
احسان الفقيه
فتح الحمار مذكرة يومياته وكتب فيها :
« انا لا أعرف كـم مضى مـن الزمن على رحيــل الأســـد
ولكن وصلت في نهاية عمري إلى قناعة راسخة لكنها قاسية
و مؤلمة مفادها أن ديكــ..ـتاتورية الأسد أفضل من حرية القردة والكــلاب ، فهـو لــم يكن يســ..ـتعبـــدنا بل كــان يحمـينا مـــن
قـــــرود تبيع نصف الغابة مقابل المـــــــوز
وكلاب تبيع نصفها الآخر مقابل العظام.....»
من روائع الدكتور الأديب علي الوردي
هل عادت الهاغاناه للعمل في الساحة الفلسطينية؟
==
ما إن سقطت فلسطين بقبضة الاحتلال البريطاني حتى تشكلت عام 1920 عصابات صهيونية تحت اسم «هاغاناه وعفوداه» وهي تعني فرقة الدفاع والعمل، وفيما بعد أسقطت كلمة العمل ليبقى اسم هاغاناه هو المعبر عن تلك العصابات، التي نشأت بحجة الدفاع عن المستوطنات.
تكونت الهاغاناه من المهاجرين اليهود الذي وفدوا إلى فلسطين، ثم دعمت بعناصر الفيلق اليهودي، الذي حارب إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، ثم قامت بريطانيا بحله، فانضمت عناصر الفيلق بخبرتها القتالية إلى الهاغاناه، لتصبح تلك العصابات ذات خبرة عالية في التنظيم والتخطيط والاغتيالات والعمليات العسكرية.
أنشأت الهاغاناه نقاطا عسكرية لتجميع الذخيرة والسلاح والمؤن الغذائية، لاستخدامها في الأعمال العدائية ضد الفلسطينيين، وأسهمت في إنشاء خمسين مستوطنة صهيونية، ونفذت أعمالا عدائية ضد الفلسطينيين، لطردهم من أراضيهم وإحلال المهاجرين الصهاينة، وشكلت مع عصابات أخرى نواة الجيش الإسرائيلي بعد نكبة 1948.
اليوم يعود ذكر هذه العصابات، على خلفية الأنشطة العدائية السافرة التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة، والذين لم يعد يُنظر إليهم على أنهم تجمعات مدنية، وإنما باعتبارهم ميليشيات مسلحة مدعومة دعما كاملا من الحكومة اليمينية المتطرفة، لتُطرح التساؤلات حول ما يمكن أن تقدمه ميليشيات المستوطنين للمشروع الصهيوني.
المستوطنون سلاح استراتيجي يستخدمه الكيان الإسرائيلي بشكل استعماري مدروس وممنهج، كرأس حربة في المشروع الصهيوني للسيطرة الكاملة على الضفة، من خلال التغيير الديمغرافي، الذي يبدو أن الاحتلال قد استعاض في تنفيذه بالمستوطنين، من دون إقحام الطائرة والدبابة.
المستوطنون يعتبرون الاستيطان واجبا دينيا مقدسا استنادا إلى عقيدة الأرض الموعودة، ومن ثم تمولهم الحكومة بسخاء، وتوفر لهم البنى التحتية المتطورة وفرص العمل وتعفيهم من الضرائب، وأصبح الاقتصاد الاستيطاني الذي يتم تصدير منتجاته أداة من أدوات تبييض وجه الاحتلال دوليا. يعمل المستوطنون وفق مبدأ الواقع يفرض نفسه، حيث تزحف المستوطنات، من دون إعلان رسمي، فتغدو الأراضي التي تقام عليها مستوطنات إسرائيلية نقاط ارتكاز لمزيد من التوسع، ومبررا أمنيا في الوقت نفسه لنشر المزيد من القوات، وبناء الجدران والحواجز، فتتحول ملكية الأراضي الفلسطينية إلى قبضة السيطرة الإسرائيلية.
الضفة الغربية تحولت إلى ساحة عمل لميليشيات المستوطنين الإسرائيليين كقوة شبه عسكرية لتحقيق أهداف المشروع الصهيوني، وهي مجموعات منظمة، من بين عناصرها عناصر تم استدعاؤها للخدمة الاحتياطية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في الوقت الذي تدعي الحكومة الإسرائيلية، أن هذه الجماعات كيانات مارقة، وذلك للتغطية على أعمالها العدائية. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن الدعم المالي والعسكري من الحكومة الإسرائيلية مكن هجمات المستوطنين، التي ازدادت رقعتها وحدّتها، بدعم وافر من وزير الأمن الصهيوني إيتمار بن غفير، الذي أعلن انضمام مئات الآلاف من المستوطنين اليهود في القدس لقائمة المؤهلين للحصول على سلاح، بعضهم يسكن في بؤر استيطانية وسط الأحياء الفلسطينية.
