
احسان الفقيه
من هو المستفيد الأكبر من استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية؟
==
مع استمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وغياب آفاق الحسم سياسيا أو عسكريا، يظل السؤال قائما حول المستفيد الأكبر من استمرار هذه الحرب. إذا كانت الحرب تثقل كاهل ترامب بتبعاتها السياسية والاقتصادية، وتدفع إيران ثمنا باهظا لها من تدمير البنى التحتية وتقويض القدرات الصاروخية، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو أكثر الأطراف قدرة على توظيف واستثمار الصراع لتحقيق مكاسب استراتيجية وسياسية تتجاوز حدود الميدان العسكري.
لا يعني هذا قطعا أن الحرب بلا كلفة على دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يعني أيضا أن نتنياهو لا يريد وضع حد لهذه الحرب، لكن يمكن القول، إنه يرغب ويسعى لأن يكون هناك سقف زمني يحقق له أهدافا استراتيجية تتقاطع فيها مصالحه الشخصية ومستقبله السياسي مع تحقيق أهداف المشروع الصهيوني في المنطقة.
الخطر الإيراني يمثل محورا أساسيا في الخطاب السياسي لنتنياهو، وعليه بنى صورته التي طرح نفسه بها، أنه الأقدر على مواجهة الأخطار الوجودية التي تهدد الأمن الإسرائيلي، وأنه ضمن هذا السياق هو الأقدر على منع إيران من امتلاك قدرات نووية. يستثمر نتنياهو ذلك التصعيد بين أمريكا وإيران في إعادة ترتيب أولويات الداخل الإسرائيلي، الذي يميل دائما إلى التراجع المؤقت، في اعتبار الخلافات والأزمات إذا تعلق الأمن القومي الإسرائيلي لتهديدات حادة، فيأتي التصعيد الأمريكي الإيراني ليمنح نتنياهو هذه الفرصة الذهبية في الحصول على الدعم والتغافل عن إخفاقاته السياسية ومغامراته العسكرية التي تنعكس بشكل سلبي على النواحي الأمنية والاقتصادية في دولة الاحتلال، ويستعيد به شرعيته السياسية وتعزيز مكانته في موقع الحفاظ على الأمن الإسرائيلي.
كما أن هذا الغطاء يؤجل محاسبته على تهم الفساد، ويساعده على تماسك ائتلافه اليميني المتشدد، والذي لا يعترف بالتسويات في كل ما يتعارض مع الأحلام الصهيونية. وما يدعم حرص نتنياهو على إطالة أمد الحرب، أن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر في المواجهة مع إيران والتي تخشى دولة الاحتلال من خوضها منفردة، ما يقلل العبء السياسي والعسكري على نتنياهو وحكومته.
نتنياهو لا يريد الذهاب إلى الانتخابات إلا بعد القضاء بشكل نهائي على الخطر النووي الإيراني، وهو الهدف الذي أعلنه في خوض هذه الحرب، ما يعني أن خروج إيران من الحرب، من دون تقويض قدراتها النووية قد يقضي على المستقبل السياسي لنتنياهو، وإن لم يتحقق هذا الهدف سيكون من مصلحته أن يدخل الانتخابات في ظل أجواء التصعيد واستمرار التهديدات الإيرانية، إلى أن يعبر ويتم تثبيت الأوضاع الداخلية بما يُبقي زمام الأمور في يده.
إطالة أمد الحرب الأمريكية على إيران، يحقق مكسبا آخر لنتنياهو في معركة السردية السياسية، حيث أنه قدم إيران باعتبارها الخطر الأكبر على المنطقة، فيأتي استمرار واشنطن في الحرب ليمنح سردية نتنياهو المصداقية. من أبرز المكاسب التي يجنيها نتنياهو من استمرار الحرب، نقل مركز الاهتمام العالمي عن غزة، فقبل الحرب مع إيران تعرضت دولة الاحتلال لضغوط وانتقادات بسبب المجازر الوحشية التي ارتكبتها في القطاع، وتزايد الحديث عن التحقيقات الدولية ومحاكمة نتنياهو ورجاله، فيأتي التصعيد واستمرار الحرب لتكون له الأولوية لدى المجتمع الدولي لاحتواء الحرب ومنع اتساع رقعتها، بينما تُحجب الأنظار عن ممارسات نتنياهو القمعية التي لا تزال قائمة، رغم إعلان وقف القتال، وحشر فلسطينيي القطاع في مساحة جغرافية محدودة، ضمن مخطط التهجير.
