
نهلة الهبيان "فَيْء"
تتمنى الشيء وقلبك يتحسسه، يود لو يأنس منه قربًا، وعينك تطلبه من ربها دون كلمة واحدة تخرج، فإذ بك تجده عندك ولم تنقضِ ساعتك بعد، وآخر تتمنى وتدعو وتُلح، ولا تترك موضع إجابة إلا ترفع فيها حاجتك، وتمر الأيام، ولربما السنون ولا تأتي، وقلبك مغصوص ونفسك مرتابة، ولا تكاد تستوي على نسيان إلا وتعود أشد لهفة لها.
فيا أيها المتشكك..
ما لك جحدت الأولى وتنكَّرت لحالها، وظننت السوء في الثانية؟!
أليس ربُّ العطاء ربُّ المنْع؟!
أعطاك وما نقصت خزائنـه، أعطاك ليُعْلِمك أنـه يسمع شوقك الذي لم يترجمه لسانك، وأعطاك بحكمة بالغـة وحده يعلمها، ومنعك فرحمك من اختياراتك إذ قد تشقيك ولا تُسعدك، ومنعك ليُعْلِمك أنـه الأعلم بما ينفعك، ومنعك ليرى منك التسليم والرضا، ولم يمنعك إلا كما أعطاك بحكمته البالغـة { وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ } خلاصة الأمر مُنهية ذاك الصراع المستخفي تحت جلدك، المفضوح في كلمات يأسك ونظرات عينك كلما رأيت أمنيتك بيد غيرك.
يا أيها المترقِّب، ما أعطاك وما منعك إلا ليُلْجأك إليه، حيث تجد أمان روعِك وتسليم جارحتك.
يا أيها المشتاق، علامَ الحـزن على مجهول لا يبين خيره من شره؟!
يا أيها الداعي، لِمَ اليأس واللّه من فوق سبع سماوات يقول لك بتصاريفه فيك: يا عبدي إني معك؟!
|•كتاب•|
#اللطف_الرباني
#حدائق_ذات_لطف
#نهلة_الهبيان
{ یَـٰمَرۡیَمُ ٱقۡنُتِی لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِی وَٱرۡكَعِی مَعَ ٱلرَّ ٰكِعِینَ }
[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٤٣]
ها هي مريم تقنت وتطيل في العبادة امتثالًا لأمر ربها وإخلاصًا له في عبادته.
وهل يمتثل بهذه الطريقة إلا صاحب قلبٍ مُعلَّقٍ بربه، مدركٍ تمام الإدراك لعظمته جلَّ في علاه؟!
كأني بها تترقى في عالم المعية الربانية بجناحين من محبةٍ أنسياها مشقة الطريق ومحدودية القدوة الجسدية.
وكأني بها تُعدُّ، وهي الأنثى التي انقطعت عن الناس فلم تحظَ بثقيل خبرةٍ في معاملة النفوس وتقلباتها، فتُثقَل في محرابها بزادٍ رباني هو الأغنى لها في المواجهات القادمة.
هذه مريم الطاهرة العابدة، فكيف بنا نحن أهل التقصير والأهواء؟!
فما أمسَّ حاجتنا إلى خلوةٍ تنقطع فيها النفس عن علائقها، وتصفو وتخلص إلى ربها؛ فيتلمس الواحد منا معنى الاصطفاء والأنس بالله.
ولا شك أن المؤمن الحق في أُنسٍ دائمٍ مع ربه وإن كان محاطًا بالآلاف، لكن هذه الخلوة بمثابة تربيةٍ إيمانيةٍ للنفس؛ تنشئها على التعلق بالله وحده دون سواه من الخلق؛ فإذا ما وقع البلاء، ومضى القدر بالاختبار، كانت فزعة المؤمن الأولى إلى ربه الذي امتلأ به في انقطاعه عن الناس.
لقد وصف جل جلاله المؤمنين بأنهم:
{ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ یَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفࣰا وَطَمَعࣰا وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ }
[سُورَةُ السَّجۡدَةِ: ١٦]
فهم في أوقات راحتهم وسكونهم، بعيدًا عن الأعين، يقومون بين يدي ربهم يدعونه، فإذا ما خرجوا في الناس أنفقوا من رزق ربهم لهم نفقةً طيبةً مباركةً؛ ماديةً كانت أو روحيةً؛ فتبسمهم نفقة، وكلمتهم الطيبة نفقة، ودرهمهم نفقة، ووجودهم بين الناس بسيماء الصلاح نفقة.
هؤلاء أناسٌ علموا تمام العلم أنهم لله؛ فعاشوا عليها، ولم يدخروا شيئًا من أنفسهم، كبيرًا كان أو صغيرًا، إلا جعلوه في سبيله.
فاللهم ألحقنا بركبهم السائر إليك.
|•كتاب•|
#وقري_عينا
#في_ظلال_القدوة_القرآنية
#نهلة_الهبيان
ولكنَّ العظيمَ يعيشُ في امتلاءِ نفسِه وعالمِه الداخليّ، تُسمِّيه اللغةُ أحيانًا: الفِكرة؛ وتُسمِّيه أحيانًا: الصَّمت.
ـ الرافعي ـ
ومن الصمتِ أنواعٌ: ..ونوعٌ يَغشى الإنسانَ العظيمَ ليكونَ علامةً على رهبةِ السرِّ الذي في نفسِه العظيمة..
ـ الرافعي ـ
جزى الله خيرًا كل أم..