تعمل ميليشيات المستوطنين على تهجير الفلسطينيين في الضفة، من خلال الأعمال العدائية من حرق للأراضي الزراعية، واعتداءات متكررة على المنازل، وقطع الماء والكهرباء عن بيوت الفلسطينيين، بالتوازي مع قرارات هدم منازل الفلسطينيين التي تنفذها الحكومة وإقامة المستوطنات في أماكنها. خطورة المستوطن الإسرائيلي تكمن في أن وجوده يعيد ترتيب المجال المحيط به، فأي بقعة يستوطنها يصبح الطريق إليها جزءا من شبكة جديدة، ومنطقة أمنية تعيق تحركات الفلسطينيين، وتتحول إزاءها الأراضي الزراعية ومواردها المائية والمراعي التي يحوزها الفلسطينيون، مواضع للنزاع، تقضي فيه حكومة متطرفة توآزر المستوطنين.
هناك اختلاف في السياق التاريخي الذي عملت ضمنه عصابات الهاغاناه وأخواتها، عن السياق الذي تعمل ضمنه ميليشيات المستوطنين، كما أن الهاغاناه هي التي عملت على تهجير الفلسطينيين من أجل إقامة الدولة، بينما الدولة اليوم وحكومتها هي التي أنبتت ورعت المستوطنين من أجل مزيد من السيطرة على الأراضي في فلسطين المحتلة. لكن ثمة تشابه تاريخي بين الهاغاناه والميلشيات الاستيطانية، وهو استخدام الاستيطان المنظم والحماية المسلحة وتغيير الخريطة على الأرض، بوصفها عناصر مترابطة في بناء مشروع سياسي طويل الأمد.
الميليشيات الاستيطانية رأس حربة للمشروع الصهيوني المتطرف الذي يعتبر الضفة أرضا يهودية خالصة، مهمتها هي إحداث التغيير الديمغرافي بتهجير الفلسطينيين وإحلال الإسرائيليين، وهو عين المهمة التي كانت تنفذها عصابات الهاغاناه وغيرها. لا إبالغ إن قلت إن عمل ميليشيات الاستيطان في الساحة الفلسطينية أخطر من عمل العصابات القديمة، ذلك لأن الهاغاناه كانت تعمل بلا غطاء حكومي، إذ لم تكن قد أقيمت دولة الكيان الإسرائيلي بعد، أما المستوطنون فهم يعملون تحت غطاء من الحكومة، تتبادل معهم الأدوار في تنفيذ مخطط التهجير، وتوفر لهم الحماية وتقنين الأوضاع، بما يجعل تحركاتهم أسهل وأكثر مرونة، من دون اللجوء إلى إحداث مجازر تثير الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي.
إذا كانت هذه خطورة الميليشيات الاستيطانية، فلا أقل من قيامنا إزاء هذا الخطر بالتأكيد على تنشيط الدعوة إلى حملات دولية لمقاطعة الاقتصاد الاستيطاني، والضغط على المتاجر العالمية لوقف بين منتجات المستوطنات، وكشف سياسات وممارسات المنظمات والدول التي تدعم النشاط الاستيطاني في فلسطين محتلة بهدف تكوين رأي عام عالمي مناهض لها، ودعم صمود الفلسطينيين في التمسك بأراضيهم، وتسليط الضوء الإعلامي على معاناتهم المستمرة.
==
احسان الفقيه
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/%d9%87%d9%84-%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%a7%d8%ba%d8%a7%d9%86%d8%a7%d9%87-%d9%84%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84/
الإسلام والإنسانية.. دائرة الالتقاء
==
ما من فكرة متطرفة إلا ويقف قبالتها فكرة متطرفة أخرى مضادة لها، وبينهما تقبع الحقيقة التي تعرضت للتشويش.
ومن ذلك تحرير العلاقة بين الإسلام والإنسانية، التي وجدت نفسها بين اتجاهين متطرفين، أحدهما يغفل عن حقيقة أن أمة الإسلام جزء من المنظومة الإنسانية، فمن ثم ينزع إلى الانفصال عن هذه المنظومة بدعوى الحفاظ على خصوصية المنهج، وأما الاتجاه الثاني فهو يهدر خصائص الإسلام ويقصي مبادئه، وينزع إلى الذوبان تحت مظلة التعايش الإنساني.