فضلا عن ذلك، يتيح استمرار التصعيد لنتنياهو تثبيت أوضاع إسرائيلية في الأراضي العربية تنقل حدود دولة الكيان خارج مساحتها الجغرافية، ففي لبنان ورغم التفاهمات التي تمت مع الحكومة اللبنانية، يرفض نتنياهو الانسحاب من الجنوب اللبناني بذريعة القضاء على تسليح حزب الله.
وفي سوريا، لا يكتفي نتنياهو باحتلال الجولان، لكنه لا يكف عن استهداف الجنوب السوري، في الوقت الذي يتم فيه الزحف الاستيطاني التدريجي باتجاه الأراضي السورية. وفي الضفة يمارس نتنياهو أعماله القذرة المعتادة في بناء المستوطنات واقتحام الأحياء السكنية واستهداف الفلسطينيين بالقتل والاعتقال، بينما تتعاقب وتتوالى محاولات تهويد القدس، ذلك كله يحدث تحت ستائر الدخان، الحرب الأمريكية الإيرانية.
تشير هذه التحولات الخطيرة إلى أن نتنياهو يسعى إلى تكريس واقع إقليمي جديد، تكون فيه دولة الاحتلال صاحبة التفوق العسكري بلا منازع، وتتراجع قوة خصومها بما فيها القوى الاقتصادية الخليجية التي تستنزفها الحرب، بما يعني أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرى في استمرار الحرب فرصة لإعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، وهو ما ينسجم مع تطلعات اليمين الإسرائيلي وحلم إسرائيل الكبرى.
لكن سيكون من الخطأ القول إن نتنياهو يريدها حربا طويلة، لأنه كلما طال أمدها عن الحد المناسب لنتنياهو وأطماعه، زادت الكلفة الاقتصادية والأمنية والعسكرية التي تتحملها دولة الاحتلال، وهو الأمر الذي يزيد من الضغوط الداخلية على الحكومة الإسرائيلية.
إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة نفسها ربما تعيد تقييم مستوى الانخراط في هذه الحرب مع ارتفاع الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تنعكس على الداخل الأمريكي، ما يضع دولة الاحتلال أمام تحديات غير متوقعة.
==
احسان الفقيه
https://www.alquds.co.uk/4970783-2/
احترموا صغاركم
==
ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا كثيرًا ما تنصرف أذهاننا لدى الحديث عن الاحترام أنه يُمنح من الصغير إلى الكبير.
إظهار الاحترام للآخرين سمة عامة للعقلاء وذوي الفضائل، فالحاجة إلى التقدير والاحترام تقع ضمن المستويات الخمسة للاحتياجات النفسية التي تشكل دوافع السلوك البشري، فما من إنسان مهما كان عمره أو جنسه أو موقعه إلا ويحتاج لأن يحظى باحترام الآخرين وتقديرهم.
كثيرًا ما يتم التعامل مع الطفل بعيدًا عن هذه الدائرة، وقد يتم إهدار شخصيته بدعوى التربية والتوجيه والتعويل على ضعف إدراكه في مرحلة الطفولة.
إن الطفل أرض شديدة الخصوبة، كل ما يغرس فيه ينمو فيه بسرعة ورسوخ، وذاكرته البكر لا تسقط المواقف التي يتعرض لها في الصغر، وربما بلغ الإنسان من الكبر عتيًا ولا تزال آثار التربية الخاطئة التي تعرض لها في الصغر محفورة في وجدانه، تضغط عليه بأثر رجعي.
إظهار الاحترام للطفل ضرورة تربوية، فهي تغرس في وجدانه أن الاحترام صورة نمطية عامة لما ينبغي أن يكون عليه الناس في تعاملاتهم، ومن ثم تصبح هذه القيمة لازمة له في شتى مراحل عمره.
كما أن احترام الطفل يمنحه الثقة بالنفس التي تفجر فيه سمات الإقدام والإيجابية والإبداع، خلافًا للطفل الذي تُهدر كرامته وحقوقه تحت مظلة التربية، والذي يتقوقع في مشاعر سلبية لا حصر لها جراء هذا النمط التربوي العقيم.
الطفل يحتاج إلى كلمة شكر عندما يلبي لك طلبًا، يحتاج إلى أن تحترم خصوصياته وممتلكاته الخاصة لا أن تعبث بها لأنك اشتريتها له بمالك، يحتاج إلى استيعاب عقليته الغضة لا أن تسكته بإشارة غاضبة قائلا: أنت ما زلت صغيرا غدا تفهم.
