
┊❥الكاتبة🦋 نرمين نحمدالله🦋
على رفها الصغير أمام سريري القديم لا تزال هناك دميتي كما أجلستها منذ سنوات،تواجه النافذة بشعرها الطويل المسدل على كتفيها،وثوبها الذي خيطتُه لها بلون اللافندر طويلا بطول الحلم، تفتح ذراعيها في انتظار عناق الفارس الذي سيقتحم النافذة ويختطفها على حصانه الأبيض ويركض بها خلف حدود الزمان والمكان حيث العالم الذي لم يسبقهما إليه أحد.. فلا تخبروها أبداَ!
لا تخبروها كم هو العالم خارج غرفتي موحش! الرياح تزار خارج النافذة لهذا صرت مجبورة أن أغلقها، لا تخبروها ان الرياح تصفع الورود، تمزقها ورقة ورقة، ثم تذرها في طريقها هباء منثورا!
لا تخبروها أني كبرت!.. دعوها تظنني تلك الصبية التي كانت تلعب معها فتنقشان الحلم على جدار الأمل، وتحيكان الغد على مقاس أمانيهما بالضبط.. لا تخبروها أنني تعلمت البكاء.. دعوها تظنني تلك الفتاة ذات الضحكة الخالدة التي كان قلبها يجيد الرقص على كل المسارح ويفهم كل لغات الموسيقا ويحمل حصانة ضد اليأس والدموع.
لا تخبروا دميتي أن الدنيا ليست بلون اللافندر بل رمادية.. يتناحر بياضها مع سوادها طوال الوقت.. لا تخبروها ان اللون الوردي ليس خاصاَ بزهرة وضعتها على مفرق رأسها بل إنه أحيانا لون السماء عندما تخاصمها شمس الغروب.. لون الندبة التي تتركها الجروح.. ولون طلاء الشفاه الذي يداري جفاف شحوبها.
لا تخبروها ان الفارس قد لا ياتي أبداَ، وقد ياتي متعباَ على حصان اعرج لا يجيد الركض، لا تخبروها أنه قد لا يعطيها وردة بل ربما يدهس الوردة دون قصد بعدما تعبت عيناه هو الآخر من خوض المعارك، وان الأميرة قد تمل من الانتظار فتنزل بنفسها من برجها العالي لتفتح الباب فيفاجئها الطريق الخالي مغبراَ بترابه!
لا تخبروها ماذا فعلت بي الدنيا.. انا سأفعلها بنفسي.. سأحملها وأقف بها أمام المرآة كي ترى معي كم تغيرت ملامحي.. سأريها ندوبي لكنني سأخبرها أنها كالنجوم لا تضيئ إلا في الظلام.. سأخبرها أن الواقع لم يكن كالحلم لكنني تعلمت السباحة في النهر الكبير.. سأخبرها أن انحناء الظهر لم يكن عجزاَ بل تكيفاَ.. وأن الشتاء كان قاسياَ وأطول مما توقعت لكنني تعلمت كيف أشعل بنفسي النار.. والأجمل أنني عندما ظننت أن الوجع أخرسني تعلمت أن أكتب..
وأن أرسم.. فاخترعت الشفاء من مقادير الألم.
****
#نرمين_نحمدالله
من مقال ( لا تخبروا دميتي) بمجلة زهرة الخليج
ابريل ٢٠٢٦
لاتمنح غالياَ لزاهد فيه!
لا أدري منذ متى وعيت هذا الدرس!
ربما منذ غزلت لأحدهم قمراَ من خيوط قلبي.. طرزته دون كلل بحبات من لؤلؤ العمر حتى باتت كل غرزة فيه تشهد أنني خير من يغزل الأقمار في مدينة العشق كلها!
لكنه نقض غزلي غرزة غرزة! رأيت بعيني خيوط قلبي تتجعد بعد فك غزلها تكاد تقسم انها لن تصلح لغزل ثوب جديد..
