
قناة أ.د. بندر الشراري
انتبه الشعراء قديمًا لقضية الخوف المبالغ فيه والذي قد يكون أكبر من المخوف منه، فقال أحدهم:
ورُبَّ أُمُورٍ لا تَضِيرُكَ ضَيْرَةً
ولِلقلبِ مِنْ مَخْشَاتِهِنَّ وَجِيبُ
ومعنى (وجيب): خفقان شديد.
وقال الآخر:
وقُلْ للفؤادِ إنْ نَزا بكَ نَزْوةً
مِن الرَّوْعِ أفْرِخْ أكثرُ الرَّوعِ باطلُه
ومعنى (أفرخ): ليسكن روعك ويذهب.
وبمعنى هذا، قال الماوردي في أدب الدنيا والدين: "لا تتعجّل همّ ما لم يأت، فإنّ أكثر الهموم كاذبة، وإنّ الأغلب من الخوف مدفوع"
وقال آخر:
لا يَمْلَأُ الْهَوْلُ صَدْرِي قَبْلَ وَقْعَتِهِ
وَلا أَضِيقُ بِهِ ذَرْعاً إِذا وَقَعا
وقال آخر:
مَن كان لم يُؤتَ علمًا في بَقاءِ غدٍ
ماذا تَفكُّرُهُ في رزقِ بعد غدِ
وهذا البيت يذكّرني بحكمة مصرية طريفة: "شايل همّ بكره ليه؟! ما يمكن ربنا ياخدك"
عبارة (فلان كلمة تجيبه وكلمة توديه)
يُغني عنها في اللغة العربية الفصحى: (فلان أُذن)
في اللغة العربية كلمات (مضغوطة) وهي التي بوّب لها الثعالبي في فقه اللغة وسر العربية بعنوان: "في الأشياء تختلف أسماؤها وأوصافها باختلاف أحوالها"
مثلًا: الدَّلو، يقال: هذا دلو.
فإذا كان فيه ماء فلا تقل: دلو فيه ماء، ولكن قل: سِجْل.
والصوف إذا صُبِغ لا تقل: صوف مصبوغ، بل قل: عِهن.
والكلمات في هذا الباب كثيرة.
الحِكمة والنفط: لقد طوّفت في بعض كتب الغرب المعاصرة، ألتمس منها لطيف الحكمة وجميل التجربة. وقبلها لي قراءة شبه يومية في كتب الأدب والحكمة عند العرب. وأقول ظنًّا مني: من قرأ في كتب الغرب يلتمس الحكمة ثم قرأ في كتب العرب، سيندم على وقت ضاع في كتب الغرب.…
الحِكمة والنفط:
لقد طوّفت في بعض كتب الغرب المعاصرة، ألتمس منها لطيف الحكمة وجميل التجربة.
وقبلها لي قراءة شبه يومية في كتب الأدب والحكمة عند العرب.
وأقول ظنًّا مني:
من قرأ في كتب الغرب يلتمس الحكمة ثم قرأ في كتب العرب، سيندم على وقت ضاع في كتب الغرب. وقد سمعت من صرّح بذلك.
ومن قرأ في كتب العرب ثم قرأ في كتب الغرب سيأنف من تضييع وقته فيها، ويثقل عليه الاستمرار في طول الذيل وقلّة النيل.
الحكمة المستقاة من كتب العرب أولج في السمع، وأدخل للقلب، وأسرع في التأثير، وأصدق، وأعمق، وأطرب.
ولن تجد حكمة عند الغرب إلا وهم مسبوقون بها عند العرب بأتمّ منها.
وباختصار: الفرق بين الحكمة المستخرجة من كتب العرب والحكمة المستخرجة من كتب الغرب، كالفرق بين النفط التقليدي والنفط الصخري.
شكا إليّ أحدهم حزناً لا يُفارقه على صديقٍ له مات قريباً، قائلاً: "أشعر بأنني قد قصّرت في حقّه كثيراً".
وهكذا نكون مع أحبابنا؛ يُخدّرنا التسويف، ويغرّنا رسوخ المحبّة التي لا نشكّ فيها.
فواسيته بما يسّر الله وأعان، وذكرت له أن هذه مشاعر وقتيّة تستدعيها العاطفة، ويجدها كل من فقد قريباً أو عزيزاً؛ وذلك لأن الميت يعظم شأنه بعد رحيله، كما قيل: "من أراد أن يعظم فليَمُت"، وقيل أيضاً: "من مات طالت رجلاه".