يحتاج الطفل إلى أن يتكلم ويُسمع له لا أن يُسخر من لغوه، يحتاج إلى أن يجد نفسه بين الكبار لا أن يُطرد من حضرتهم لأنه صغير.
يحدث في بعض مساجدنا أن يحرص الطفل على الوقوف في الصفوف الأولى للمصلين وسط الكبار، ربما تقليدًا لغيره من المواظبين على الصف الأول أو لإدراكه فضيلة الصلاة في الصفوف الأولى، لكنه يُصدم بمن يشير إليه للوقوف في آخر صفوف المسجد، فيتقهقر خجلًا، مع أن الصبي الذي يميز إذا سبق إلى الصف الأول لم يجز إخراجه كما قال الفقهاء ومنهم ابن حجر الهيثمي رحمه الله إذ يقول: "الصبيان متى سبقوا البالغين إلى الصف الأول لم يجز لهم إخراجهم"، وذلك لأن من سبق إلى شيء فهو أحق به.
بعيدًا عن التكييف الفقهي، فإن هذا الصنيع يشعر الطفل بعدم الاحترام والتقدير، وأن ذنبه في الحياة أنه لا يزال طفلًا.
قدوتنا وإمامنا والمربي الأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب لنا من خلال سيرته العملية نموذجًا تربويًا فريدًا في احترام وتقدير الصغار.
في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: «يا غلام أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟» فقال: ما كنت لأوثر بفضل منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه.
ها هنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرين يعبران عن حرصه الجم على احترام الصغير في العملية التربوية والتنشئة الصحيحة.
ففي البداية، استأذن الصبي في أن يعطي الكبار قبله، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوزه وأعطى الكبار قبله بما جرت عليه عادة الناس وبلا استئذان، فلا أخالُ أن الأمر سيكون لافتًا لذي بال، لكنه كان في هذا المقام يغرس في نفس الطفل غرسًا وعينه على مستقبل هذا الطفل وآفاقه الممتدة، فاحترم ما يراه الطفل حقًا له، واستأذن منه على جلال قدره ومقامه لأن يسقي الأشياخ قبله.
ثم استمع بصدر رحب إلى اعتراض الصبي ومسوغات رفضه بلا ضجر، ثم في النهاية استجاب لتشبث الصبي بحقه واحترم رأيه وأعطاه القدح.
بمثل هذه التربية النموذجية الفريدة صنع النبي صلى الله عليه وسلم رجالًا أفذاذًا، وشخصيات ينحني لها التاريخ إجلالًا، ولم يكن غريبًا أن يقود أسامة بن زيد وهو في السابعة عشرة، جيشًا فيه كبار الصحابة، وكل ذلك ناشئ عن التربية الصحيحة.
==
احسان الفقيه
https://shrq.me/opbfjns
والحقيقة أن السياسة الإيرانية نجحت، خلال أكثر من أربعة عقود، في تحويل شعار دعم فلسطين إلى عنصر دائم في معادلة القوة الإقليمية، وفي كل مرة يندلع الصراع بين المقاومة وجيش الاحتلال تنشط الدعاية الإيرانية في شعارات محور المقاومة ووحدة الساحات، وإظهار نفسها وكأن لها دورًا محوريًا في الأحداث.
وفي النهاية، تختزل العلاقة بين إيران والقضية الفلسطينية في بعض الدعم المقدم إلى المقاومة في غزة، دون أن يكون هناك جهود في تحسين الأحوال الاقتصادية والمعيشية في الأراضي الفلسطينية، أو محاولة احتواء انقسام القوى الفلسطينية، ولم تطلق إيران صاروخًا واحدًا على الكيان الإسرائيلي إلا ردًا على الاستهداف الإسرائيلي لأراضيها، ولم تدرج إيران القضية الفلسطينية في سياق المفاوضات الأخيرة مع الولايات المتحدة، وذلك على الرغم من إدراجها حزب الله اللبناني في التسويات.
قطعًا لا أحمل إيران المسؤولية الكاملة عن ضعف الموقف الفلسطيني، ولكن الحديث هنا جاء لتوضيح علاقة إيران بفلسطين، وأنها استفادت من القضية الفلسطينية أكثر بكثير مما أفادتها.