وسمعت بأذني صوت انفراط لؤلؤ العمر بصدى الخذلان يكاد يصيبني بالصمم..
ساعتها تعلمت ألا انثر لآلئ العمر على تراب الطريق.. فبعضهم لا يميز لؤلؤاَ من حصى ولا تعرف عيناه فارقاَ بين شمس وشمعة!
وهل يخفى القمر؟!
نعم! بعضهم علمني أن أخفي أقماري عندما جعلوني أشعر أن ظلمة ليلي تليق بهم أكثر!
هؤلاء الذين يظنون طيبتك سذاجة، وتسامحك ضعفاَ ،وتغافلك غباء، هؤلاء يستحقون أن تخفي عنهم أقمار هذا كله كي يدركوا الفارق!
هؤلاء الذين يلومونك على عدم انتظام إغلاق أزرار قميصك ولا يفهمون ما خلفها من لهفة حضورك.. يستاءون من ذرات تراب شوهت اناقة حذائك ولا يرون ما خلفها من تعب السعي إليهم.. يلمزون الهالات السوداء حول عينيك ولا يعنيهم سهر عيونك لأجلهم.. هؤلاء يستحقون ان تخفي عنهم أقمار هذا كله! ظلمة ليلك بهم اولى!
هؤلاء الذين ينسون المعروف.. يأكلون خبزك ثم يشكون أنهم قد غصوا به! ابتسامتهم المطاطة في وجه عطائك تعرف كيف تتحول لخنجر غادر في ظهرك.. لا يرونك إلا عندما تتوهج، فيلتصقون بك طمعاَ في اقتباس نورك، قبل أن يركضوا سعياَ خلف وهج أكبر.. قربهم رياء وبعدهم ترصد.. ولا يزيدهم رفقك بهم إلا غياَ.. لمثل هؤلاء يجدر أن يخفى القمر!!
لو سألوني يوماَ هل يخفى القمر؟! سأقول نعم..كثيراَ كثيراَ نضطر أن نسدل على أقمارنا ستاراَ من ظلمة ليل كي لا يُدَنّس قدس نوره.. ولا تتحدب استدارته.. ولا يتوه عن مداره..فلا تراه إلا عيون تليق ببهائه.. تسهر لأجله ألف ليلة ولا تبالي.
*
من مقالات الكاتبة
#نرمين_نحمدالله
بمجلة
#زهرة_الخليج
(وهل يخفى القمر؟!)
كل عام وانتم بخير
❤️
دمنا صحبة دنيا وجنة
💙
_تفتقد صاحبها.
يقولها الرجل بمزيج من توقير وحنان وهو يفك رباطها دون أن يحتاج لسؤاله عن رغبته في الأمر..
هي عادته منذ سنوات.. منذ اشترى هذه البقعة الصغيرة من الأرض في الوادي جوار البحيرة..
كلما عاد إليه في إجازة عمله يكون أول ما يفعله أن ينطلق بفرسه في ربوع الوادي التي تبدو ممتدة بلا نهاية.. ثم يعود ليمكث قليلاَ في الكوخ الصغير المجاور قبل أن يرجع لأهله هنا.
يراقبه العجوز ببعض الفخر وهو يراه يمتطي الفرس التي رفعت حافريها بمجرد أن اعتلاها كأنها أخذت شارة الانطلاق، قبل أن تنطلق لتسابق الريح وصهيلها العالي كأنه شارة فرحتها بعودته..
وعلى ظهرها كان هو يعب الهواء عباَ وهو يمسك اللجام بقوة فارداَ ظهره مصوباَ عينيه نحو البحيرة التي بدت تحت ضوء الشمس وكأن الذهب يسبح فوق مائها يناديه من بعيد..
بلمعة تشبه.. عينيها!
هي.. هي فجر!
ربما لهذا لم يشعر بنفسه وهو يلكز خاصرتي الفرس كي تزيد سرعتها أكثر..
تكاد تطير به فيبتسم وهو يقترب من البحيرة..
