
نُزْهَةُ الْأَلِبَّاءِ
فكلَّما حلَّت مناسبةٌ علمية كمعرض الكتاب طفح إلى السطح سَدَنة الارتخاء، وأعمدة المُلح،
وأقطاب المادَّة الخفيفة
، ونشروا قوائمهم المقترحة
، وكم تَنْفُق بسببهم بضاعة الروايات والتراجم والسير الذاتيَّة، ومُلح العلم ولطائفه، ونحن في زمن أمست فيه شبكات التواصل تكيّف طرائق التلقي والتأصيل، وتفرض ذوقها الخاص بها، فصار كثيرٌ من رُوادها يتشرَّب عقله دون أن يشعر طرائق معينة في التحصيل وتثمين الفائدة والحكم عليها، فحين يقرأ كتابًا ما تستهويه فوائد معينة، إما لغرابتها -
لأنَّ الإغراب يستهوي كثيرًا من المتابعين - رغم كونِ كثيرٍ من أصول العلم ليست من غرائب المعارف بالمفهوم الشائع
، وكان بعض السلف يفرُّ من هذه الغرائب في الأحاديث ويجعلونها علامة إعلال، وإما لكونها قصيرةً قابلة للاقتباس والاقتناص فيُتاح له أن ينشرها في حسابه بسهولة، وإما لكونها محلَّ جدلٍ ساخن، ويضرب الذِّكر صفحا عن تلك التي لا يتاح له نشرها إما لطولها أو لكونها لم تُثر حولها إشكاليات، فصار ثمةَ ذوقٌ خاص في اقتناص الفوائد تفرضه هذه الشبكات، وتحتّمه على مُدمني النظر إليها أثناء قراءتهم للكتب وتلقيهم للمعارف، فيصبح طالب العلم الخاضع لمزاج هذا الذوق المرحلي جاهلا بأصولٍ مِن المسائل العلمية، ويغدو في بنائه المعرفي فجوات بيِّنة،
وهي تلك المسائل التي لم تصبح بعدُ تحت الطلب في شبكات التواصل!
المرقاة، ص: 56.
ومن صور المُلَح المُقنّعة الإغراقُ في المفاضلة بين المحققين ودُور النشر، والانهماكُ في تتبع الطبعات ومعرفة امتيازات العلماء وأنسابهم وما يتصل بحياتهم الخاصة،
فهذه صنعة المؤرِّخ لا العالم الذي تعنيه حراسة الفن وتسييج بيضة العلم، ولملمة أطراف القواعد وابتناء الفروع على الأصول، وتجسير الفجوات بين الأبواب، وكل ما يدركه وراء ذلك من هذه الملح هو تبع لذلك الأصل.
المرقاة، ص: 57.
قال الأصمعي:
"سمعتُ أعرابيةً تقول لرجل تخاصمه:
اعلم أن من ورائك حَكمًا لا يحتاج المدعي عنده إلى إحضار البينة
".
زَهر الآداب، 913/4.
يتآخى النصب والجر في الأسماء في المثنى، وجمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم، والممنوع من الصرف.
ويتآخى النصب والجزم في الفعل.
قاعدة "
ما اختصَّ عمل وما لم يتخصَّ لم يعمل
" تحتاج قيدًا:
ما اختص ولم يُنزل منزلة الجزء مما اختصَّ به عمل، وما لم يختص لم يعمل.
مثاله: أداه التعريف مختصة بالدخول على الأسماء، ولكنها لم تعمل، لأنها تُنزل منزلة حروف ما دخلت عليه، فلا يشوِّش هذا على القاعدة، ولذا نزيد هذا القيد: ما اختص ولم يُنزل منزلة الجزء مما اختصَّ به عمل، وما لم يختص لم يعمل... ومثله السين وسوف.
شرح متن تصريف العزّي، د. حسن العثمان.
ومِن أعظم وسائل تنمية ملَكته في استحضار المعارف الكامنة أمران:
أما الأول فهو مساءلة المادَّة المُدخَلَة وتقليبها على وجوه مختلفة.
وأما الثاني فهو تفعيل النظرة الشاملة.
المرقاة، ص: 47.
ومن هنا فإنَّ من أساليب تحصيل ملَكة النظرة الكلية هو كثرة القراءة والنظر في أمثال كتب ابن تيمية، وستلاحظ مع مرور الوقت أنَّ الضوابط والقواعد لا تقتصر على ما يسميه العلماء بالقواعد، نحو القواعد الفقهية وقواعد التفسير وقواعد الصفات ونحوها - وإن كانت تدخل فيها أصالةً -
وإنما لا تنتشر حبات الفروع في أي حقل إلا من خيط قاعدة كلية عَلِمها مَنْ عَلِمَها وجهلها من جهلها،
والحاذق من القرَّاء هو الذي يستعلي في أثناء المطالعة عن الإغراق في جزئيات الأبواب بحثا عن القاعدة الناظمة
، فإذا أمسك بها إما استنباطًا ذاتيا خاضعا للاختبار والتجربة أو تنصيصًا من أحد المحقِّقين؛ أصبح شديد الاحتفاء بها، وبذل أغلب جهده في أثناء التعلم والحفظ والمطالعة والاسترجاع في الارتكاز عليها، فيختصر على نفسه مسافات زمنية شاسعة، وكلما ارتحلت - لاحقا - من ذهنه التفاصيل المبعثرة اتَّكأ على الكليات التي تمرَّس بها؛ فتصطفُّ الجزئيات في خاطره تِباعًا.
فيكون لدى القارئ خلال النظر في المسائل عناية بالآيات التي هي أصول المسائل، وعناية بأحاديث الباب، وعناية بالقواعد الحاكمة، وإذا اشتغل بالفقه مثلا يكون لديه عناية فائقة بضوابط الأبواب تسهيلا لاستحضار الفروع التي لا تنتهي، والضوابط أخصُّ من القواعد الفقهية، كما يقول ابن نجيم في الفرق بين الضابط والقاعدة: (
القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد
).
المرقاة، ص: 45.
ابن تيمية: لا بد أن يكون مع الإنسان أصولٌ كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلَّم بعلمٍ وعدلٍ. عبر: المرقاة، ص: 43.
ابن تيمية: لا بد أن يكون مع الإنسان أصولٌ كلية يرد إليها الجزئيات
ليتكلَّم بعلمٍ وعدلٍ.
عبر: المرقاة، ص: 43.