نايف بن نهار
عالم الأفكار من أكثر العوالم تعقيدًا؛ لأنه عالم تجريدي لا يُرى بالعين المجردة، فأنت لا ترى من الفكرة إلا ما سمحت به إمكاناتك العقلية، ولذلك أحيانا تعرض فكرة على شخص وأنت تعتقد كمالها، فيفتح لك زاوية جديدة لم تفكر فيها، ثم تضيف هذه الزاوية إلى الفكرة، وتعرضها على شخص ثالث فيحدثك عن زاوية أخرى، وهكذا كلما تعرض أفكارك ستجد زوايا جديدة لم تفكر بها.
لذلك كان أمر المسلمين {شورى بينهم}؛ لأن التشاور عبارة عن ضم عقول الآخرين إلى عقلك، فتتكامل قدر الاستطاعة، أما من تفرّد مع نفسه فهذا عادةً ما تتراكم عنده الأخطاء دون أن يشعر بها، بل أحيانًا حتى لو اكتشفها يصعب عليه تغييرها؛ لأنه قد بنى عليها الكثير.
وأذكر مرة أني سمعت عن شخص أنفق أكثر من ثلاثين سنة في تحقيق مشروعٍ له في القرآن، ففرحت بذلك وذهبت إلى مقابلته، فكانت المفاجأة أن المشروع مبني على مغالطات لا تستقيم مع منهاج القرآن.
فكان أول سؤال سألته: هل شاورت أحدًا قبل الانطلاق؟ هل ناقشت أحدًا في فرضياتك الأساسية؟
فكان الجواب: لا؛ لأنه كان يخشى من سرقة فكرته.
هذا الأخ أسأل الله عزوجل أن يكتب أجره على ما قدمه، لكنه دفع عمره ثمن غياب الشورى واستثمار عقول الآخرين، وأما الخوف من سرقة أفكارك فهذه حجة واهية لا يصح أن يلتفت إليها المؤمن، فأن تُسرَق فكرتك خيرٌ لك من أن يُسرق عمرك.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً}.
هذه الآية لا يمكن أن يقولها سوى رب العالمين، فمن ذا الذي يأمر جيشه في لحظة الاشتباك المسلّح ورؤية الموت عيانًا أن يتأنوا ويتأكدوا حتى لا يظلموا الطرف الآخر؟
في مثل هذه اللحظات لا يهم الجندي سوى النجاة، ولا يهم القائد سوى الانتصار، لكن يفاجئك القرآن أنه يصرُّ على حضور العدالة حتى في زحمة السيوف وحضور الموت.
ورشة تدريبية على تدبر القرآن
https://waei.qa/ar/events/event-1789079666167
https://youtu.be/VwthjTFnglE
محاضرتي بعنوان "أقومية القرآن: من الإمكان إلى التمكين".
تجدونها على الرابط الآتي
لم أكن أمتلك في السابق معيارًا واضحًا في اختيار من حولي من الناس، فمرةً يغريني في الإنسان سعة علمه واطلاعه، وتارةً يغريني ذكاؤه وسرعة بداهته، وكرةً فصاحته وحسن حديثه، وطورًا اجتهاده وتجلّده في العمل، وغير ذلك من المعايير التي تجعلك تميل للاقتراب منه والعمل معه.
لكن حين عدتُ إلى القرآن وجدت المعيار واضحًا، وهو معيار الصدق {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}.
تساءلت: ما الفئات الأخرى التي أمرنا الله أن نكون معها؟ ذهبت أبحث في القرآن وكانت المفاجأة أن جملة "كونوا مع" لم تأت في القرآن إلا مع فئة الصادقين!
وحين تتفكر تجد أن الواقع يثبت فعلاً أن صفة الصدق هي المركز والجوهر، لأن غياب الصدق يعني انتفاء الثقة، وانتفاء الثقة يعني انتفاء الأرضية التي يُمكن أن تُبنى عليها أي علاقة إيجابية دائمة.
لذلك لا تغريك مزايا الناس إن لم تكن تنطلق من قلب صادق، نعم يمكن أن تكون لك علاقات معهم وتستفيد من مزاياهم، لكن لا تجعل مزاياهم تغريك لإدخالهم في دائرتك القريبة، هذه الدائرة احرص دائمًا على ألا يدخلها إلا الصادقون.
من الأخطاء المنهجية في التعامل مع القرآن أن نقتصر على أداة اللغة في فهم الآيات، وأن نجعل الصناعة اللغوية وحدها كافية لإطلاق العنان في فهم آيات الكتاب.
فتجد بعض اللغويين يتعامل مع الآية على أنها جملة معزولة عن أي سياق أو شبكة مفردات وقرائن أو مثانٍ ونظائر، وإنما يتعامل معها على أنها جملة مستقلة منبتّة عن كل ما سواها، وقد أشار أبو حيان الأندلسي لهذا الخلل حين قال: "علم التفسير ليس متوقفا على علم النحو فقط كما يظنه بعض الناس".
فمثلاً حين يأتي إلى آية {وأما بنعمة ربك فحدث} فهو يتعامل معها على أنها نكرة مضافة فهي إذًا تفيد العموم، هكذا انتهى الأمر عنده، دون أن ينظر في المعهود القرآني لمفردة "نعمة ربك" واستعمالاتها القرآنية، كقوله تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}، ودون أن ينظر في علاقة هذا المعنى العام بموضوع سورة الضحى التي وردت الآية فيها، ودون أن ينظر إلى سياق الآيات وعلاقة هذا المعنى العام بما قبله (التقسيم الثلاثة ومقابلاته)، ودون أن ينظر في مثاني هذه الآية ونظائرها.
هذا التعامل التجزيئي مع القرآن، والتعامل مع كل آية على أنها بُنية مغلقة على مفرداتها وتراكيبها، هو أساس الخلل عند بعض اللغويين الذين جعلوا الصناعة اللغوية قالبًا للتفسير وليس مجرد أداة تعمل ضمن منظومة أدوات منهجية أخرى.