
قناة | أبي جعفر عبدالله الخليفي
الملحد ودور الضحية
👇
من هؤلاء الضحايا نساء وأطفال، منذ حصلت الحادثة في الأردن ونحن نرى تصعيداً في الخطاب وحنقاً لمجموعة من الناس وكأنهم وجدوا فرصة وحديث عن أمور زائدة على إدانة الجريمة؛
فمن أخذنا لجدل حول الترحم على النصارى وتلك الباقعة التي أطلقها المفتي في أن من لا يترحم متطرف،
ومن قراءة فاتحة على أرواح نصارى لا يؤمنون بثواب الفاتحة ولا منزل الفاتحة،
ومن تتبع للمنشورات وتدقيق هل استخدم المتكلم لفظ ( نصارى ) أو ( مسيحيين )،
ومراجعة خطاب المساجد في الأردن ( مع أن المنفذين ظهر أنهم ليسوا من الأردن باعتبار الرواية الرسمية )،
وأمور أخرى يطول ذكرها.
ويحدثك عن دولة المواطنة، وأنه لا مكان للحديث عن معاهد أو مستأمن.
دولة المواطنة لا يوجد فيها ( شهداء )، هذا مصطلح شرعي، دولة المواطنة يوجد فيها ( ضحايا )، ولا يوجد فيها ترحم وقراءة فاتحة هذه كلها معاني دينية.
فأنت تستحضر الدين إذا أردت، وإذا كلمك شخص في الدين قلت: "هذه دولة مواطنة"!
كنا خائفين من فتنة طائفية وإذا بالاحتقان ( الوطني ) قد يؤدي إلى فتنة بين بلدين شقيقين بكل طوائفها.
رحم الله قتلى درعا الأبرياء.
وكلنا ثقة أن العقلاء من البلدين سيدرأون الفتنة، ولا داعي للانجرار وراء احتقانات لحظية في مواقع التواصل.
وينبغي الاعتذار للأبرياء الذين قضوا في درعا وتعويض ذويهم.
وليحدثنا مفتي الأردن عن دية قتل الخطأ، فحديثه في هذا لن يكون فاجعاً، وسيكون يؤدي دوره الذي ينبغي في بيان الأحكام الشرعية.
بداية سورة العنكبوت وآخرها في خطبة ابن الزبير.
جاء في موطأ مالك: "3341- عن زياد بن سعد، عن عمرو بن دينار؛ أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن".
بالأمس وأنا أقرأ سورة العنكبوت تذكرت هذا الأثر، ففي بدايتها: {ألم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}
تأمل قوله تعالى: {يفتنون} هنا اسم الفاتن الذي ذكره ابن الزبير.
وفي آخرها قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}
تأمل {لنهدينهم} هنا اسم الهادي.
غير أنه سبحانه قال: {لنهدينهم} ولم يقل (يُهدَون) كما قال: {يفتنون} دون تسمية الفاعل أو نسبة الفعل للمتكلم، وذلك أن الفتنة فيها معنى الاختبار لا أنها الإضلال خاصة كما ظنه بعض المتأخرين، والاختبار عنده ترتعد الفرائص وترتجف القلوب، فجاء قوله سبحانه {لنهدينهم} مطمئنًا، وفيه توكيدات تزيد الطمأنينة.
فجاءت لام القسم وهي من المؤكدات فلم يقل: (نهديهم سبلنا)، بل قال: {لنهدينهم}، والنون الزائدة في {نهدينهم} وأصلها (نهديهم) تفيد التوكيد، إذ أنها نون التوكيد أيضًا، وما زاد في مبناه زاد في معناه.
ثم قوله: {وإن الله لمع المحسنين} فهذا كقولك ولله المثل الأعلى (سأعينك في اختبارك) وجاء فيها توكيد.
ورأس المجاهدين المحسنين جد ابن الزبير أبو بكر الصديق رضي الله عنهم.
فهو الذي نزل فيه قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 23]
وذلك في إحسانه لمسطح بن أثاثة في القصة المعروفة.
ونزل فيه قوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى}
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر».
وظهرت معالم الهداية في ثباته عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حروب الردة، وما وقع له من توفيق عظيم في الحادثتين.
وقوله سبحانه: {سبلنا} وسبيل الحق واحد، كأن فيه إشارة إلى أبواب الخير أو أبواب الجنة، وأيضا هذا يذكر بالصديق فهو الذي يدعى من أبواب الجنة كلها.
