
آمِنة خالد
https://youtu.be/msfbQt4NQCU?si=TDGMRbSb8q3Zr9QL
«وإليكَ نسعى ونحفِد»
🤍
وبحثنا عن زهرتنا الوطنيّة، فلم نجد أفضل من شقائق النّعمان التي سمّاها الكنعانيّون "جراح الحبيب".
• م. درويش
«وقد سكنتْ منّي وسكنتُ منها الجسد،
فكانت منّي وكنتُ منها كونا لا يمحوه الأبد»
والحال أن الترادُف عُمومًا، وفي العربيَّة خُصُوصًا، ليس قضيَّة تتعلَّق بقرابةٍ دلاليَّة تحتضن المرجع نفسه على وَفْق صفات نادرًا ما تُشكِّك في ما تُسمِّيه أو تمنحه أشكالاً جديدة في الذَّهْن، بل يُعَدّ نوعًا من أنواع المعنى له وجود خاص يَكْمُن في تدقيق حالات النَّفس وتمييزها، أو تنويع صِفات ما يُتَداوَلُ. إنه، بذلك، لا يلتقط خصائص المراجع التي يُعيِّنها، بل يُستخدم لتمييز جِهات نظر خاصة بمجموعة من الأحكام تعود إلى ما نعينه أو نصفه أو تُسميه. ويُمكن القول، بعبارة أُخرى، إننا نعيِّن الشيء نفسه، ولكن من خلال نَمَطَيْنِ مُختلفَيْن من المعارف هما اللَّذان يُشكِّلانِ جُزءًا من مضمون التَّلفُّظ وغاياته.
يتعلَّق الأمر، بعبارة أخرى، بتمطيط لذاكرة الكون وتنويع حضور الإنسان فِي العالم.
فالحُبُّ في العربيَّة شَغَف وصَبْوة وهَوى وعِشق وكَلَف وهُيام وَوَجْد وتَتَيُّم وجوى وصَبابة وحالات أُخرى لا نعرفها
. ولا يتعلّق الأمر في جميع هذه الحالات، بكلمات تُحيل على «كم» عاطفي واحد تتحدد استنادًا إليه العَلاقة بين العاشق والمعشوق كما يستشعرها كل الناس، بل تُعيِّن مناطق مُختلفة داخل هذه العاطفة، أو هي إحالة على طبقات داخلها تقود من أبسط حالات الدفء الإنساني إلى أكثر الانفعالات جنونًا ورغبة في التملُّك والذّوبان في ذات المعشوق. وبذلك لن نكون، في الترادُف، أمام معنى تتحكَّم فيه شروط الاستعمال وإكراهات المقام، بل نكون ضِمْن حالات نَقِيس من خلالها الحجم الدلالي لما نتحدث عنه أو نصفه.
• سعيد بنگراد
وعنّي أخبرُك أني جُبِلتُ على طبيعتيْنِ لا يهنأنِي معهما عيشٌ أبدا، وإنّي لأبرِمُ بحياتي باجتماعهما، وأوَدُّ التغيَّبَ من نفسي أحيانا؛ لأفقدَ ما أنا بسببه من النكد من أجلهما وهما:
وفاءٌ
لا يشوبُه تلوُّنٌ قد استوت فيه الحضرةُ والمغيبُ، والباطنُ والظاهرُ، تولده الألفة التي لم تعزف بها نفسي عما درَّبته، ولا تتطلع إلى عدم من صحبته،
وعزَّةُ نفس
لا تقرُّ على الضَّيْم، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف، مؤثرة للموت عليه؛ فكلُّ واحدة من هاتين السجيتيْنِ تدعو إلى نفسها؛ وإني لَأُجفى فأحتمل، واستعملُ الأناةَ الطويلة، والتلوُّمَ الذي لا يكادُ يطيقُه أحدٌ، فإذا أفرطَ الأمر وحميت نفسي؛ تصبَّرت، وفي القلب ما فيه.
