
قناة أحمد عبد المنعم
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾
يقول جلّ ثناؤه: ولله سلطان السماوات والأرض وملكها دون كلّ من هو دونه من سلطانٍ ومَلِك، فإياه فارهبوا أيها الناس، وإليه فارغبوا لا إلى غيره، فإن بيده خزائن السماوات والأرض، لا يخشى بعطاياكم منها فقرا.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وأنتم إليه بعد وفاتكم، مصيرُكم ومعادُكم، فيوفيكم أجور أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، فأحسنوا عبادته، واجتهدوا في طاعته، وقدموا لأنفسكم الصالحات من الأعمال.
الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم، وأنه عَوّاد على خلقه بلطفه وطَوله، حكيم في تدبيره إياهم، وسياسته لهم= لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم وفضح أهل الذنوب منكم بذنوبهم، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم وترك فضيحتكم بها عاجلا رحمة منه بكم، وتفضلا عليكم، فاشكروا نعمه وانتهوا عن التقدّم عما عنه نهاكم من معاصيه.
الطبري
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ
قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا
يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
وإنما فصلت جملة ﴿قال الذين يريدون الحياة الدنيا﴾ ولم تعطف؛ لأنها تتنزل منزلة بدل الاشتمال؛ لما اشتملت عليه الزينة من أنها مما يتمناه الراغبون في الدنيا، وذلك جامع لأحوال الرفاهية وعلى أخصر وجه؛ لأن الذين يريدون الحياة الدنيا لهم أميال مختلفة ورغبات متفاوتة، فكل يتمنّى أمنية مما تلبس به قارون من الزينة، فحصل هذا المعنى مع حصول الإخبار عن انقسام قومه إلى
مغترين بالزخارف العاجلة عن غير علم، وإلى علماء يؤثرون الآجل على العاجل،
ولو عطفت جملة ﴿قال الذين يريدون﴾ بالواو والفاء لفاتت هذه الخصوصية البليغة فصارت الجملة إما خبرا من جملة الأخبار عن حال قومه، أو جزء خبر من قصته.
والذين يريدون الحياة الدنيا لما قوبلوا بالذين أوتوا العلم= كان المعني بهم عامة الناس وضعفاء اليقين الذين تلهيهم زخارف الدنيا عما يكون في مطاويها من سوء العواقب، فتقصر بصائرهم عن التدبر إذا رأوا زينة الدنيا، فيتلهفون عليها ولا يتمنون غير حصولها، فهؤلاء وإن كانوا مؤمنين إلا أن إيمانهم ضعيف؛ فلذلك عظم في عيونهم ما عليه قارون من البذخ، فقالوا: ﴿إنه لذو حظ عظيم﴾ أي إنه لذو بخت وسعادة.
ابن عاشور
من أعظم مواطن الإحسان في «تفسير الطبري»: عرضه لمعنى الآية على وجه الإجمال
.
والأصل أنه يعرض المعنى الإجمالي للآية قبل سرد الأقاويل في تفسيرها، وربما عرض المعنى الإجمالي بعد الأقاويل، وربما علق عند بعض الأقاويل مبيناً المعنى الإجمالي المتحصل من هذا القول.
وطريقة الإمام أبي جعفر الطبري في عرض المعنى الإجمالي تنبئ عن علمه الوافر وتحقيقه الراسخ
، ولا سيما فيما يتعلق بـ: إظهار المضمرات، وتبيين الأعاريب، وبيان المقدرات، وتعيين الغرض الذي سيقت الآية لأجله.
ومن الخلل ما يفعله بعض الناس مع تفسير الطبري من الاقتصار على تقسيم الأقوال أو مطالعة المرويات المأثورة، وربما ظن بعضهم أن تفسير الطبري إنما تميز بهذا دون غيره، والحق خلاف ذلك.
وكلما كان المرء أعرف بالإشكالات في الآية والخلاف في معانيها والمقاصد التي سيقت لأجلها تبين له فضل تفسير الطبري على غيره في بيان المعنى الإجمالي.
سؤال من أحد الإخوة:
دعوتُ الله كثيرا في أمر يهمني، وألححت كثيرا، ولم يستجب لي، فنشأ عندي حاجز نفسي بيني وبين الدعاء، وأصبحت في شك من قيمة الدعاء، فما رأيك؟
الجواب:
يا الله، أي حاجز وهمي شيطاني هذا الذي يحول بينك وبين نجاتك وفلاحك وسعادتك!!
قل لنفسك: نحن ندعوه سبحانه وتعالى لأنه ربنا الذي بيده كل شيء وله كل شيء، ونحن لا نملك شيئا، وليس لنا ربّ سواه.
ندعوه لأنه أهل الثناء والمجد، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، أفعاله محفوفة بالرحمة والحكمة واللطف، أجابك أو لم يُجبك.
ندعوه لأنه يحب الدعاء، ونحن نحب ما يحب ربّنا وسيدنا.
ندعوه ونثق بما في يده أكثر مما في أيدينا، ونرضى باختياره لنا، ونعلم أنه ما منعنا بخلا ولا عجزا حاشاه سبحانه وبحمده، تبارك اسم ربنا ذي الجلال والإكرام.
ندعوه ولا نتعجل عطاءه، ولا نيأس من رحمته، ولا نتوكل إلا عليه، نرجو نوالَه والقرب منه، ونخشى عقابه والبعد عنه.
قل لنفسك: دعي عنك هذه النزغة الشيطانية المهلكة، وانفضي تراب اليأس والملل، واجتهدي في الثناء والدعاء، واعبدي ربك حتى يأتيك اليقين، فله الحمد في الأولى والآخرة وإليه ترجعون.
«فتح الباري» لابن حجر (10/ 339 ط السلفية):
«ويتعلق بهذه الخصال (الفطرة) مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين،
والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة،
ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان،
وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله - تعالى -: {وصوركم فأحسن صوركم} لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسّنت صورَكم فلا تشوّهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها،
وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس.»
وأصل هذا الكلام الحسن عند ابن دقيق العيد في شرح الإلمام بأوسع من ذلك.
وَمَعْنىَ الدعَاءِ: استدعَاء العَبْدِ رَبّهُ العِنَايَةَ واستمداده إياه المَعُوْنَةَ.
وَحَقِيْقَته: إظْهَارُ الافْتِقَارِ إلَيهِ، والتبَرُّؤ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوة.
وَهوَ سِمَةُ العبودية، واسْتِشْعَارُ الذِّلةِ البَشَرِيةِ.
وَفيهِ مَعْنَى الثنَاءِ عَلى الله، وإضَافَةُ الجود، وَالكَرَمِ إليه؛ وَلذَلِكَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ «الدعَاءُ هُوَ العِبادة».
(الخطابي)
https://youtu.be/PD1ft4zfp_k?si=z10tEFE3IwLky8nn
حب الرئاسة والجاه في قلوب الناس وهو من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة؛ فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات، وحملوها بالقهر على أصناف العبادات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحب مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات وألذ الشهوات، وهو يظن أن حياته بالله تعالى وبعبادته، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها إلا العقول النافذة، قد أثبت اسمه عند الله تعالى من المنافقين، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين.
وهذه مكيدة للنفس لا يسلم عنها إلا الصديقون ولذلك قيل:
آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة
.
وهو أعظم شبكة للشياطين، فإذن المحمود المخمول، إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف منه، كالأنبياء والخلفاء الراشدين، والعلماء المحققين والسلف الصالحين.
الطيبي