تتلاحق أنفاسه وهو يشد اللجام أخيراَ لتتوقف به الفرس على الشاطئ..
يترجل من فوقها ليأخذ نفساَ عميقاً ثم يضم رأسها لصدره هامساً :
_فجر رجعت يا (روح).
تسكن الفرس إليه كأنها تفهمه فيبتسم وهو يربت على رأسها :
_تعرفين؟! عندما ولدتِ أنتِ بين ذراعيّ أردت أن أسميك على اسمها.. وقتها كنت أظنها قد..
يقطع عبارته ويقطع معها نزيف تلك الذكرى الموجعة.. عندما أخبروه أنها قد ماتت!
ليردف وهو يهز رأسه بانفعال :
_لكنني لم أستطع.. خفت.. خفت أن يعرف أحد أنني لا أزال أعيش على ذكراها.. أسميتك (روح) وقلت لنفسي (ما الفارق؟! الروح فجر وفجر هي الروح).. والآن رجعت.. رجعت ورجعت روحي معها.
صهيل (روح) الخفيض يبدو له أشبه بمؤازرة صديق..
فيبتسم وهو يمسد ظهرها..
أنامله تمتد لشعرها الأسود الذي يناقض بياض جسمها..
يجدله لها بصبر وعيناه في سكرة حد الثمالة تريان خصلات شعر أخرى:
_كم يشبه شعرها شعرك.. أسود.. لامع.. قوي.. تعرفين ما ذبحني حقاَ يوم اقتربت منها.. أني ميزت شعرة بيضاء! شعرة واحدة في مقدمة رأسها بدت لي غريبة عن ليله الأسود! شعرة بيضاء بدت لي كنصل سكين انغرس في قلبي.. كيف شاب شعرها دوني؟! كيف؟! كيف وأنا الذي عاهدت نفسي.. كما عاصرتُ جديلتها طفلة أن أبقى معها حتى نشيب معاَ؟!
تهز (روح) رأسها بعيداَ كأنها تشيح بوجهها عن وجعه..
فيتنهد وهو يتحسس سلسلة عنقها النحاسية وقد نُقش عليها :
(ودّعته عند الغروب ملوحاَ.. من يومها كل الزمان غروب ُ)
_أنا صنعت لكِ هذه.. منذ قرأت هذا الشعر وأنا شعرت به يمثلني.. وقتها كنت أقول هكذا (كل الزمان غروب).. والآن رجع فجري.. رجع فجري ورجعت روحي.
يهتف بها بملء صدره وهو يعاود ضم رأس الفرس إليه بابتسامة أمل..
عيناه تعانقان رمال الوادي مع سطح البحيرة المتلألئ مع جدائل (روح) فترسم له صورة للغد الذي يرجوه قلبه.. صورة لا ينقصها إياها.. بل لا يكملها إياها..
هي.. فجر!
يرنو للكوخ البعيد بنظرة متأملة ويهمس عبر ابتسامته :
_يوماَ ما ستكتمل الصورة.. بابتسامتها.. وصوتها.. وعزف عودها.. يوماَ ما لا يهمني أن يكون قريباَ أو بعيداَ.. ما يعنيني أنه سيأتي.. حتماَ سيأتي..
لكن الغيمة الوردية التي تظلل نظراته تضحي داكنة فجأة وهو يتذكر ما قاله له حسام..
لتقسو نظراته وهو يخبط بقبضته على صدره هامساَ :
_والله لا يمس أحد قلامة ظفرها إلا وعنقي فداء لها قبلها.
=====
ترتبك حسناء وهي تشعر برهبة القرار..
ألف زغرودة داخلها تريد أن تنطلق..
أن تطفئ كل نيران خيبتها وانتظارها ولهفتها لفرحة كهذه تتمناها كأي فتاة منذ سنوات..
لكن صوتاً وحيداً خائفاً يناشدها التمهل..
صوتاً تتجاهله الآن وهي تشير لأمها بالإيجاب..