==
احسان الفقيه
خاص موقع آفاق
https://aafaaq.org/article/10803/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%AF%D8%AA-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9?section=%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%AB+%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA
كيف استفادت إيران من القضية الفلسطينية
==
تعد علاقة إيران بالقضية الفلسطينية من أكثر المسائل إثارة للجدل في المحيط العربي والإقليمي، ويدور الخلاف دائما حول مدى استفادة القضية الفلسطينية من إيران، مع أن هناك مسألة أخرى جديرة بالتناول: كيف استفادت إيران من القضية الفلسطينية.
الموقف الإيراني في عهد الشاه كان شكليًا ورمزيًا، فعلى الرغم من تبني الشاه موقفًا رسميًا منحازًا للعرب في الصراع مع الكيان الإسرائيلي، إلا أنه لم يتجاوز الرمزية إلى الدعم المباشر.
عندما اندلعت الثورة الإيرانية الخمينية عام 1979، كانت المنطقة العربية تعيش تحولات عميقة ذُيِّلت بتوقيع معاهدة السلام مع الكيان الإسرائيلي، وتراجع الخطاب القومي العربي، وتزايدت الانقسامات بين الدول العربية.
وفي ظل هذا الفراغ السياسي، وجدت إيران الخمينية في القضية الفلسطينية فرصة نادرة لطرح نفسها باعتبارها النموذج الثوري الذي يحقق تطلعات الشعوب المظلومة، والقوة المناهضة للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الراعي الرسمي للكيان، مستفيدة من المكانة الجوهرية التي تحتلها فلسطين في الوجدان العربي الإسلامي.
منذ ذلك الحين، أصبح الحديث عن القدس وفلسطين جزءًا ثابتًا من الخطاب الإيراني، وعلى الرغم من تقديم إيران دعمًا عسكريًا ولوجستيًا للمقاومة الفلسطينية، إلا أن أن هذا الدعم كان يقدم وفق حسابات القوة والمصلحة والنفوذ لا الاعتبارات الأخلاقية القيمية أو الإنسانية أو الهوياتية.
سياق العلاقة بين إيران والمقاومة الفلسطينية قد شهد بعض مواطن التوتر عندما تعارضت المواقف السياسية للمقاومة مع المصالح الإيرانية، فبعد اندلاع الثورة السورية رفضت حماس تأييد نظام بشار الأسد، ما أدى إلى تراجع في علاقتها بإيران الحليف الأقوى للنظام السوري، وتعرضت المقاومة لنيران الإعلام الإيراني.
استثمرت إيران خلال العقود الأربعة الماضية القضية الفلسطينية لتوسيع نفوذها وترسيخ مشروعها الإقليمي وإعادة صياغة موقعها في معادلات الشرق الأوسط.
استفادت من خلال سرديتها تجاه القضية الفلسطينية في تجاوز الحواجز المذهبية والقومية، وبناء صورة ذهنية إيجابية لدى الجماهير العربية والإسلامية عن إيران، وتبييض وجهها أمام جماهير السُّنة، وإبراز نفسها كقوة تعمل من أجل قضايا الأمة لا المذهب الشيعي أو القومية الفارسية.
كما أفادها ذلك الخطاب الشعبوي في تحريك الشارع العربي واستقطابه بهدف التهيئة للقبول بالنفوذ الإيراني في العالم العربي تحت شعارات مقاومة العدو الصهيوني، إضافة إلى زعزعة الأنظمة العربية القائمة وضرب العلاقات بين هذه الأنظمة وشعوبها.
شعارات دعم القضية الفلسطينية كانت ستائر الدخان التي تغطي على العبث الإيراني في المنطقة العربية وحلقات النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن عن طريق وكلائها وأذرعها، ولو كانت القضية تحتل هذه الأهمية المعلنة لدى الجمهورية الإيرانية، لما تعاونت مع الولايات المتحدة في احتلال العراق البوابة الشرقية لفلسطين، فالتفريط فيها يعني التفريط في فلسطين لأن المستفيد الأول من احتلال أمريكا للعراق هو الكيان الإسرائيلي.
على الرغم من أن المقاومة الفلسطينية ذات التزام استراتيجي بعدم القتال خارج فلسطين، إلا أن إيران قد أدمجت نظريًا المقاومة الفلسطينية في محور المقاومة مع حزب الله اللبناني والحوثي في اليمن والحشد الشعبي في العراق وغيرها من الفصائل الموالية لنظام الملالي في إيران، واستفادت من تصريحات المقاومة الفلسطينية المؤيدة لها على مبدأ رد الجميل.