العلاقة بين الإسلام والإنسانية كانت واضحة المعالم لدى المسلمين الأوائل منذ أن نزل قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
هذه الآية حددت دائرة يلتقي فيها الإسلام بالإنسانية، وهي دائرة الاجتماعي البشري المستند إلى أصل يتساوى فيها الناس جميعا وهو الطينة البشرية الواحدة، حيث إن الغاية من جعْل الناس شعوبًا وقبائل هي التعارف والتعامل القائم على احترام هذه الخِلقة الإنسانية المكرمة، وهي أهداف تؤول إلى القبول بحقوق الآخرين والتفاعل معهم وإفادتهم والاستفادة منهم.
رسالة الإسلام لم تنزل إلى البشرية لتعيش في كوكب خاص بها ولا لينغلق أتباعها على أنفسهم، بل لتحدث التفاعل المثمر بين الناس، وتعمل على رعاية الإنسانية ليس في إطار معتنقيها فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى العناية بالكائن البشري بشكل عام. وتحرير الإنسانية من ربقة الاضطهاد والظلم هو من صلب رسالة الإسلام التي عبر عنها الصحابي ربعي بن عامر بقوله: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).
وقد فهم المسلمون دائرة الالتقاء بين الإسلام والإنسانية من خلال قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، فهو رحمة مهداة لكل أهل الأرض، سواء أولئك الذين استناروا بهديه والتزموا منهاجه وفازوا بالدنيا والآخرة، أو أولئك الذي نأوا عنه فأصابتهم هذه الرحمة العامة من جهة منع الإهلاك العام كما في الأمم السابقة، ومن جهة الانتفاع بتشريعات العدل والرحمة والإحسان مع غير المسلمين.
ومن هذا المنطلق، كانت الحضارة الإسلامية ثمرة للتفاعل الحر الاختياري بين الحضارات المتعددة والمتمايزة، يجمع بينها القاسم الإنساني المشترك.
لكن الالتقاء بين الإسلام والإنسانية في هذه الدائرة لم يمنع الإسلام من الحفاظ على خصوصيته كمنهج شامل متفرد صالح للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن أمته هي خير أمة أخرجت للناس، وتلك هي دائرة التفاضل التي يمتاز فيها إنسان عن آخر بمعيار التقوى، ويوضح الإمام ابن كثير الفرق بين الدائرتين بقوله:
"جميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم".
إن خدمة الإسلام ونشر منهاجه الصافي الذي كان عليه الرعيل الأول، هي في جوهرها خدمة للإنسانية، والعمل من أجل رفعته لا ينفصل عن واقع الإنسانية، فهو بناء إنساني متكامل، شرط أن يقدم النموذج الصحيح منه، ذلك لأن المنهج ليس مسؤولا عن اعوجاج معتنقيه ولا يُنسب إليه تفريط المفرطين ولا غلو الغلاة.
ربما ينتقد البعض هذه الكلمات بدعوى أنها تنظير وتأصيل لا يتعلق بالواقع العملي، لكن أصحاب هذه النظرة قد غاب عنهم أننا نخوض في هذا العصر معركة فهم ووعي، والتفكير هو الطريق إلى العمل، فقبل أن نسأل: ماذا نعمل؟ ينبغي أن نسأل: كيف نفكر؟ ولذا قال الطاهر بن عاشور: "إن إصلاح التفكير من أهم ما قصدته الشريعة الإسلامية في إقامة نظام الاجتماع، وبهذا نفهم وجه اهتمام القرآن باستدعاء العقول للنظر والعلم والاعتبار".
==
احسان الفقيه
الشرق القطرية
https://al-sharq.com/opinion/21/09/2026/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%A1
السبب الجوهري الأبرز في إخفاق الاحتلال في الغسيل الرياضي، هو ثورة الاتصالات التي جعلت العالم كقرية واحدة صغيرة، ففي السابق كانت الصورة الذهنية للشعوب الغربية عن الإسرائيليين يصنعها الإعلام الرسمي، والذي هو في معظم الأحيان مؤيد للكيان الإسرائيلي أو متخوف من الضغط الأمريكي، فكانت معظم الشعوب ترى الكيان الإسرائيلي قوة مسالمة في محيط العداء العربي، كما وقعت تلك الشعوب فريسة لمفهوم معاداة السامية.