تحكي لصغارها عن ذاك المشهد الغائب عنهم في تاريخ الأبوة، المشهد الأكثر وفاء للعائلة، والأشد ثقلًا في حياة الكبَد لأجل الصغار، حين يأتي الأب متأخرًا، وقد نام صغاره؛ فيكتفي منهم بقُبلة على الجبين، وقلبه يتضور شوقًا لكلمة "بابا وحشتني" من فم ابنه، أو عناقًا طويلًا من ابنته، تستحي منه مشاق اليوم فتهجر كتفه، حتى ينتصب لها دون تعب.
وحين يستيقظ قبلهم، ويخرج باكرًا إلى عمله، وما فطوره الصباحي، إلا نظراتٌ على العيون الغافية في أمان وسكينة؛ ليعود ليلًا، ويتكرر المشهد من جديد، حتى يأتي اليوم الذي يجتمعون فيه، أو حسب ما يتيسر له؛ لتلتقط الصور الحية الناطقة، المليئة بالمشاغبة واللعب، والقصص والحكايات، والشكايات، وبعض الدموع، والكثير من الوعود والهدايا!
وجزى الله خيرًا كلَّ أب..
لا يزن مكابدتـه مقابل سعادة أبنائه..
لا يمن عليهم نفقتـه، ولا يعدد لهم في الرائحة والجيئة ما يأتيهم بـه، وما يفعله لأجل راحتهم، ولا ينتظر حتى يبلى الثوب، وتقرقر البطن، وتذبل العيون تلهفًا إلى متاع من متاع الدنيا؛ بل تهون عليه مشقته أمام لعبةٍ، تتشوف إليها عيون الصغار، لا يخشى كلمة بابا خوفًا من أن تأتي متبوعـة بـ " هات"، وإن كان قُبلة، أو احتضانًا، أو كلمة حنونة من أبٍ، لا يرون الصورة الآمنة للعالم إلا من خلاله!
وجزى الله خيرًا ابنًا..
رأى من أبويه البذل، والعطاء، والحب؛ فشكر، وقبَّل الأقدام قبَّل الأيدي، وأدى حق معروفهما برًّا بهما، وإحسانًا لهما في حياتهما، ولم يستعلِ، ولم يتبطر عليهما، ولم يطغَ فيما يطلب ويريد، ولم يحملهما فوق وسعهما طمعًا وجشعًا، وامتد بره لهما دون انقطاع: ذكرًا حسنًا لهما في ذريته، وحتى يلقى الله، وعملًا صالحًا يصل فيه حياته الدنيا بحياتهم الآخرة!
وجزى الله خيرًا..
كل طيبٍ حنون رقيق، سهلٍ هين لين رحيم، لا يُنكر الفضل،
ولا ينسى المعروف..
فبهم تقوم البيوت على أعمدة راسخة من السكن،
وتستنار مصابيح الأبوة والأمومة والبنوة، وتستمر،
ولا تشقى بأهلها صغارًا وكبارًا!
|•كتاب•|
#جلسة_مصارحة
#تعيد_ترتيب_فوضاك
#نهلة_الهبيان
ولأني موقنة بأنني سأغدو يومًا ما "ذكرى" في حياة من عرفت،
أو حتى من عبرتُ طريقه على سبيل الصدفة؛
سعيت بكل ما أوتيت من قلبٍ وصدق،
أن أكون ذكرى طيبة...
ذكرى إذا قفزت إلى المخيلة؛ ابتسم صاحبها ودعا.
وهذا جهدي فيما أملك.
أما من أرادها غير ذلك؛
فقد تولّى بنفسه وَسْم الذكريات بظنونه،
عند كل إفلاتٍ ومغادرةٍ من الوجدان قبل المكان والزمان،
بعدما أجهدنا ـ والله يشهد ـ بتشويه كل لوحةٍ نضرةٍ بشوشةٍ رسمناها له بودٍّ خالص، ونيةٍ طيبة، عند كل لقاء، وفي كل معاملة..!
#أثر
#نهلة_الهبيان
هناك نوعٌ من السعي يؤجر عليه المرء لا يعرفه كثيرٌ من الناس، السعي في حفظ لسانك، سلوكك وأفعالك، الكد والتعب في مقاومتك ومغالبتك لشهواتك، اجتهادك المستميت ومحاولاتك المتكررة في الحفاظ على سلامة قلبك وإيمانك، الجهد والمغالبة في ألا تكون واحدًا ممن يسيئون صنعًا فيؤخذ عليك في حياتك ومماتك.
هناك صنفٌ من المساعي محاولة المرء فيه هدايةُ سبيل ومعيةٌ من الله وتوفيقٌ لكل ساعِ.
❤️
🕊️
#سمية_
,الشيخ
الأحزان العزيزة لا يُباح بها إلا عند العزيز الحكيم.
قم وتوضأ، وافترش سجادتك، وضع أثقالك بأي لغةٍ تعرفها، وبأي مقدارٍ تقوى على البوح به.
هنا، في صلة الله، لا أحد يستعجلك، ولا أحد يتأفف إن أطلت.
المحراب محرابك...
فأحسن استقبال مولاك، وقف بين يديه ما طاوعتك نفسك، حتى تجد الراحة.
فكما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال:
"يَنْزِلُ رَبُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حين يبقى ثُلُثُ الليلِ الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ مَن يسألني فأعطيَه؟ مَن يستغفرني فأغفرَ له؟".
رواه البخاري.
وأما عني...
فأكاد أسمع صوتَ أحدهم يقول لي الآن:
أنتِ تسألين عنها بالمرات، والأَوْلى أن تسألي عنها بالليالي الطوال.
والحمد لله...
ما عهدتُ فجرَها يأتي إلا وأنا أتقلَّب بين لطفٍ وجبر.
|• من كتاب•|
#اللطف_الرباني
#حدائق_ذات_لطف
#نهلة_الهبيان