
المُؤْنِسَة
ظَمِئتُ فَلَمْ أَظْمَأ إِلى بَردِ مَشْرَبٍ
وَلَكِنْ إِلى وَجْهِ الحَبِيبِ ظَمِيتُ
بَشَّار بنُ بُرد
معاني أصوات الحروف (أعمق طبقات البلاغة)
« فأنت إذا أردت أن تعرف معاني هذه الحروف فارجع إلى الفقرة الأولى من العبارة، وما تحملك عليه إرادة التعبير من التفريج عن نفسك بالمنطق أو التصويت الذي هو قوة كامنة في الإنسان لابد لها من العمل والمطاوعة حين تجد الحافز الذي يدفعها إلى تقرير طريقها في العمل لا يُلائمها تغيير عنيف في النظم، فهنالك فارق في العادات والأخلاق والمدنية والتعليم والدين... وأول ذلك أن تنظر إلى الحاجة التي تدفع إلى التعبير، ولعل من أوائل الحاجات التي يُدفع الإنسانُ للتعبير عنها النداءُ والتعجب والتأوه والأنينُ والإشارةُ والتنبيهُ... فأول ذلك أن يقذف الصوت مغسولاً من الحلق بأقصى ما يستطيع، كلا، وإذن فالهمزة الممدودة هي الصدى الصوتي الذي يراد به التنبيه والإشارة والنداءُ. وكذلك هو في العربية... فالحروف الحلقية لم تجتمع في العربية على التضعيف إلا قليلاً لقرب مخارجها كما تعلم، فقالوا "أحّ" و"أه" و"أخّ"... وهذه الثلاثة إنما تدل على إشارة وبيان فالصوت فيها يتحمل معنى التنبيه. ألا ترى أن قائل "أح" و"أخ" إنما يريد التألم والتوجع وإبداء ذلك والدلالة عليه، ولكنه مع الحاء يريد التنفيس عن نفسه لما يعانى من شدة الألم والوجع... ولهم لما أرادوا العبارة عن التوجع مع اللين والضعف والفترة التي تلحق المتأسف المكسور النفس بغير إضمار للحقد والغيظ قالوا "أه" و"أهّ" و"آهٌ". وهذا إشارة إلى تعب النفس. واجتماع هذين الحرفين السائلين المطلقين المغسولين الضعيفين هو تمثيل لحركة التوجع من إرسال النفس بريئاً مع انهزام خصر المتوجع وانثناء صدره واستسلامه للضعف واسترخاء أعضائه وتكسر أجفانه على عينيه. »
— الأستاذ أبو فهر، محمود محمد شاكر
(جمهرة المقالات، من مقال: "علم معاني أصوات الحروف - 2" - المجلد الثاني، ص 719 - 720)
إِنَّ الكَرِيمَ لَتَخفَىٰ عَنكَ عُسْرَتُهُ
حَتَّىٰ تَرَاهُ غَنِيًّا وَهوَ مَجْهُودُ
بشَّار
وَمَا نَحنُ إِلَّا كَالخَلِيطِ الَّذي مَضَىٰ
فَرَائِسُ دَهْرٍ مُخطِئٍ وَمُصِيبِ
بَشَّار بنُ بُرد
لَقَد زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِيَ أَنَّنِي
بَغِيضٌ إِلىٰ كُلِّ امْرِئٍ غَيرِ طَائِلِ
الطِّرِمَّاح
هذا معنى بديع مُبتكر، لم يُسبق إليه في بابه، وإن أعيد مرارًا لم يُملّ، لحسن موقعه من النفس.
"حدثني علي بن إسماعيل النوبختي قال، قال لي [البُحتريّ]: والله يا أبا الحسن لو رأيتَ أبا تمَّام الطّائيّ، لرأيتَ أكمل النَّاس عقلًا وأدبًا،
وعلمتَ أن أقلّ شيءٍ فيه شعره
!".
رَأَيتُ الدَّهْرَ يَشعَبُ كُلَّ إِلْفٍ
وَلا يَبقَىٰ لِوَحدَتِهِ الوَحِيدُ
بَشَّار بنُ بُرد