
قناة خالد سطمي الشمري ( تلجرام )
ولقد رأيت كثيراً من عوام المسلمين ليس لديهم علم كثير غزير ، غير أن لديهم علماً نافعاً ، وربما هذا سر رجوع كثير ممن خاضوا في فنون العلم ، وانشغلوا بعلم الكلام بعد أن قرأوا وكتبوا ، وتعلَّموا وعلَّموا إلى عقيدة العجائز ، كونها على الفطرة التي لم تتلوث بزبالة أفكار البشر ، وقد وصل ببعضهم الأمر إلى امتحان الناس بعقائدهم ، وسؤالهم عن كثير مما سكت عنه السلف ، وخوضهم في كثير من المسائل الجدلية غير المنتهية ، والحكم على الناس بلازم قولهم ، فنسبوا إليهم من الأقوال زوراً ما لم يخطر لهم على بال !
ولك الساعة التي أنت فيها
✍️
خالد سطمي الشمري
يخطئ كثير من الوعَّاظ والمهتمون بتطوير الذات حين يجعلون من أسباب السعادة أن تفكر في يومك فقط ، دون الالتفات للماضي ودون النظر للمستقبل ، وربما استشهدوا ببعض النصوص ووضعوها في غير موضعها كحديث ( من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) هذا فيه بيان ماتحتويه الحياة من احتياجات وهي الأمن ،والأسرة ومنزلها وهو السرب ، والصحة ، والقوت ، ومن لازم تحقق هذه الاحتياجات أن يعمل الإنسان على تحصيلها ، ولن يكون ذلك إلا في النظر للمستقبل ومن دلائل النظر للمستقبل مشروعية الزكاة في الطعام والقوت الذي يدخر ، وفيه يكون الربا لأن قوام عيش الناس به وهو الطعام الذي يدخر لمدد طويلة لأن هذا هو واقع الناس في حياتهم التي لاتقوم إلا عليه ، وأما قول ابن عمر رضي الله عنه وما شابهه : ( إذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ) فمعناه لا تؤجل التوبة وأداء الحقوق والخروج من المظالم ولا تؤخر الأعمال بل بادر بها وكن مستعداً للموت ، وليس فيها عدم النظر في اصلاح المستقبل فهي لاتتناقض مع هذه الوصية ، ومن أكثر ما يتداول للانتصار لهذا المعنى بيت لشاعر نصراني :
ما مضى فات والمؤمل غيب .. ولك الساعة التي أنت فيها
وهذا يذكر بقول ابن القيم رحمه الله في نونيته
ودليلهم في ذاك بيت قاله .. فيما يقال الأخطل النصراني
في معرض رده على المعطلة الذين استدلوا ببيت الأخطل الشاعر النصراني فيما يتعلق بصفة الكلام
عجباً لمن يدعو لعدم الإلتفات للماضي ، والماضي هو الذي صنع حاضره ويصنع مستقبله ،فالماضي فيه أخطأ تحتاج لتصحيح وذنوب تحتاج لتوبة ، وإلا فكيف تكون محاسبة النفس دون النظر للماضي ؟
وأعجب منه من يقول دع الغد لوقته !
لو أخذنا بهذا لما زرع زارع ،ولا بنى بان ، ولا تعلم متعلم ، فكيف تقام الحياة إلا بالنظر للمستقبل والتخطيط له وتوقع مايمكن أن يكون
أين هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها ) ، كيف لا ينظر للمستقبل والله تعالى يبشر المؤمنين بما سيحدث في بضع سنين ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين )
وقد ظهر هذا في قصة يوسف حيث قال في تفسيره لرؤيا الملك ( فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون ) في بيان لأهمية الإدخار لما يتوقع في السنوات السبع العجاف ،وقد ظهر أثر هذا عليهم في السنوات العجاف حيث كانوا مقصداً يتزود من بلادهم
لا يمكن أن يسعد ويفلح وينجح من لا يحاسب نفسه على ماضيها فيصحح ، وينظر لمستقبله ليبنيه فيكون قوياً ( فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) والقوة والضعف متعددة الجوانب ومختلفة الطرق والغايات ، غير أن هذا كله يجب أن يرتبط به الإيمان بالقضاء والقدر ، فليس يحصل شيء إلا بقدر الله ، فلا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، واعملوا فكل ميسرٌ لما خلق له .
https://x.com/kk1s111/status/2037910089844015387?s=52