مع هذه الطفرة في مجال الاتصال، ونشوء الإعلام البديل، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تتدفق خلالها أخبار ومشاهد وصور ومقاطع العربدة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، تحول الرأي العام العالمي إلى رفض الممارسات الإسرائيلية واعتبار هذا الكيان قوة بطش جائرة ترفض السلام، ما انعكس على قبول الشعوب للحضور الإسرائيلي في المجال الرياضي.
مفارقة لا يمكن تجاوزها كانت سببا مباشرًا في فشل الكيان الإسرائيلي في الغسيل الرياضي، وهي أنه في الوقت الذي تسعى فيه دولة الاحتلال لتقديم صورة مزدهرة وطبيعية عن نفسها، قامت كذلك بتدمير البنية الرياضية للفلسطينيين، حيث استهدفت الملاعب والمنشآت الرياضية واغتالت الرياضيين وتسببت في إصابة بعضهم بعاهات مستديمة، فكيف يتفق أن الكيان يسعى لتحسين صورته من خلال الرياضة في الوقت الذي يهدم الرياضة في حياة الطرف الآخر للصراع؟!
هذه المفارقة تغدو واضحة صاخبة في حياة الشعوب، لأنها لا تعتمد هنا على خطاب سياسي منافس، بل تعتمد على المقارنة بين صورتين متناقضتين في عالم الرياضة.
ومن عوامل إخفاق الكيان الإسرائيلي في الغسيل الرياضي، حالة الجدل الأخلاقي التي وجدت دول وشعوب العالم نفسها في إطارها، بعد أن شوهد نموذج العقاب الغربي لروسيا في المجال الرياضي، على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية، والتي حرمت روسيا من المسابقات الرياضية من بينها الحرمان من خوض تصفيات كأس العالم. وهنا تعاظمت الأصوات المطالبة لاتباع نهج مماثل مع الكيان الإسرائيلي.
لقد أصبح الحضور الإسرائيلي نفسه في المحافل الرياضية سببًا في فشل الكيان في تبييض وجهه، فكلما زاد هذا الحضور زادت فرص طرح الأسئلة المتعلقة بالحرب والسياسة والحقوق الفلسطينية، وكلما ارتفع العلم الإسرائيلي في أحد الملاعب يصبح هناك جمهور يرفع العلم الفلسطيني، وكلما ظهر فريق إسرائيلي في إحدى البطولات كلما زادت الأسئلة حول الأندية المقامة في المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
لن يتمكن الاحتلال من تبييض وجهه من خلال الرياضة، لأنه ليس دولة طبيعية، بل هو كيان مغتصب لدولة طبيعية هي دولة فلسطين.
==
احسان الفقيه
خاص موقع آفاق
https://aafaaq.org/article/12826/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A3%D8%AE%D9%81%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B3%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D8%B6-%D9%88%D8%AC%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%9F
لماذا أخفق "الغسيل الرياضي" في تبييض وجه الاحتلال؟
==
غسيل الأموال، مصطلح يعبر عن إحدى أخطر الجرائم الاقتصادية التي يراد من خلالها إضفاء الشرعية القانونية على أموال قذرة، وأصبح لهذه الجريمة كيانات وشركات تقوم بغسيل الأموال لصالح العملاء.
ومن مصطلح غسيل الأموال، تفرعت توجهات مشابهة أبرزها الغسيل الرياضي، والذي يعبر عن استخدام الرياضة كوسيلة لتحسين صورة دولة ما، من خلال الانخراط في الأوساط الرياضية الإقليمية والعالمية، كالمشاركة في البطولات الرياضية أو رعاية فرق رياضية ونحو ذلك.
دولة الاحتلال تعد أشهر الدول التي تحاول من خلال الغسيل الرياضي تحسين صورتها أمام العالم، وكأداة من أدوات التطبيع أيضًا، وذلك بسبب العزلة التي يعاني منها الكيان الإسرائيلي في المحيط العربي، والصورة الذهنية السلبية التي تراكمت لدى الشعوب عن الاحتلال، وبلغت أوجها خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة.
على الرغم من حرص دولة الاحتلال على تبييض وجهها من خلال الرياضة، إلا أنها فشلت في تحقيق هذا الهدف، بل ظهرت فرقها الرياضية ككيان منبوذ في كثير من المسابقات الرياضية، فلقد اعتادت الجماهير على مشهد انسحاب لاعب عربي أو أجنبي من مباراة أمام الطرف الآخر لكونه إسرائيليا، وألفنا مشاهد التنديد بالكيان الإسرائيلي في المحافل الرياضية، وغدت المقاطعة الرياضية للكيان الإسرائيلي تمثل خطًا موازيًا للمقاطعة الاقتصادية، وهو مشاهد بقوة منذ بدايات الألفية الجديدة.