قبل أن تقول ببعض الخجل:
_نفتح له الباب ونرى هل يوافق على شروطنا أولاَ.
_هو يقول أنه راض بكل شروطك.. نكلمه ليأتي ونقرأ الفاتحة؟!
تهز حسناء رأسها بأمل شع في وجهها..
فتنطلق زغرودة عالية في البيت تنفتح لها أبواب البيوت المجاورة..
وينتشر معها الخبر الذي طالما انتظرته
(حسناء بنت حسنِي وحسنَى ستتزوج).
======
مصر.. الصعيد
_حسام باشا!
يهتف بها فيصل بصدمة غشيت ملامحه وهو يفتح باب استراحته في مقر عمله بالصعيد ليجد حسام القاضي أمامه!
رجفة قوية تجتاح قلبه لا يبدو اثرها على جسده الذي بقي مشدوداَ مكانه وهو يحاول قراءة ملامح وجه حسام الذي بدا محمراَ في غضب..
_تفضل!
يفسح له الطريق للدخول وعقله يضرب عشرات الاحتمالات لسبب قدوم حسام إلى عنده هنا!
هل عرف بأنه تقريباَ اقتحم بيته وتكلم مع فجر؟!
لا يخاف أن يعرف أحد.. أي أحد.. بمشاعره نحوها..
لكنه يرتعب أن يحرموه منها من جديد..
هذه المرة لن يسمح بفعلها.. فلتزهق روحه قبلها!
_كيف حالك؟! أعتذر لقدومي المفاجئ.
يقولها حسام بنبرة متشحة بالهمّ وهو يتخذ مجلسه، فيختلس فيصل نظرة وجلة للغرفة الجانبية المغلقة ثم يجلس قبالته قائلاً بهدوء لا يعكس حالته :
_لا أظن أن هناك بيننا تلك الشكليات.. تعرف مكانتك عندي منذ زمن بعيد.
يبتسم له حسام بامتنان يجهض الكثير من مخاوفه وهو يربت على ركبته قائلاَ :
_معك حق! لا أنسى ابداَ صنيعك معي ومع ديمة أيام قضية الكوبرا.
ينعقد حاجبا فيصل بشدة وعيناه تحيدان من جديد للغرفة القريبة المغلقة بنظرة مختلسة..
_ولهذا السبب أنا هنا اليوم..أخبرني أولاَ.. هل معك أحد؟! أنا عرفت أنك تسكن هنا وحدك.
فيزدرد فيصل ريقه وهو يرد :
_وحدي.. اطمئن.. ما الأمر؟!
يرمقه حسام بنظرة متشككة وهو يشعر بالارتباك في حركة جسده، فيتنحنح قائلاَ :
_تسمح لي بكوب من الماء أولاَ؟!
_بالطبع.
ولم يكد فيصل يختفي عن ناظريه بالداخل حتى نهض حسام بخفة نحو الغرفة المغلقة فلم تخف عليه نظرة فيصل المرتبكة نحوها..
يفتحها فجأة لتدور عيناه فيها بسرعة ثم يتنهد بارتياح وهو يجدها خالية..
_اعذرني! كان يجب أن اتأكد أنه لا أحد معنا.. الأمر يتعلق بأمن فجر.
يقولها بنبرة معتذرة وهو يلتفت نحو فيصل الذي جاء لتوه حاملاً كوب الماء..
والذي رمق الغرفة الخالية بنظرة مرتاحة هو الآخر.. قبل أن يغلقها حسام من جديد ويعود لمقعده..
_أمن فجر؟!
يكررها فيصل بنبرة جاهد الا تخونه ليومئ حسام برأسه وهو يشبك أصابعه سامحاَ لغضبه ببعض التحرر :
_هي ابنة عمي وأختي في الرضاعة
.. تقيم معي حالياَ في بيتي.. كانت معك في المدرسة الابتدائية هنا في المدينة كما أذكر قبل ان تنتقل انت وعائلتك للفيوم.. سألتك عنها من قبل فقلت أنك لا تذكرها.