• ابن حزم الأندلسيّ
تَكَلَّمْنا بكُلِّ لُغات الوجع وأتْقَنّا الكتابةَ على مُختلفِ الرُقَعِ واحتضنت خطاباتُنا كوكب الأرض من جهاتِه الأربع، فلا عنصريَّة أديانٍ أو ألوانٍ أو اتِّجاهات، وكَذبَت صُدورُنا العارية والدامية ما تَمَّ تنميطُه من صُوَرٍ عن شَرْقٍ بربريّ الخُطى والنوايا يلزمه من يلجم وحشيَّته ويُهَذِّبُ بدائيَّته. لم يَكُنْ للأوجاع في قاموسيَّةِ جداريَّتنا لَوْن أو رائحة يُمَيِّزانِها عن أوجاعِنا، فتوحّدنا مع كُلّ خِطابٍ ثارَ على الظُلْم وناصَرَ من لا ينتصر، وأَعْلَنّا براءَتَنا من قصائد المَدْحِ الطَويلة والمُمِلَّة في مُلوكٍ وسَلاطينَ مَلَلْنا طولَ بَقائِهم فينا وعلينا وفَوْقَنا، فَلا خَيْرَ في قصيدةٍ لم تُخْرِجْ وراءَها مسيرة. قَرَأْنا لحِكْمَت ودنقل وعن جياب وجيفارا، ورَقَصْنا مع مَنْ تَبَقَّى من هُنود أميركا حَوْلَ نارهم. قَرَأْنا الفاتحة مليون مرَّةٍ على أرواحِ شُهَداء الجَزائر. رَكَضْنا نقطعُ حَبْلًا الْتَفَّ على عُنُق المختار في ليبيا، وحَمَلْنا إلى جامع الزيتونة ما استطعنا من
كتاباتِ عربيَّة نُخْفيها عن أسلافِ أتاتورْك، ورَدَّدْنا خَلْفَ ديغول بعدَ انتصارِه: باريس محروقة، باريس مُدَمَّرة، لَكِنَّ باريس محرَّرة. تَكَلَّمْنا بكُلِّ لُغات الوجع، لَكِنْ ظَلَّت فينا فسحاتٌ للابتسام، وَضَحِكْنا من نكاتٍ كُنَّا في عديدٍ من الأحيان مَوْضوعَها، وأسبابَ نُزولِها. ظَلَّ فينا تصديقُنا نَصْرَنا وحياةً أفضل، حينَ يموتُ هَذا المَوْت الطَويل ونَدْفِنُه في حديقَتِنا الخلفيَّة، وَنَتْلو عليه ما كَتَبْناهُ بَعْدَ مَوْتِه من قَصائد انتصار.
• ناصر أبو سرور، حكاية جدار
حين أستبصر جانباً من سيرة النبيّ إبراهيم، تتكشّف لي جوانب معرفيّة أخرى تؤكّد أنّ حضور ذكره في القرآن ما هو إلّا تأسيس لمنهج تفكير ينبغي لكلّ مسلم اتّباعه، بدءاً من شكّه ومساءلة مُسلّماته، ونقده، وتحطيم أصنامه المعرفيّة، واستقرائه العقليّ، وسعيه المتواصل إلى الحقيقة، إلى أن يرتقي إلى مرتبة الأُمّة، بالاستقلال المعرفيّ، ورفض التلقّي الآليّ والتكرار المتوارَث.
وبتتبُّع المنهجيّة الذهنيّة الإبراهيميّة في القرآن الصالحة لكلّ زمان ومكان، نعرف أنّ ذكر تحطيم الأصنام لا يكون حدثاً تاريخيّاً ساكناً متجمّداً عند أصنام عصر النبوّة الحجريّة، إنّما هو رمز متجدّد الدلالة، فلكلّ عصر أصنامه الخاصة التي لا تلبث أن تتعقّد وتتلّون وتُعاد برمجتها بما يلائم زمنها، حتى تبلغ عصرنا الراهن في صور أكثر حضوراً وثباتاً وتوارثاً تحجب الرؤية الحقّة.
وهنا تبرز ضرورة امتلاك "الفأس" المعرفيّة والروحيّة لتحطيم كلّ ما يعترض طريق البصيرة، ومن ثَم إعادة ضبط البوصلة نحو الحقيقة المطلَقة: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.
وفي هذا الإطار، علّل بعض مُحلِّلي الرسم القرآنيّ اختلافَ رسم اسم النبيّ إبراهيم في القرآن في سياقات ذكره، وأعزوه إلى تباين تحوّلات النفس الإبراهيميّة في رحلتها وترقّيها؛ وهذا تعليل جميل.