
شيخ العربية وحامل لوائها أبو فهر محمود محمد شاكر.
صاحب الحقّ الَّذي يستهوِل الإقدام على بيان حقه بالأساليب التي ينبغي اتخاذها وإن عظمت، لن ينال شيئًا إلا العجز، وتراكم العجز بعد العجز، ثم ضياع حقه إلى الأبد.
محمود محمد شاكر
كنتُ مُنغمِسًا في غِمارِ حياةٍ أدبيَّةٍ بدأتُ أُحِسُّ إحساسًا مُبهَمًا مُتصاعِدًا أنها حياةٌ فاسدةٌ من كلِّ وجه؛ فلم أجِد لنفسي خلاصًا إلا أن أرفُضَ مُتخوِّفًا حذِرًا، شيئًا فشيئًا أكثرَ المناهجِ الأدبيةِ والسياسيةِ والاجتماعيةِ والدينيةِ التي كانت يومئذٍ تَطغى كالسَّيلِ الجارِف، يهدمُ السدود، ويُقوِّضُ كُلَّ قائمٍ في نفسي وفى فِطرتي.
ويومئذٍ طَوَيتُ كُلَّ نفسي على عزيمةٍ حذَّاءَ ماضية: أن أبدأ، وحيدًا مُنفرِدًا، رحلةً طويلةً جدًّا، وبعيدةً جدًّا، وشاقَّةً جدًّا، ومُثيرةً جدًّا. بدأتُ بإعادةِ قراءةِ الشِّعرِ العربيِّ كُلِّه، أو ما وقعَ تحت يَدي منه يومئذٍ على الأصَح، قراءةً مُتأنِّيةً طويلةَ الأَناةِ عند كُلِّ لفظٍ ومعنى، كأنِّي أُقلِّبُهما بعقلي، وأروزُهما (أي: أزِنُهما مُختبِرًا) بقلبي، وأَجُسُّهما جَسًّا ببصري وببصيرتي، وكأنِّي أريدُ أن أَتحسَّسُهما بيدي، وأستَنشي (أي: أشُمُّ) ما يَفوحُ منهما بأنفي، وأسمعُ دبيبَ الحياةِ الخفِيِّ فيهما بأُذُني = ثمَّ أتذوَّقهُما تذوُّقًا بعقلي وقلبي وبصيرتي وأنامِلي وأنفي وسَمعي ولِساني، كأنِّي أطلُبُ فيهما خبيئًا قد أخفاهُ الشاعرُ الماكرُ بفنِّه وبَراعتِه، وأَتدسَّسُ إلى دَفينٍ قد سقطَ من الشاعرِ عَفوًا أو سَهوًا تحت نَظمِ كلماتِه ومَعانيه، دون قَصدٍ منه أو تعمُّدٍ أو إرادة.
رسالة في الطريق إلى ثقافتنا
#محمود_شاكر
[قصة زواج العلامة محمود شاكر أبوفهر بأم فهر رحمهم الله]
تقول عايدة الشريف:
"...وقد دار في ذهني الآن سؤال : كيف يختار العلماء الأجلاء زوجاتهم ؟ فران الصمت عميقا فوق هامات المريدين وكأن على روسهم الطير .. فتوجهت أنظارهم واشرأبت أعناقهم وأصاخت آذانهم .. وبغتة أتانا صوت محمود شاكر بسماحته المعهودة مع الضيوف الجدد على مجلسه ، يقول : أنا من الناس الذين لا يجيدون الكلام .. لأن صنعتي هي الكتابة . ولزواجی بأم فهر قصة «عجيبة» .. ذلك أنني عندما تركت الجامعة كما تعرفون هاجرت إلى السعودية .. وبقيت هناك عامين ، ثم استدرك : لم يكن البترول قد ظهر فيها ومن ثم لم تكن ذات ثراء كما هي الآن «هناك كان لى صديق من أسرة كريمة ، هو الأستاذ حسين نصيف ، وكان بيني وبين أسرته مودة ، فحملني صديقي وأهله إلى الزواج وتحقق ذلك بخطبتي التي تمت بمشورتهم عام ۱۹۲۹ ، بعدها ألمت بأهلي في مصر ملمة - لم يذكرها غير أني أظن أنها كانت وفاة أخته صفية - وبدأت أتلقي رجاء الأهل والأساتذة للعودة ، ورجعت إلى مصر في العام الذي ولدت فيه أم فهر ....
مرت الأيام وتوالت السنون ويشاء الله أن تتعرف أختی عزيزة بإحدى حفيدات الشيخ حسن الكفراوی شارح الآجرومية
"قواعد اللغة"- الذي بنى له الخليفة على بك الكبير - العصر العثماني - جامع أبو الذهب إمام الأزهر الشريف - وهو المسجد الوحيد في مصر ، الذي يعلو دكاكين الباعة ، أي أن الصعود له يكون عن طريق الدرج - «ليلقى فيه دروسه .. ولهذا الشيخ الجليل مسجد كبير في بلدته كفر الشيخ ..