ففي عام 2006 امتنعت إندونيسيا عن لعب مباراة مع المنتخب الإسرائيلي للسيدات في التنس ضمن بطولة كأس الاتحاد، كما تخلف حارس مرمى منتخب فرنسا لكرة القدم فابيان بارتيز عن مرافقة فريقه لمواجهة الفريق الإسرائيلي ضمن تصفيات كأس العالم، وكذلك رفض اللاعب الكويتي محمد الغريب خوض مباراة أمام خصمه الإسرائيلي في بطولة تحدي روسيا للتنس للمحترفين.
ثم توالت المواقف الرياضية التي تبرهن على عزلة الكيان الإسرائيلي في مجال الرياضة واعتباره لدى كثير من المهتمين بالشأن الرياضي عنصرًا منبوذًا.
زادت المقاطعة بشكل لافت بعد الحرب الإسرائيلية على غزة 2008، وعلى سبيل المثال: قام المجلس البلدي في مدينة مالمو السويدية عام 2009 بمنع المشاهدين من حضور مباراة للتنس بين فريق السويد والفريق الإسرائيلي، بعد إن قرر بادئ الأمر إلغاءها إلا أن الكيان الإسرائيلي مارس الضغوط على السويد ليوافق المجلس على إقامتها بدون جمهور بعد أن عدل عن قرار الإلغاء.
وعلى الصعيد العربي رفض لاعب فريق المغرب لكرة القدم مروان الشماخ السفر مع فريق بوردو الفرنسي لملاقاة فريق مكابي حيفا الإسرائيلي في دوري أبطال أوروبا في فلسطين المحتلة احتجاجا على الممارسات الإسرائيلية القمعية ضد الشعب الفلسطيني.
كما أدت احتجاجات مدينة أوكلاند في نيوزيلاندا على مشاركة لاعبة التنس الإسرائيلية شاهار بير في بطولة دولية للتنس.
زادت وتيرة المقاطعة الرياضية للكيان بعد ثورات الربيع العربي ضمن توجهات رفض التطبيع. وهروبًا من العقوبات التي تفرضها الاتحادات الدولية للرياضات المختلفة على المقاطعة، لجأ الرياضيون الرافضون للتطبيع مع الكيان بتجنب مصافحة اللاعبين الإسرائيليين على الرغم من أن بعضهم ينتمي إلى دول مطبعة مع دولة الاحتلال.
ومع تكرار وقائع رفض مصافحة اللاعبين الإسرائيليين ضمن أولمبياد البرازيل 2016، طالب رئيس الوزراء نتنياهو اللجنة الأولمبية بمعاقبة اللاعبين الممتنعين عن المصافحة، لكن ذلك لم يمنع تكرارها.
الرفض – أو عدم الارتياح- العربي والعالمي للوجود الإسرائيلي في مجال الرياضة تصاعد وتنامى على مستوى الشعوب والنقابات والاتحادات في العديد من دول العالم بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، تلك الحرب التي كشفت للعالم بأسره الوجه الحقيقي للكيان الإسرائيلي.
وغدت المؤشرات على المقاطعة الرياضية للكيان الإسرائيلي متعددة ومتتابعة سواء على الصعيد العربي الإسلامي أو الصعيد العالمي، ما بين انسحاب فرق ولاعبين من مواجهات رياضية مع الفرق الإسرائيلية، واحتجاجات ومطالبات شعبية بإقصاء إسرائيل من الفعاليات الرياضية، وضغوطات على الاتحادات العالمية للرياضات المختلفة لمنع استضافة الكيان لبطولات أو المشاركة فيها.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، دعت منظمة العفو الدولية الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم، إلى تعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم لحين استبعاد الأندية الموجودة في المستوطنات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة من المنافسات الإسرائيلية.
الموقف الأمريكي بالنسبة لملف السويداء يختلف، لأن الأمر يتعلق بالأمن الإسرائيلي وتوجهات حكومة نتنياهو المدعومة من قوى وكيانات متنفذة داخل الولايات المتحدة، تجعل من المصالح الإسرائيلية في المنطقة على رأس أولويات أية إدارة أمريكية، لذلك لا تتجاوز واشنطن ممارسة ما يمكن أن نسميه الضغط الهادئ على نتنياهو، وهو في الغالب ينتهي بالمماطلة والإرجاء دون حسم، وهو ما يمنح نتنياهو فرصة للمناورة والالتفاف.