هذا الدمج من قبل إيران بصرف النظر عن موضعه من الواقع، دعم فكرة محورية ومركزية القضية لدى إيران في الذهنية العربية والإسلامية.
ولا شك أن إيران قد استفادت من القضية الفلسطينية في الخروج من العزلة الجغرافية، لتصبح لاعبًا لا يمكن تخطيه في معظم أزمات الشرق الأوسط، ولم تعد مناقشة الأمن الإقليمي أو مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي أو استقرار المنطقة تتم دون النظر إلى الوزن الإيراني.
وفي الداخل الإيراني، كانت فلسطين تمثل التجسيد العملي لخطاب مواجهة الاستكبار العالمي، ولذلك كلما اشتدت العقوبات والأزمات الاقتصادية أو تصاعدت الاحتجاجات الداخلية، يعود الإعلامي الرسمي الإيراني للتأكيد على أن ما يحدث ثمن طبيعي لتمسك إيران بدعم القضية الفلسطينية ومواجهة قوى الاستكبار.
ومن زاوية أخرى، استفادت إيران من القضية الفلسطينية في علاقتها التنافسية بالكيان الإسرائيلي في المنطقة حيث أن لكل منهما مشروعه الإقليمي التوسعي، وذلك من خلال المقاومة الفلسطينية وخوضها الصراع مع الكيان الإسرائيلي، فوجود الجبهة الفلسطينية مفتوحة يمثل أحد أوراق إيران في تعديل موازين القوى في المنطقة، والحد من الهيمنة الإسرائيلية فيها.
مرَّ... وهذا الأثر
==
وكن رجلًا إن أتوا بعده... يقولون: مرّ وهذا الأثر..
هذا البيت الذي جادت به قريحة أمير الشعراء أحمد شوقي، لم يكن مجرد حكمة شعرية عابرة، وإنما هو تجسيد بليغ لمعنى الوجود الإنساني، فحياة المرء لا تُحسب في سياق الزمن بما عاشه من سنوات، وإنما بما تركه من أثر في الناس، وبما أضافه في حياة البشر، فمن لم يزد في الحياة كان زائدًا عليها.
تفنى الأعمار وتبقى الآثار، يرحل الرجال وأعمالهم في صناعة الإنسان والحياة باقية، وتخلد سيرتهم بما صنعوه في الناس كالأمثال السائرة، وتلك من أبرز خصائص الإنسان، أنه قادر على أن يمتد بعد موته وإن توقف نبضه، ولذا ظل المصلحون أحياء رغم تعاقب الدهور، إذ تركوا إرثًا من علم أو قيم أو إصلاحات ينتفع بها الأنام.
ويشهد لسان التاريخ بأن كل نهضة يقف وراءها أناس لم يسألوا عما سيأخذونه من الحياة، وإنما كان همّهم: ماذا سنضيف إليها.
إن أروع ما في فكرة الأثر، أنها تمنح الحياة معنى يتجاوز حدود الأفراد وحدود الزمان والمكان، فالإنسان الذي يسعى في حياته لأن يترك أثرًا، يعلم أنه قد يغرس ويجني غيره الثمار وربما يكون الحصاد في زمن غير زمنه وأرض غير أرضه، وقد لا يدرك في حياته مدى تأثيره، لكنه يؤمن بأن الغرس في حد ذاته رسالة.
هناك أثر مُختلق أو ربما واهٍ، يتم تفخيمه وتعظيمه وتلميعه بأساليب الدعاية، إلا أنه سرعان ما يُنسى وينقطع ذكر صاحبه كأنه لم يكن، أما الأثر الحقيقي الذي يتركه المرء وينتفع به الناس على الحقيقة، فهو الذي يبقى ويخلد صاحبه.
ربما يتحدث الناس عن أثر المرء حال حياته، إلا أن بعض أصحاب الأثر، قد يكون موتهم انطلاقة قوية لظهور هذا الأثر، فيزداد بالموت ألقا وتوهجا وذيوعًا، تتناقله الألسن والأقلام غضا طريًا كأنه حديث عهد بحياة الناس.
هكذا رأيت أثر الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته، ذلك أنني على الرغم من متابعتي السابقة لإنجازاته، إلا أن وفاته قد جمعت في ذهني شمل الصور المتفرقة للإنجازات وأضافت إلي ما لم أكن أحيط بها علمًا.