يشعر فيصل بقلبه يهوي بين ضلوعه لكنه يحافظ على جموده بثبات يحسد عليه وهو يهز رأسه فيما يبدو كموافقة..
ليردف حسام بغضب تتعالى وتيرته :
_لها قصة مؤسفة.. منذ سنوات طويلة تزوجت أحدهم دون رغبة العائلة.. هربت معه ثم تعرضت لحادث ما..
يرتجف صوت حسام رغماَ عنه في عبارته الأخيرة ولم يكن قلب فيصل أقل ارتجافاَ وهو يجبر نفسه على ادعاء البرود بينما يستعيد ما عرفه عن حقيقة (ذاك الحادث)..
_لست غريباَ.. والأمر ذاع صيته هنا وقتها لكنك لم تكن قد استلمت عملك هنا بعد.. لهذا سأخبرك بصراحة.. كان.. حادث اغتصاب.. بعضهم اقتحم شقة ذاك الوغد الذي هربت معه لمكان منعزل.. ضربوه ونالوا منها هي.
تدمع عينا فيصل بعجز صامت وهو يطرق برأسه..
كعادته كلما يتذكر هذا الأمر بالذات يتصاعد داخله غضب يكفي ليحرق الدنيا كلها..
عجز يكفي ليحرق الدنيا كلها. .
وذنب يكفي ليحترق هو ما بقي له من عمر..
هو كان يمكنه منع كل هذا..
فقط لو..!
يقطع على نفسه الخاطر الأخير وهو يسمع حسام يردف بنفس الغضب المكبوت :
_كانت الحادثة سبباَ ان يعرف مكانهما.. تدخلت العائلة وأجبرته على تطليقها.. وتمادت فتسببوا في سجنه لبضع سنوات.. اختفى بعدها من حياتنا وبعدها بعدة سنوات أخرى تعرضت عائلة فجر لحادث مات فيه الجميع.. أو هكذا كنا نظن حتى تفجرت قضية الكوبرا لندرك أنه هو.. هو ذاك الوغد.. هو من دبر الحادث كي يختطفها.. هو من أوهمنا بأنها ماتت.. هو احتجزها رهينة عنده طوال هذه السنوات.. المجرم استغل فقدانها للبصر بعد الحادث بل وكان يتعمد أن يعطيها الأدوية التي تشوش على ذاكرتها كي لا تتذكر كل ما حدث..
تتشنج قبضتا فيصل وهو يضمهما بقوة جواره ولا يزال مطرقاَ برأسه..
بينما يردف حسام :
_انتهت قضية الكوبرا كما تعرف..الحقير ارغمها قسراً ان تطلق الرصاص عليه كأنه لآخر لحظة يريد تلويثها به.. المهم أننا تخلصنا منه واستعدتها من بين يديه.. لكن..
يرفع فيصل بصره إليه بأنفاس تلاحقت رغماَ عنه، لكن حسام كان أكثر غضباَ من ان يلاحظ تطرف ردة فعله وهو يردف :
_حادثان غريبان يؤرقانني.. الأول كان حادث تصادم بدا عفويا مع السيارة التي كانت تحمل جثة ذاك الوغد عقب وفاته.. فقد الجميع وعيهم بعدها لكن أحداَ لم يعر الحادث اهتماماَ لأنهم عندما أفاقوا وجدوا الجثة كما هي..
تتسع عينا فيصل بارتياع وهو يخشى تصديق ما سيؤول إليه هذا الحوار..
فيساله بصوت مبحوح :
_مضى على هذا الحادث الكثير لماذا تذكرته الآن؟!
فيزفر حسام وهو يحل زراَ من ازرار قميصه ليرد بعصبية :
_بالأمس عرفت مصادفة أن قبر ذاك المجرم قد نبش بعد أيام قليلة من وفاته.. واختفت الجثة تماماَ.
