكذا قال مهدي وهو يحدّق في فكرةٍ لم تنضج بعد
في صباحٍ لم يكن صباحًا تمامًا كانت وردةُ الياسمين تفتح بياضها كأنها رسالة من عطرٍ نسي اسمه بينما في قاع بحرٍ بعيد كان بذر المرجان يحلم بيدٍ من ملحٍ تُعيد تشكيل العالم
قالت الياسمينة أنا ذاكرةُ الهواء
وقال بذر المرجان وأنا ذاكرةُ الصمت
وحين مرّ الزمن بينهما لم يحمل ساعةً بل حمل سؤالًا
كيف لشيءٍ يولد في الضوء أن يفهم شيئًا يتكوّن في العتمة
عندها حدث ما لا يحدث
انحنى العطر قليلًا نحو البحر
وصعدت حبة المرجان قليلًا نحو السماء
فالتقيا في فكرةٍ واحدة
أن الجمال ليس في المكان
بل في تلك الرغبة الخفية التي تجعل الأشياء البعيدة تتذكّر أنها كانت يومًا شيئًا واحدًا قبل أن يفرّقها الوجود
ومنذ ذلك اليوم صار الياسمين حين يزهر يشعر بملحٍ خفيف في قلبه
وصار المرجان حين ينمو يسمع في أعماقه رائحةً تشبه الضوء
وهكذا ظل العالم يمشي بينهما
لا بحرًا كاملًا
ولا حديقةً كاملة
بل حكايةً صغيرة كتبها العطر ووقّعتها الأعماق دون أن يدري أحد
مهدي الاشقراني
لا يقاس الإنسان بما يملك بل بما يتركه من أثر في قلوب العابرين فالأشياء تفنى أما الأثر الصادق فيبقى شاهدا على أن الروح مرت من هنا مهدي الاشقراني
لا تخف واجه قلبك فالذي يهرب من ظله سيجده ينتظره عند أول ضوء مهدي الاشقراني
كل الجهات كانت تؤدي إليّ
لكنني في كل مرة أصل
أكتشف أنني كنتُ مجرد احتمالٍ
ضاع بين سطرٍ وحكاية مهدي الاشقراني
أنا لا ألوم أحدا فالحياة لا تظهر إلا الواجهة أما الأعماق فهي سر صاحبها يا أمي مهدي الاشقراني
قصة عودة الماء إلى مجراه
مهدي الأشقراني
كان النهر يسير في الأرض كما تسير الفكرة في عقلٍ يقظ
هادئًا منتظمًا لا يتوقف إلا ليمنح الحياة معنى
ثم جاء زمنٌ انحسر فيه الماء
فبدت الضفاف عارية
وتشققت الأرض كأنها صفحةٌ نُزعت منها الكلمات
قال الناس انتهى الأمر
ورأوا في الجفاف خاتمة لا رجعة بعدها
غير أن النهر لم يكن ميتًا
بل كان صامتًا
كان الماء متواريًا في الأعماق
يجمع شتاته
ويعيد ترتيب انسيابه بعيدًا عن أعين اليأس
مرّت الأيام ثقيلة
والريح تعبر المجرى الخالي كأنها تفتش عن أثرٍ قديم
لكن في لحظةٍ لم ينتبه لها أحد
تحركت قطرة
ثم لحقتها أخرى
ثم انساب الخرير خافتًا، قبل أن يعلو صوته ويملأ المكان
عاد الماء إلى مجراه
لا لأن الطريق كان سهلاً
بل لأن طبيعته أن يمضي
وغسل التشققات
وأعاد للضفاف ملامحها
وجعل الأرض تتنفس من جديد
حينها أدركتُ أن بعض الانقطاعات ليست نهاية
بل استعدادًا لعودةٍ أصدق
وأن ما خُلق ليجري
قد يتأخر
لكنه لا ينسى طريق