أعلمتني أختى عمن قابلت مردفة بأن هذه الحفيدة قد هاجرت بها والدتها مع أخواتها من كفر الشيخ ، حثثت أختي بأن تصطحبها إلى بيتنا وحين رأيتها أعجبت بدماثة خلقها وحيائها .. ومن حماسی لهذه الفتاة النيرة ذهبت أقابل والدتها وأشاورها في أن أتبني هذه الفتاة .. وعندما لفتت حماستی نظر من حولي .. نبهوني أنه ليس في الاسلام تبني ، قلت وأنا أكثر حماسة وغير متراجع ستكون ربيبتي . حفيدة الرجل الصالح ذي المقام المهيب ، هذه هي أم فهر ، التي بقيت معنا أنا
وأختى عزيزة من سنة 1945 طفلة إلى أن بلغت الشباب ، حيث أخذ يتوافد عليها الخطاب .. وكلما جاء أحدهم بنية انتزاعها من بيتي اشتد إحساسي بأنني سأفقد شيئا عزيزا على نفسي ، حتى خلت أنني لن أحيا بفقدها أبدا .. فاقترح أحدهم على الزواج بها .. فكان .. والفضل كله يرجع إلى الأستاذ أحمد المانع .
وهكذا كان هذا الزواج على خلاف الأشياء.. ذلك أنه في سنة ۲۹ عندما خطبت في السعودية ، كانت أم فهر نطفة في بطن أمها ، وكأن القدر كان يرسم لي ولها مسارا غير متوقع أي خلاف الأشياء .. فهی إذن رعتني قبل أن تكون زوجتي ، وأكرمتني وحفظتني - ثم انفجر في البكاء وعَاد يُسمع بالكاد - وأكثر من ذلك أنها تحملتني ، أكثرَ الله من خيرها ومن أمثالها ، تحملت الوحدة مع وليدها سنوات سجني مرتين، وتحملتني خارجا منه مريضا نافد الصبر ثم تبسم من بين غمام بكائه ، ثم أردف قائلا : وهي صاحبة الفضل عليكم جميعا ."
ثم قالت :
"فهذه السيدة أم فهر"نعيمة"جاءت على خلاف الأشياء بالفعل ، لأن الرجل منا يفتح بيته للأصدقاء طالما هو غير متزوج ، أما إذا تزوج فإنه يغلق بابه على جنته
كما وصف مالك بن أنس الزواج والبيت ليسعد أو ليهنا .. أما هذه السيدة البشوش فقد فتحت بعد زواجها منه باب بيته على مصراعيه ، لجميع تلامذته من جميع الأقطار العربية والاسلامية ، حتى اتسع هذا البيت غير المتسع لكثير من قاصديه ينزلون عليه من بلادهم .
وأحسب أنني وكثيرين غيري ، عندما يفكرون في زيارة الأستاذ يكون وجه هذه السيدة الودود الكريم لائحا في خيالنا . نعم فنحن قد نزور الأصدقاء الأساتذة ولكن على وجل من زوجاتهم ، بل إننا عندما نودع الأستاذ في آخر زياراتنا ، وتكون هي مشغولة بشيء فإنه ينادي أم فهر أم فهر .. إنّ فلانا سيغادرنا فتعالي وسلمى عليه .. وهل تتصورين أنني أول مرة زرتهم فيها ألحت علي هذه السيدة الفاضلة أن أتناول الغذاء معهم .. إن هذا لا يحدث كثيرا عندما أزور أغلب قبيلتي !
قلت له وماذا أقول أنا وقد استمرت علاقتي بأسرة شاكر خمسة وعشرين عاما .. ولا أعرف وقع ما سأقوله من العقيدة .. ذلك أنه يخيل لي وهي تعد إحدى مساعداتها الغذاء قبل أن تقدمه لأسرتها وضيوفها .. أن يدها السخية تعيد إلى ذاكرتي ما قرأته عن إحدى زوجات الرسول_صلى الله عليه وسلم _ وهي تقتسم مع مساعدتها التمر الذي جاها هدية ، إن أم فهر تحب الكائنات حتى إذا رأيت قططها يتحلقنها وكأنها أمهم، تلاطفهم ويلاطفونها ثم أخفضت صوتی وقلت صورتها قديسة فلو سمعنی الأستاذ محمود شاكر وانا أتداول هذا الوصف لنهرني كما فعل سابقا .. ونهانی عن هذه اللفظة قائلا لي قولي طيبة صالحة، مع أن كلمة قديسة وردت في القرآن الكريم كثيرا ولكنه يدخلها في ألفاظ غير الاسلام ! وضحك الدكتور الربيعي .. وقال شاكر أعرف بصحيح الألفاظ والمعانی "
عايدة الشريف ،محمود محمد شاكر قصة قلم،
ص ص (147/144)
لقد لقى طه حسين يومئذ ما لقى، ونسب إليه ما أقطع بأنه برئ منه، والدليل على براءته عندي هو أنَّه منذ عرفته في سنة ١٩٢٤، إلى أن توفي في ٢٨ أكتوبر ١٩٧٣، كان كما وصفته في أول حديثي؛ محبا للسانه العربي أشد الحب، حريصا على سلامته أشد الحرص، متذوقا لروائعه أحسن التذوق، فهو لم يكن يريد قط باللسان العربي شرا، بل كان من أكبر المدافعين عنه، المنافحين عن تراثه كله إلى آخر حياته. ومحال أن يحشر من هذه خصاله في زمرة الخبثاء ذوى الأحقاد من ضعاف العقول والنفوس، الذين ظهروا في الحياة العربية لذلك العهد، بظهور سطوة "الاستعمار" وسطوة "التبشير" وهما صنوان لا يفترقان.
كانت الجامعة .. هي طه حسين - محمود محمد شاكر