قال البخاري في صحيحه: "2841- حدثني سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله، دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فل هلم"، قال أبو بكر: يا رسول الله، ذاك الذي لا توى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن تكون منهم»".
وقوله: «لا توى عليه» يعني لا خوف عليه ولا ضياع، وهذا معنى الطمأنة المستفاد من قوله تعالى: {وإن الله لمع المحسنين}
فتدبر.
أمران يزيدان الإيمان وغيري يراهما يشككان (تلاعب الملاحدة وقولهم "دول متقدمة")
الأمر الأول: حصل ثلاث مرات تقريباً، وهو أن يأتي ملحد ويزعم أنه عاد للإسلام، ويسجل عدة فيديوهات في دلائل النبوة وكشف الشبهات، بل ويناظر غيره ويُظهر الاقتناع التام بالإسلام، ثم يعود لإلحاده، ومن كبر نفسه لا يقول إنه حصل تغير بل يقول إن المدة الإسلامية كان فيها تحت الإجبار، يعني كان منافقاً يُظهِر خلاف ما يبطن.
عادة يزعمون باطلاً أن تحكيم الشريعة يحوِّل المجتمع إلى مجتمع منافق، وهذا معناه أنهم يرون النفاق رذيلة أخلاقية، وإذا كان كذلك فالمنافقون في الدنيا كثر، وقد يجدون من السعادة والراحة والتقدير ما لا يجده الشجعان المصرحون بمعتقداتهم، وبما أن الملحد لا يخاف من إله يحاسبه في الآخرة فقد ينافق ويُظهر خلاف ما يُبطن لتحقيق مكاسب، بل حتى إلحاده لا يكون عن قناعة تامة بل مجرد تكسب، وحتى حديثه عن حقوق المرأة قد يكون باباً للفوز بالمعجبات فحسب وإن لم يكن مقتنعاً.
لا سبيل إلى أن نقول إن المنافق ليس أحسن حالاً من المصرح سوى بوجود إله يعلم السرائر ويحاسب عليها، ويعلم الصادق من الكاذب.
وهذا يؤكد لنا ضرورة وجود يوم آخر.
وحتى زعم وجود (إجبار) قد يكون هو الآخر مظهراً من مظاهر الكذب والنفاق.
قال تعالى: {وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزِلَ على الذين آمنوا وجهَ النهار واكفروا آخرَه لعلهم يرجعون} [آل عمران ٧٢]
وعندي قناعة تامة أن مثل هذه القرارات لا تخضع في الغالب لأدلة أو براهين وإنما نزعات نفسية، كما سأل بعضهم أحد أصحابه الملاحدة: لو خرج الدجال على الصفة التي ذكرها النبي ﷺ هل ستؤمن بالنبي ﷺ؟
فأجاب بكل صلف: لا.
أيْ أنَّ عنده مشكلة قلبية مع الدين، يحاول سترها بوجود شبهات وإشكالات مزعومة.
وباب النفاق والتصنع أوسع من ادعاء الإيمان والكفر، بل قد يدعي إنسان أنه مناصر للحقوق والأعمال الخيرية وغيرها ويكون كاذباً ويستر وجهاً قبيحاً تحته، وهذا كله لا سبيل إلى كشفه بالكلية عند البشر لذا كان في فطرتنا ذمه -إن لم تكن ضرورة حقيقية- مع أنه قد يحقق مكاسب حتى تتشوف نفوسنا إلى العدل الإلهي.
الأمر الثاني: قولهم "الدول المتقدمة".
نشأنا على تقديس دول الغرب، بل حتى دول مثل اليابان والصين وكوريا مع كونها عندها عادات مختلفة، يوجد عندنا من يقدسها ويدمن جلد الذات.
حتى ظهرت مواقع التواصل، واليوم مع الترجمة الفورية اكتشف كثيرون الانحطاط الفكري والأخلاقي عند كثير من الشعوب التي كان الناس يزعمون فيها الرقي.
واكتشف العقلاء أن وجود انضباط في العمل أو دولة رفاه لا يعني وجود رقي أخلاقي ضرورة، وأن الربط بين القضيتين ربط عاطفي محض.
غير أننا لو فرضنا أن هذه الشعوب عندها رقي أخلاقي تام وعندها رفاه دنيوي ومع ذلك هي فاقدة للإيمان، فلماذا لا نقول إن الرفاه المزعوم (علماً أن غالبهم لا يعرف الرفاه) هو ثواب الله لهم على حسناتهم لأنهم مفلسون في الآخرة.
روى مسلم في صحيحه: "عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها»".