_تشك أنه لازال.. ؟!!
لم يستطع فيصل إكمالها مع هذا المزيج الهائج من الغضب والخوف داخله..
الخوف على فجر!
ماذا لو كان ذاك المجرم لايزال حياَ؟!
ماذا لو عاد يطاردها بكل هوسه وشيطنته؟!
_مستحيل!
يهتف بها حسام بحدة وهو يخبط بقبضته على صدره مردفاَ :
_أنا تأكدت من موته ساعتها بنفسي.. لكن.. لكن..
يزفر من جديد وهو ينهض من مقعده.. يدور في المكان بحركات مضطربة :
_الرجل كان عضواَ في تنظيم دولي خطير.. هؤلاء لهم ألاعيبهم التي نعرفها.. والتي لا نعرفها.. أقول لنفسي هل كان الحادثان مصادفة حقاَ؟!.. لهذا أتيتك اليوم.
يكظم فيصل انفعالاته بمشقة كادت تجعله يترنح مكانه ولايزال يدعي الجمود.. يسأله :
_ما الذي تريده مني؟!
_لو جرت الأمور بطبيعتها كنت سأتصل بضابط من جهة عليا كان هو المسئول عن هذه القضية.. لكنه مختفٍ الآن.. حاولت الوصول إليه ولم أستطع.. ولا أستطيع مع خطورة الأمر الثقة في أي أحد ليتحرى بسلطته عن الأمر.. يكفي ان تعلم أن ذاك الوغد كان لديه قائمة كاملة تعمل لحسابه من جهاز الشرطة نفسه.. لهذا وجدتني مدفوعاَ إليك أنت.. ربما لم تكن علاقتنا قوية بما يكفي لكن المواقف تظهر الرجال.. وأنا أثق بك.
يضم فيصل قبضته وهو يختلس نظرة حذرة نحو الغرفة المقابلة..
ثم يتنحنح ليقول باقتضاب:
_اطمئن.. سأبداً فورا بالتحري عن الأمر وبأقصى قدر من السرية يكفل سلامة فجر.
يكتم شهقة غادرة كادت تغادر فمه واسمها يجري بسلاسة على لسانه كما هو حاله في قلبه..
يطبق شفتيه بقوة كأنه خاف أن ينفضح المزيد فيرمقه حسام بنظرة متفحصة وهو يشعر أنه يخفي شيئاَ.. فيسأله فجأة :
_ألا زلت لا تذكر فجر؟! أم.. تذكرتها ؟!
لكن فيصل يهرب من السؤال وقد عز عليه أن ينكر من جديد.. فيبادره بقوله:
_قل لي الآن كل معلوماتك عن الأمر بدقة.. وأنا سأخبرك بما سأصل إليه في أقرب وقت.
لم يبتلع حسام (الأريب) طُعم هروبه لكنه آثر التظاهر بهذا وهو يهز رأسه ليخبره بما يريد معرفته..
قبل أن يمد له يداَ مصافحاَ بقوله :
_سأنتظر منك خبراَ قريباَ.
_لا تقلق.. سأبذل كل ما في وسعي.
يصافحه بها فيصل بدوره فيرمقه حسام بنظرة أخيرة سبقت هزة رأسه قبل أن يغادر المكان..
ولم يكد يفعل حتى توجه فيصل نحو الغرفة المقابلة، يفتحها ثم ينظر عبر نافذتها المفتوحة بعينين متربصتين قبل أن يأخذ نفساَ عميقاَ وهو ينظر للقمر الذي افترش مقعده وسط السماء هامساَ لنفسه :
_آه يا فجر.. آه.. ماذا فعلتِ بنفسك وبي؟! بل ماذا فعلته بنا الأيام؟!
==
مصر.. الفيوم
_فيصل باشا! متى عدت؟! هلت الأنوار!
يهتف بها الحارس الكهل ببشاشة وهو يستقبله أمام مربط فرسه في تلك البقعة النائية من الوادي..