ثمانية عشر عاما قضاها الشيخ حمد رحمه الله في صناعة النهضة القطرية، وبناء دولة المؤسسات، وترسيخ اقتصاد قوي يستثمر قوة الغاز الطبيعي التي حباها الله تلك الأرض، وتحقيق قفزة واسعة في مجال التعليم والبحث العلمي، وتحقيق طفرة إعلامية تتمثل في شبكة الجزيرة القائمة على أحدث النظم الإعلامية التي وضعتها في مصاف الشبكات المرموقة في العالم، وأرسى دعائم سياسات خارجية تقوم على الانفتاح الموزون وتعزيز دور الوساطة القطرية في فض النزاعات والصراعات.
كما ارتبط اسم الأمير الوالد بالقضية الفلسطينية وخاصة قطاع غزة، والذي زاره كأول زعيم عربي تطأ قدماه غزة عام 2012 كاسرًا للحصار الصهيوني المفروض على القطاع، وله من جهود الإعمار والإغاثة ما لا ينكره إلا جاحد مغرض، فلم يكن غريبا أن تقام له مجالس العزاء في قطاع غزة، ونتيجة لآثاره الطيبة في دول العالم الإسلامي أطلق اسمه على شوارع بعض العواصم الإسلامية، وأقيمت عليه صلاة الغائب في عدة دول.
أنا هنا لست بصدد تعداد إنجازاته وآثاره التي تركها رحمه الله، فالمقام أضيق من استيعابها، لكن حجم التفاعل في العالم العربي والإسلامي مع رحيله فاق التوقعات، وظهرت آثاره بعد رحيله بقوة، ما يدفعني لأن أسوق حياة الأمير الوالد وصنيعه كنموذج لهذه القيمة العظيمة، قيمة أن يترك الإنسان في حياته أثرًا يُخلد به بين الأنام ذِكره، ويكون قدوة لغيره، وينفعه يوم القيامة عند ربه، فأثر الإنسان من خير أو شر يُحصى عليه (ونكتب ما قدموا وآثارهم).
==
احسان الفقيه
https://shrq.me/opbfjjo
الفرق بين المعرفة وبين العلم : أن المعرفة علم يقتضي العمل، فهي تتضمن العلم والعمل معا، فالعارف بالله هو من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق الله في معاملته وأخلص في نيته وقصده، وانسلخ من الأخلاق الرديئة، وصبر على أحكام الله، ودعا إليه على بصيرة.
يقول الحسن البصري "من عرف ربه أحبه"، فإذا تمكّن حب الله من قلب العبد، صار العبد لا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله، ولا يبقى لنفسه حظ عند نفسه\
ولا ينبغي أن نغفل كذلك الاحتلال الإسرائيلي كأحد أهم العوامل التي تجعل الولايات المتحدة تعيد النظر في سياساتها الخارجية تجاه سوريا، فواشنطن قد بنت سياساتها في المنطقة على حماية الأمن القومي الإسرائيلي، ويهمها عدم فتح جبهات وساحات جديدة لمواجهة الكيان، تزيد من الكلفة التي تتحملها بدورها الولايات المتحدة.
أداء الشرع وحكومته فيما يتعلق بامتصاص العربدة الإسرائيلية في الجنوب، وتأكيد سوريا على المسارات الدبلوماسية وإشراك المرجعيات الدولية في الأزمة، كان بمثابة تأكيد على التوجهات السورية المعلنة إزاء تصفير النزاعات والانكفاء على إعادة الإعمار والنهوض بالأحوال المعيشية للمواطن السوري، دون الدخول في مواجهات إقليمية حتى ضد الكيان الإسرائيلي، وهو ما لاقى ارتياحًا لدى الإدارة الأمريكية.
النظام السوري الحالي يدرك أبعاد هذه التحولات وأسبابها، ومن ثم يعمل على استثمار هذه التحولات والاستفادة منها في النهوض بسوريا التي خلفها نظام الأسد رمادًا وأطلالًا.
مرة أخرى نشير إلى أن الطريق إلى رفع سوريا من قائمة الإرهاب على الرغم من كونه يبدو قريبًا، إلا أن هناك عراقيل ربما تحول بنسبة أو بأخرى دون إتمام الإجراءات، فهناك قيود قانونية وسياسية داخل الولايات المتحدة، وأي تغيير يتطلب مسارًا مؤسسيًا وليس مجرد قرار سياسي سريع، كما أن ترامب سوف يوازن حتما بين اعتبارات الأمن القومي ومواقف الكونغرس والتطورات الميدانية.