الشرع يدرك أن حسم أزمة السويداء لا يمكن أن يكون بقوة السلاح، لأن ذلك يمنح الكيان الإسرائيلي الفرصة لتحويل الأجواء السورية إلى ساحة عمل إسرائيلية تقضي على حلم البناء.
لا سبيل للحكومة السورية سوى التزام سياسة ضبط النفس، وتكثيف العمل على إشراك الوساطات الإقليمية والدولية لدعم فكرة وحدة الأراضي السورية ومنع إقامة حكم ذاتي في السويداء، خاصة وأنه لا سند قانونيًا لهذا المنحى.
إضافة إلى ذلك، ينبغي أن تعمل دمشق على تفريغ البيئة الانفصالية المحيطة بحكمت الهجري، وذلك لا يكون إلا باستيعاب الجنوب من النواحي الخدمية وفتح الطريق أمام جماهير السويداء خاصة الشباب أمام الاستفادة القصوى من التقارب مع الحكومة المركزية في دمشق، وعلى الإعلام الرسمي أن ينشط في هذا الجانب، وذلك حتى تظهر أحلام الهجري على أنها غير مبررة، خاصة بعد تصريحاته الصادمة عن الولاء للاحتلال الإسرائيلي.
كما يمكن لحكومة الشرع الاستفادة من الأصوات والقوى المعارضة لحكمت الهجري من المكون الدرزي، باستيعاب تلك القوى والتنسيق معها من أجل دعم فكرة سوريا موحدة.
==
احسان الفقيه
خاص موقع آفاق
https://aafaaq.org/article/12593/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A5%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC-%D9%82%D8%B3%D8%AF%D9%87%D9%84-%D8%AA%D9%86%D8%AC%D8%AD-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%A1%D8%9F
بعد إدماج قسد..هل تنجح سوريا في احتواء السويداء؟
==
دخلت سوريا مرحلة جديدة على صعيد بناء الحوار الوطني الجامع وتعزيز اللُّحمة الداخلية، وذلك بعد أن أعلن مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) حل هذه القوات بالكامل واندماجها في مؤسسات الدولة السورية.
وبهذا الإعلان، أسدل الستار على أزمة طاحنة امتدت لسنوات هددت أمن البلاد، وعرضتها لأخطار التقسيم، حيث أن هذه القوات حرّكتها النزعة الانفصالية وهدف الحكم الذاتي، مستفيدة من الغطاء الأمريكي والدعم الإسرائيلي وتعبئة المكون الكردي الذي قام نظام بشار بتهميشه.
جاء هذا الإعلان تتويجًا لجهود الحكومة السورية واتباعها سياسة النفس الطويل، وتوجيه المزاج الغربي نحو أهمية سيطرة الحكومة المركزية ومنع كيانات موازية في الدولة، من خلال الإصرار على سياسة تصفير النزاعات وتطابق التحركات الواقعية مع التصريحات الرسمية المطمئنة، واستثمارها ثقل الدبلوماسية التركية والخليجية لدى الولايات المتحدة لتذليل العقبات أمام احتواء المكون الكردي ومنع الانفصال، ودمج قسد في مؤسسات الدولة.
الإعلان أعقبه إجراءات رسمية تعزز ما تم إنجازه وتظهر حرص الحكومة على اللحمة الداخلية وصيانة حقوق الأكراد الذين يمثلون أحد أبرز مكونات المجتمع السوري، حيث أعلنت وزارة التربية السورية اعتماد تدريس اللغة الكردية في المدارس بالمناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، تزامنًا مع إعلان تعيين مصطفى خليل عبدي (مظلوم عبدي) مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية.
وكانت جهود الحكومة السورية في هذا الشأن قد بدأت في مارس/ آذار 2025 خلال توقيع الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي اتفاقا لوقف إطلاق النار وإدماج قسد ضمن مؤسسات الدولة. وأشار الشرع خلال الاتفاق إلى ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية، وأكد على أن المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة حقه في المواطنة وكافة الحقوق الدستورية.
وشمل الاتفاق وقف إطلاق النار ودمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، إضافة إلى ضمان عودة المهجرين السوريين إلى مدنهم وتأمين حمايتهم.
وأخيرًا استكملت مراحل الاتفاق بهذا الإعلان التاريخي، الذي يطوي صفحة سوداء في سوريا، وإفشال مشروع الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا.
هذا الإنجاز فتح المجال للبحث في مدى قدرة الحكومة السورية على تجاوز أزمة السويداء وإحباط التطلعات إلى إقامة حكم ذاتي للدروز بعيدًا عن مركزية الدولة.