فيبتسم فيصل وهو يقترب من الفرس الأبيض التي علا صهيلها وهي تميل عنقها نحوه فيربت على شعرها الأسود برقة، يسأل حارسه:
_كيف هي (روح)؟!
_تفتقد صاحبها.
يقولها الرجل بمزيج من توقير وحنان وهو يفك رباطها دون أن يحتاج لسؤاله عن رغبته في الأمر..
هي عادته منذ سنوات.. منذ اشترى هذه البقعة الصغيرة من الأرض في الوادي جوار البحيرة..
كلما عاد
_ليتني عضضتها حقاَ! بالكاد منعت نفسي عنها! كيف يحتملها إلياس؟!
تهتف بها بشراستها المعهودة ليضحك من جديد وهو يستقر على الكرسي أمامها قائلاَ :
_بمنتهى الحيادية هي ماهرة جداَ في عملها.. أظنها تعمل معه منذ سنوات طويلة قبل حتى عودتي الأخيرة لبغداد.
يغص حلقه رغماَ عنه في عبارته الأخيرة وقد غامت عيناه بسحابة من جرح الماضي..
(السندباد) الذي أجبروه ان يشق البحر مغترباَ تاركاَ على الشاطئ كل تاريخه لكنه وجد الحب الذي جعله يكسر سفينته ليعود مقتحماَ معركته من جديد.. غازياَ ومنتصراَ.. قانعاَ بما كسبه وراضياَ عما خسره!
قلبها الخبير به يشعر بما سحبته إليه أفكاره، فتتشبث بالموضوع الأول :
_أظن الأمر يحمل ما يفوق العمل.. من ناحيتها على الأقل.
_لا تعنيني ناحيتها.. ما يهمني هو إلياس.. لا أظنه يراها أكثر من رفيقة عمل وصديقة ذكية.
_بثيابها تلك ؟!
تطلق صوتها الساخر المعهود مع هزة كتفيها فيبتسم وهو يرفع أحد حاجبيه هامساَ ببراءة مصطنعة:
_ما بالها ثيابها؟! لم أنتبه!
_يحيى!
تزمجر بها مع رفعة حاجب فيردف بمكر :
_هذا هو الاختبار الذي لن أرسب فيه أبداَ.. لا يوجد زوج عاقل يعترف أنه انتبه لثياب امرأة أخرى في حضرة زوجته!
تخبط أحد كفيها بالآخر لتهتف :
_قلت هكذا! والله قلت هكذا! لا يوجد رجل لا يطلق بصره نحو امرأة.. لكن هناك من يأخذ (فكرة) وهناك من يأخذ (المقاسات)!
يطلق ضحكته طويلة مغيظة هذه المرة وهو ينحني بجذعه ليقترب من وجهها قائلاَ :
_هاقد عادت (عدوة الرجل)! قلقت عليكِ الفترة السابقة والله! خشيت ان تكون رومنسية شهور الزواج الأولى قد أثرت عليكِ! لكن هأنتِ ذا ما شاء الله.. لا تزالين على العهد!
تلكزه في كتفه ب(شبه ابتسامتها) التي يعشقها ،فيضحك متأوهاَ ثم يتنهد ليقول بشرود :
_لا أظن إلياس ينظر لها أو لغيرها..هو مزاجه بالنساء قد تعطل منذ زمن.. قلبه ينتظر سراباَ هجره منذ سنوات طويلة لن يرى في سواها بديلاَ.
_تجربة وفاء رجولي جديرة بالتدوين في متحف الحفريات..
تقولها بسخريتها المعهودة فيهز رأسه مستنكراَ لتردف بضحكة مكتومة :
_لولا دخول ناي هذه في الخط.. لا أدري لماذا أشم رائحة شياط الحب المشتعل من مكاني هنا!
_ماذا؟! ناي؟!! لا لا.. مستحيل!
يهتف بها باستهجان وهو يقف مكانه مردفاَ :
_لا ناي ولا جوليا.. ولا غيرهما.. أنا أعرف قلب إلياس جيداَ.