==
احسان الفقيه
خاص موقع آفاق
https://aafaaq.org/article/10503/%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%D9%84-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7
خارج قائمة الإرهاب...عوامل تحولات السياسة الأمريكية تجاه سوريا
==
حالة من البهجة والتفاؤل سادت الأوساط الرسمية والشعبية في سوريا، عقب إعلان أمريكي ببدء إجراءات رفع سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وذلك بعد ساعات من لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره السوري أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة.
الإعلان يبشر بإنهاء قرابة خمسة عقود من العزلة الدولية مورست ضد سوريا منذ عام 1979، ويأتي ضمن جهود الإدارة السورية الجديدة في عهد ما بعد سقوط نظام بشار للانخراط في البيت العربي والمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.
يُنظر إلى الحدث حال اكتمال الإجراءات دون معوقات، على أنه يمثل نقلة كبيرة للإصلاحات في الداخل السوري، إذ أن رفع سوريا من قائمة الإرهاب يعزز مجالات الاستثمار والتجارة الخارجية والاندماج في النظام المالي الدولي والشراكات الخارجية في قطاعات حيوية كالطاقة والصحة والتعليم والزراعة والاتصالات.
ولئلا نكون قد أفرطنا في التفاؤل، فينبغي الإشارة إلى أن هذا الإعلان لا يعني الموافقة النهائية على رفع سوريا من قائمة الإرهاب، حيث يدخل القرار ضمن مراجعة إلزامية من الكونغرس الأمريكي لمدة 45 يومًا، ويصبح نافذا حال انتفاء الاعتراضات خلال هذه المدة.
لكن في كل الأحوال، المبشرات بالشطب من القائمة قوية، وحلم السوريين أصبح قريبًا، تشير إلى ذلك التصريحات الرسمية لمسؤولي النظام السوري.
لكن السؤال الذي ربما يتردد في الأذهان: ما الذي تهدف إليه الإدارة الأمريكية من خلال هذه التوجهات المرنة تجاه سوريا؟
في عالم السياسة لا توجد تحالفات أبدية، ولا توجد خصومات أبدية، الثابت الوحيد في السياسة هو المصالح، وتلك قاعدة لفهم التحولات في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، سواء فيما يتعلق بمراجعة العقوبات أو التصنيفات القانونية أو حتى فتح مجالات للحوار السياسي.
وكما لم تكن الضغوط والعقوبات التي مارستها الولايات المتحدة ضد نظام بشار على مدى عقود بدوافع أخلاقية مجردة، فموقفها الحالي كذلك تجاه سوريا ما بعد الأسد ليس لدوافع أخلاقية أو إنسانية، فأمريكا ليست جمعية خيرية تمنح المكافآت بدافع قيمي، إنما هي دولة تبحث عن مصالحها، وتعيد رسم سياساتها كلما اكتشفت أن الأدوات القديمة لم تعد مناسبة للتعامل مع الوضع الراهن.
ما يحدث يعبر عن فلسفة إدارية للرئيس ترامب تنتقد حجم الإنفاق الأمريكي الضخم في الشرق الأوسط، وإدراك أن واشنطن قدمت كلفة باهظة تفوق المكاسب الاستراتيجية التي جنتها، فكان من الطبيعي أن تتعامل مع الملف السوري الجديد بعيدًا عن الإرث السياسي للإدارات السابقة.
أحد أهم دوافع التوجهات الترامبية الجديدة هو التحولات في موقف حلفائها العرب تجاه سوريا بعد سقوط نظام الأسد الذي كان يدين بالتبعية لإيران ويتحرك تحت مظلتها وأدى إلى دخول سوريا في عزلة عربية.
الإطاحة بنظام الأسد كانت إيذانًا بخروج سوريا من العباءة الإيرانية، ومن ثم اتجهت العديد من الدول العربية لدعم سوريا وإدماجها في البيت العربي، واستخدام علاقاتها الخارجية بالولايات المتحدة والمصالح المشتركة معها في حث واشنطن على اتخاذ مواقف أكثر مرونة تجاه سوريا ما بعد الأسد.
كان من الطبيعي وفق قواعد التحالفات، ألا تتجاهل أمريكا هذه التحولات في الموقف العربي، حتى لا تجد نفسها خارج المعادلة التي تسعى لترسيخها وقيادتها.