تخضع السويداء لسيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري والذي يرفض التعامل مع حكومة دمشق، ويعلن ولاءه للكيان الإسرائيلي ويعول عليه في تحقيق الانفصال وإقامة الحكم الذاتي.
إضافة إلى تلقيه الدعم من الاحتلال الإسرائيلي، يستقوي الهجري بقوات الحرس الوطني التي قام بتشكيلها بمحافظة السويداء كقوة حامية لمشروع الانفصال.
لا شك أن نجاح الحكومة في إدارة ملف قسد وإنهاء هذا الكابوس، سوف يعزز صورة الدولة من حيث قدرتها على مواجهة النزعات الانفصالية وترويض الكيانات الموازية، ودحض فكرة قابلية الدولة للتفتيت والتقسيم.
كما أن هذه الصورة بلا شك سوف تؤثر على فكرة الانفصال في الجنوب وتشكك في إمكانية إقامة حكم ذاتي للدروز، كما أن حكمت الهجري قد انقطع عنه رافد الدعم من قبل قوات سوريا الديموقراطية بعد إعلان حلها.
لكن مع ذلك يبقى تكرار التجربة في ملف السويداء من الصعوبة بمكان، لأنه يصطدم بأطماع وأحلام الاحتلال الإسرائيلي الذي يقوم بتغذية تطلعات الهجري وأتباعه من الدروز الذين لهم امتداد في الداخل الإسرائيلي، فقام نتنياهو بقصف مواقع النظام السوري بحجة حماية الدروز، وحول جيش الاحتلال منطقة الجنوب إلى منطقة محرمة على القوات الحكومية للدولة، هذا لأن أحلام الهجري تلاقت مع الأحلام الصهيونية في تفتيت وحدة الأراضي السورية، وقيام دولة موالية للكيان الإسرائيلي على الحدود هو عين ما يتطلبه أمن الدولة المزعومة.
الموقف الأمريكي الذي يعد محوريًا في قضايا سوريا، يختلف في الحالتين، فواشنطن كانت تشكل غطاء لقوات سوريا الديموقراطية باعتبارها وكيلًا في تأمين النفط ومواجهة تنظيم داعش، وورقة ضغط كذلك على أنقرة، لكن مع تغير خارطة التحالفات ورغبة الولايات المتحدة في أن تخفف أعباءها في المنطقة، تخلت عن دعم قسد وقبلت بدمجها في المؤسسات السورية، طالما أن الحكومة الجديدة سوف تتولى مهام تأمين النفط ومواجهة داعش إضافة إلى مراقبة الحدود ومنع الإمدادات التي تصل إلى حزب الله اللبناني عن طريق الأراضي السورية.
هل وقع هذا الجيل ضحية لفكرة الجبر الاجتماعي؟
==
وقع الإنسان على مر العصور في شباك فكرة الجبر، والتي تنفي عن الإنسان امتلاك القدرة على الاختيار، ومن رحم هذه التصورات خرجت إحدى الفرق الضالة في التاريخ الإسلامي وهي فرقة الجبرية، والتي ترى أن الله أجبر العباد على أفعالهم من خير أو شر دون أن يكون لهم إرادة في ذلك، وساوت بين الإنسان والجماد من حيث نسبة الفعل إليه على سبيل المجاز لا الحقيقة.
وهذا محض خلل في التفكير، فإنك إن طلبت من أحدهم كوبًا من الماء فإن لديه القدرة على الاختيار بين أن يلبي طلبك أو يرفضه، والعبد الذي يدخل عليه وقت الصلاة المفروضة بوسعه أن ينهض للوضوء ثم الصلاة، وبوسعه أن يظل مكانه لا يغادره.
والعجيب أن من يقول بأنه مجبر على أفعاله، قد يستغرق في التفكير زمنًا ويعصف ذهنه عصفًا من أجل المفاضلة بين وظيفتين أو مجالين من مجالات الدراسة أو بين عدة صفقات في العمل، أو بين عروسين، فهو بذلك يناقض نفسه، فلو كان مجبرًا كما يزعم لترك نفسه لأي منها أو اختار إحداها بعشوائية، وتراه إذا أحسن الاختيار يفتخر بنفسه وقدرته على الاختيار والتمييز، فكيف يتفق ذلك مع كونه مجبرًا على أفعاله؟!