فتقف بدورها رافعة حاجبها بتحدّ هاتفة:
_وأنا أعرف رائحة الحب جيداً.
_لماذا أشعر أنكِ تتحيزين نحو ناي هذه دوماً؟! منذ رأيتها أول مرة مع العم مؤيد؟!
_الفتاة من جمهور قارئاتي الوفيات وقد خصصت صورة حسابها على الفيسبوك لغلاف روايتي إياها.. تذكرها ؟!
تغمزه فيضحك وهو يتذكر كيف كان لقاؤه الأول مع روايتها تلك..
(فلامنجو بثلاثة أرجل)!
_اعذريني لو تجاهلت ذكرى تلك الرواية بالذات! تعرفين ماذا فعل بي رجال أخيكِ عاصي الرفاعي بعدما رأيتها أول مرة ببضع ساعات!
تضحك بدورها وهي تجذبه من ياقة قميصه هاتفة :
_ظننتني واحدة من اولئك الواهنات ستبكي قليلاً على أطلالك ثم تمضي لحالها؟؟!! .. لا.. لا.. أنا عرفت وأعرف وسأعرف دائماَ كيف آتي بك من أي مكان لأعتقلك في السجن الذي يليق بك..
ثم تقترب أكثر لتمتزج أنفاسهما شاهدة على صدقها بينما تردف :
_قلبي.
_وأنا جاهز للمؤبد!
يهمس بها بحرارة وهو يرفعها من خصرها نحوه لكنها تتملص منه بعنفوان يعشقه فيها..
فيرفع أحد حاجبيه قائلاً :
_نتراهن إذن ؟! من بنا سيصدق توقعه بشأن إلياس؟!
يقترب بها من وجهها فتشتعل انفاسهما معاَ لترد هي بثقة :
_نتراهن.
======
_ماذا ؟! (فرقع لوز) طلب يدك؟؟
تهتف بها طيف بذهول عبر الهاتف تخاطب حسناء التي لا تقل عنها ذهولاَ:
_أقسم لك أن هذا ما حدث.. خرجت في الصباح الباكر أشتري (فول) و (فلافل) وعدت ب(المحروس) يسبقني لبيت امي كي يطلب خطبتي منها.. هكذا دون مقدمات!
تعقد طيف حاجبيها بتفكير عميق وهي تحاول البحث عن تفسير.. لتسالها بتوجس:
_كان يبدو وكأنه تعاطى أي شيء؟! .. أعرف هذه (الاصطباحة)!
_كنت أظن هكذا مثلك! قلت لنفسي هذا أقرب تفسير لجنون مثل هذا! بل إنني كدت أقنع امي ان عرضه ليس جاداَ لكنه عاد يتصل بأمي في المساء كي يسال عن صحتها ويطلب منها موعداَ للرد.. (ابن اللذين!) لا اعرف من أين اتى بالرقم!
فتطلق طيف صوتها الساخر المعهود لترد :
_طبعاَ! خبرة نصاب قديم!
_ماذا؟!
تسألها حسناء بجهل عما تقصده، فتتمالك طيف نفسها وهي تحاول تجاهل هذا الماضي الأسود الذي يخص زوجها وصاحبه..
لهذا تبادر هي حسناء بسؤالها :
_وما رأي أمك؟!
تتنهد حسناء تنهيدة حارقة تلاها صمت قصير قبل أن ترد :
_تعرفين كم أجبرتنا الظروف من زمن بعيد أن نعكس الأدوار.. أنا التي صرت أماَ للجميع هنا.. أنا المسئولة عن المال.. أنا المسئولة عن القرارات.. أنا صاحبة الكلمة.. الهم كله همي أنا.. لا أريدك أن تأخذي فكرة خاطئة عن أمي فتظنينها لا مبالية أو متواكلة.. هي فقط امرأة بسيطة.. بسيطة جداَ..