
آمِنة خالد
[مع لبيد]
ويَعرِضُ لهم لَبِيدُ بنُ ربيعةَ فيدعوهم إلى منزله بالقَيْسيّةِ، ويُقسِمُ عليهم ليَذهبُنّ معه، فيَمشونَ قليلاً، فإذا هم بأبياتٍ ثلاثةٍ ليس في الجنّةِ نَظيرُها بَهاءً وحُسناً، فيقول لَبيدٌ: أتَعرِفُ أيها الأديبُ الحَلَبيُّ* هذه الأبياتَ؟ فيقولُ: لا والذي حَجّتِ القبائلُ كَعبتَه! فيقول: أمّا الأوّلُ فقولي:
إنّ تَقْوَى رَبّنا خَيْرُ نَفَلْ
وبإذْنِ اللهِ رَيْثى وعَجَلْ
وأمّا الثاني فهو قولي:
أحْمَدُ الله، فَلا نِدَّ لَهُ
بيَدَيهِ الخيرُ، ما شاءَ فَعَلْ
وأمّا الثالثُ فقولي:
مَن هَداهُ سُبُل الخيرِ اهتَدَى
ناعِمَ البالِ، ومن شاءَ أضَلّ
صَيّرَها رَبّي اللّطيفُ الخبيرُ أبياتاً في الجنَّةِ، أسكُنُها أُخرى الأبَدِ وأنْعَمُ نَعيمَ المُخَلَّد. فيَعجَبُ هو وأُولئك القومُ ويقولون: إنّ اللهَ قديرٌ على ما أراد.
• المعرِّي، رسالة الغفران
___
* ابن القارح
«لولا الهوى لم تُرِقْ دمعًا على طللِ»
كنتُ في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي أستاذا للأدب الفرنسي، وكنتُ أهتمّ شيئا ما باللسانيات لأنه كان يُشاع وقتئذ أنها تمنحنا الطريقة المثلى لتحليل النصوص الأدبية. من لا يتقن اللسانيات لن يفلح أبدا في مساره الأدبي. كنتُ تعيسا أمام هذه الضرورة القاطعة، وكنتُ أصغي إلى اللسانيّين يتحدّثون بحماس وأنا بينهم كأنني مصاب بالتوحُّد، لا أفهم ما يقولون. تبيَّن لي في ذلك الوقت أنني لست مؤهَّلًا للخوض في التنظير اللساني والأدبي، مع أنني استفدتُ كثيرا من علمائه وأخصائيّيه.
أضف إلى هذا عجزي الواضح عن كتابة دراسة رصينة وفق المعايير الجامعية المعهودة. وهذا واضح في أطروحتي عن المقامات، أطروحة هي بالأحرى، كما قيل لي، محاولة نقدية. وبالجملة، لستُ قادرا عن تأليف كتاب بمقدّمة وخاتمة وبينهما بحث مستفيض لموضوع ما في فصول متراصّة البناء. كان هذا يقلقني ولم أتجاوزه إلّا يوم تبيَّن لي أن ما كنتُ أعتبره عجزا يمكن أن أجعل منه الموضوع الرئيس لمؤلّفاتي. ليست طريقتي في الكتابة من اختياري، ما هو شبه مؤكّد أن ليس بمستطاعي أن أكتب بطريقة أخرى.
اتّضحَ لي هذا وأنا أقرأ الجاحظ، فهو الذي خلّصني من شعوري بالنقص يوم تبيّنتُ أنه، وهو أكبر كاتب عربي، لم يكن يستطيع أو لم يكن يرغب في إنجاز كتاب بمعنى استيفاء موضوع ما والمثابرة عليه والسير قُدما دون الالتفات يمينا أو يسارا. هو نفسه يقرّ بهذا ويعتذر مرارا على، على ماذا؟ كدت أقول على تقصيره، وما هو بتقصير. يعلّل الأمر بتخوّفه من أن يملّ القارئ، والواقع أنه هو أيضا كان يشعر بالملل ويسعى إلى التغلّب عليه بالالتفات هنا وهناك، وهذا سرّ استطراداته المتتالية.
• ع. كيليطو
وجه الوقوف على شرفِ الكلام: أن تتأمَّلَ موقعَ قوله: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} وهل تقعُ في الحسن موقعَ قوله: "ليأخذوه" كلمةٌ؟ وهل تقومُ مقامَه في الجزالة لفظةٌ؟ وهل يسدُّ مسدَّهُ في الأصالةِ نكتةٌ؟
لو وضع موضع ذلك "ليقتلوه"، أو "ليرجموه"، أو "لينفوه"، أو "ليطردوه" أو "ليهلكوه"، أو "ليذلوه"، ونحو هذا، ما كان ذلك بديعا ولا بارعا، ولا عجيبا ولا بالغا!
• الباقلّاني، إعجاز القرآن
ما زلتُ أومن بأن هذا العالم ليس له معنًى يعلو عليه، ولكنني أعلم أن هناك شيئًا فيه ذا معنًى، وذلك هو الإنسان؛ لأنه هو الكائنُ الوحيدُ الذي يطالب به.
• ألبير كامو