حتى إنك لتجد بعضهم يُكثر من ندب الميت وذكر محاسنه، ولذلك قال عبيد بن الأبرص:
لا أُلفِينّك بَعدَ المَوتِ تَندُبُني
وَفي حَياتِيَ ما زَوَّدتَني زادي
ثم دللته على أن أعظم ما تقدّمه لصاحبك اليوم هو الدعوات الصادقة؛ فهي أنفع له، وأبقى لك، وأصدق أثرًا مما حزنت عليه من فوات وصله في حياته.
ثم إنّي بعد مدّة، وقفت على أبيات لدُريد بن الصِّمَّة يرثي فيها أخاه عبد الله، وفيها بيتٌ يُشير إلى ذلك الشعور المذكور سابقًا، والشعراء لم يتركوا شيئاً إلا وطرقوه، كما قال عنترة:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ؟
وبيتُ دُريد هذا كالبلسم على فؤاد من فقد عزيزاً وهو يعلم أنه لم يقصّر في حقّه، إذ يقول:
وهَوَّنَ وَجْدِي أنَّني لَمْ أقُلْ لَهُ
كَذَبْتَ ولَمْ أَبْخَلْ بِمَا مَلَكَتْ يَدِي
ومعنى (هَوَّنَ وَجْدِي): أي خفّف حزني وطيّب نفسي.
يقول: إن مما سلّاني في حزني تَذكُّري بأن أخلاقي معه كانت حسنة، وأنني أكرمته بمالي وجهدي، ولم أقصّر في حقّه بما أقدر عليه.
فأحسنوا إلى أحبابكم، وقدّموا من المعروف ما يُهوِّن عليكم لوعة الحزن عند فقدهم، أو يكون شفيعًا لذكركم بالخير عند رحيلكم، فإنما نحن في هذه الدنيا فاقدون ومفقودون.
الزهد ليس أنْ تُهمِل نفسَك في الدنيا، ولكن أن تُهمِل الدنيا في نفسك.
قيل لمحمد بن علي بن الحسين: "من أشدُّ الناس زُهدًا؟ قال: مَن لا يُبالي الدنيا في يد من كانت"
لو كنت في دولة وستسافر منها خلال أسبوع، وقد انتهت باقة النِّت لديك، ووجدت فيها عرضين لاشتراك النِّت، أحدهما اشتراك مدته أسبوع، والآخر مدته شهر، فلن تأخذ العرض الذي مدته شهر؛ لأنك لا تحتاجه، وستكتفي باشتراك الأسبوع.
كثيرٌ مِن رغباتنا وأمنياتنا في الحياة لا نحتاج منها إلا القليل، لكن الحرص يجعلنا نظلّ نفكّر بأنه لا يُغنينا إلا الكثير، فلا الكثير ندركه، ولا القليل نستمتع به.
حياتنا في هذه الدنيا سفر، وأعمارنا فيها قصيرة.
وآمالنا أطول مِن آجالنا.
وأحلامنا أكبر من حاجاتنا.
وقد قال الشاعر:
إِنْ كانَ لا يُغنيكَ ما يَكفيكا فَكُلُّ ما في الأَرضِ لا يُغنيكا
وخيرٌ مِن هذا كلِّه قولُ رسول الله ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" رواه مسلم.
أمر الله بالتفكّر في آياته، وأثنى على أهل التفكّر.
لذلك، اجعل لك كل يوم ساعة للتفكير، بحيث لا تُزاحمها أعمال، ولا تُشتّتها إشعارات جوال.
في هذه الساعة تتفكّر في نفسك، وما حولك، وما فوقك، حتى في النملة التي تمرُّ تحتك.
ساعة تُعظِّم فيها ربَّك، وتُغذِّي فيها عقلك، وتحاسب فيها نفسك.
فإنه لا سبيل للقناعة إلا بالتفكير، و«القناعة كنز لا يفنى».
ولا طريق لغنى النفس إلا بالتفكير، و«ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس».
وقد قيل: «الفكرة تُورث الفهم، والفهم يُورث العلم، والعلم يُورث العمل».
ومن أهمل فِكرَه أفسد عقلَه.