فكرة الجبر لا تقتصر على العقائد الدينية، بل لها أشباه ونظائر في كثير من مجالات الحياة بشكل أو بآخر، تتفق جميعها في كون الإنسان يبرر بها نقائصه وعيوبه وأخطاءه ليزيح عن كاهله عبء الشعور بالذنب والتقصير، ويهرب من مواجهة حقيقية للأزمات والمشكلات.
الجيل الحالي يتعرض لخطاب نفسي من الخطورة بمكان، ينبثق عن هذه الفكرة، فالخطاب النفسي السائد خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، يركز في تناول قضايا ومشكلات الشباب على تحميل الأبوين المسؤولية المطلقة عن كل التصرفات الخاطئة والانحرافات السلوكية للأبناء.
هذه الفكرة مضطربة، فلئن كان للتربية والتنشئة دور بارز فيما نشأ عليه الأبناء، إلا أنها ليست سجنًا أبديًا لهم يمنعهم من تجاوز هذه الصبغة التربوية التي صبغتهم بها البيئة، فهم يملكون القدرة على الاختيار وتبديل المسار، والدليل على ذلك أن البعض يتمردون على قوالبهم الاجتماعية ومذاهبهم الدينية، وينأون عن مألوف المجتمع الذي يعيشون فيه.
من رباه والداه مثلًا على الاعتمادية والاتكالية لا يعني أن يظل أبد الدهر متلبسًا بتلك الصفات مستسلمًا لها، بل بإمكانه أن يتغير، والواقع يشهد أن بعض الناس الذين تربوا على ذلك نهضوا من سباتهم، وقاموا بتنمية الدافع الذاتي، وكسروا حدة الاعتمادية، وأصبحوا يعتمدون على أنفسهم، فالتربية رغم أثرها القوي لكن آثارها ليست سجنًا يستحيل تجاوز أسواره.
المشكلة في هذا الخطاب النفسي المعاصر غير المتوازن، أنه خطاب مخدّر للشباب، يريحهم بشكل مؤقت من عناء التفكير في أخطائهم واضطراب سلوكياتهم، ويكون استحضار مضمونه بمثابة حيلة نفسية للشاب أو الفتاة، يبررون بها الأخطاء والنقائص، ويهونها في أعينهم، وتصبح كأنها ممارسات لا دخل لهم بها، بل تحدث بفعل عوامل بيئية خارجة عن إرادتهم.
ومن ناحية أخرى، فإن إغراقهم في هذه الأفكار، يضيع عليهم فرصة مواجهة النفس بالعيوب والأخطاء، ويريحهم من الامتثال لأي من متطلبات التغيير.
أضف إلى ذلك، أن طرح هذه الفكرة المضطربة يحدث الشقاق والجفاء مع الآباء والأمهات ويوسع الهوة فيما يعرف بصراع الأجيال، إذ يجد الشاب في نفسه من أبويه، ويحملهما المسؤولية كاملة عن قصوره وأخطائه.
قطعًا لا أتهم كل من يتبنون هذه الفكرة في خطاباتهم أنهم يقفون عند حد التفسير، فهناك من يقدم هذا التفسير للبناء عليه، والإرشاد والتوجيه إلى كيفية التعامل مع رواسب الماضي، وعدم إخضاع الواقع والمستقبل لآثارها بخطوات علاجية منتظمة مثمرة.
لكن المشكلة في طرح فكرة الجبر الاجتماعي نفسها التي يضج بها عالم التواصل الاجتماعي، والذي صار فضاء مستباحًا لكل من يحسن ومن لا يحسن.
الإنسان مهما تلقى تربية خاطئة، فإن بوسعه أن يتغير، وألا يركن للآثار التربوية السيئة، فالله تعالى الذي أمرنا بالتغيير هو نفسه القائل في كتابه الكريم (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)، فالتغيير مأمور به، إذًا هو مقدور عليه، ولو كان التغيير محالًا لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن نحسّن أخلاقنا.
==
احسان الفقيه
الشرق القطرية
https://al-sharq.com/opinion/13/09/2026/%D9%87%D9%84-%D9%88%D9%82%D8%B9-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%B6%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A
لا ينضج المرء بالنصائح، لا ينضج بالمواعظ، لا ينضج بتجارب الأخرين، ينضج المرء حين يقطع الفقدان جزءًا من قلبه، وينحني ظهره من خذلان أحبائه، وتتسيد التجاعيد ملامحه من قسوة التفكير، وتتهاوى طاقته ويصبح هش بـجسد هزيل من الركض في الطرق الخاطئة، ينضج المرء حين تقتطفه الحياة من جذوره.
جوزيه سارماغو