في السياق نفسه، كانت الولايات المتحدة تنظر إلى سوريا باعتبارها أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة التي تقع حليفها الأكبر إسرائيل في القلب منها، وبالتالي يمثل أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجهها في المنطقة، ومن ثم ترى واشنطن ضرورة احتواء سوريا، لأن الاستمرار في عزلها وفرض العقوبات عليها قد يدفعها للتقارب مع الخصوم التقليديين للولايات المتحدة من بينهم إيران.
قريبًا من ذلك، يأتي العامل الروسي كأحد أبرز الأسباب في تحولات السياسة الأمريكية تجاه سوريا، فمنذ التدخل الروسي في مسرح الأحداث عام 2015، أصبحت موسكو هي اللاعب الخارجي الأبرز حضورًا في سوريا، وأسهم الدب الروسي في تغيير المعادلة في الحرب الدائرة لصالح نظام بشار الأسد.
نتيجة لصراع النفوذ في المنطقة بين واشنطن وموسكو، رأت إدارة ترامب أن استيعاب سوريا وفتح مسارات سياسية معها، وتخفيف الضغط عليها، سوف يكون نقطة تفوق لها في المنطقة على حساب روسيا وأي منافسين استراتيجيين محتملين، فهي تدرك جيدًا أن مساحة الفراغ لابد وأن يأتي من يملأها.
تأسيسا على هذه النظرة، ترى إدارة ترامب أن الانفتاح الموزون أو التحفيز السياسي والاقتصادي المدروس لسوريا يمنح أمريكا أوراقًا جديدة للتأثير في المشهد السوري.
مفاوضات أمريكية إيرانية تحت النار… هل يصمد هذا النموذج؟
==
لم يكن استئناف التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران بعيدا عن التوقعات، نظرا لهشاشة الهدنة التي بنيت عليها مذكرة التفاهم بين الجانبين، وما تضمنته من بنود غامضة تفتح باب التأويل، وتتقلص فيها المساحات التي يمكن الالتقاء عليها، حتى بدت وكأنها هدنة التقاط أنفاس وإرجاء للصراع لا حسمه.
بيْد أن اللافت في هذا التصعيد، اقترانه باستمرار المسار التفاوضي، ففي حين يستأنف ترامب الضربات على إيران، التي ترد بدورها باستهداف الساحة المألوفة (دول الخليج)، يعلن في الوقت نفسه موافقته على استمرار المحادثات مع الإيرانيين، مع التأكيد على أن وقف إطلاق النار قد انتهى، بما يعني أن المفاوضات تجري تحت النار، وهو التقليد الذي تفضله الولايات المتحدة في صراعاتها، كما حدث في حرب فيتنام وغيرها.
الشكل الطبيعي الذي تكون عليه الصراعات والحروب، أن فرص التسوية السياسية تتضاءل، أو تنعدم مع استخدام لغة القوة والسلاح، لكنه لا يعكس حقيقة المسالك الاستراتيجية للقوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة، التي لا تنظر إلى الحرب والتفاوض على أنهما طرفا نقيض، بل تعتبرهما واشنطن مسارين متوازيين يخدم كل منهما الآخر، لتحسين شروط التفاوض والبيئة الاستراتيجية المحيطة بالمفاوضات، وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب تحت الضغط الذي تمارسه ضد خصومها.
ينبني هذا التقليد الذي تتبعه الولايات المتحدة على إقناع الخصم، بأن كلفة استمرار المواجهات أعلى من كلفة التسوية وتقديم التنازلات، ومن ثم تحرص قبل أية تسوية على توجيه رسائل ردع مفادها، أن خيار القوة لا يزال حاضرا، وأن باب التفاوض لا يُفتح بلا أثمان.
في المقابل، لم تتفاجأ إيران بهذا الأسلوب، حيث بنت سياساتها الإقليمية في العقود السابقة، على فرضية أن الضغوط العسكرية الأمريكية توازي دائما المسار التفاوضي، ولذا تمارس بدورها التصعيد المحسوب، بحيث تظهر قدرتها على الرد وامتلاك أوراق الضغط، مع تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة شاملة، فهدفها إبراز قدرتها على الإيلام، الذي يمنحها موقعا تفاوضيا أفضل، ويحد من أسلوب الضغط الذي تمارسه عليها الولايات المتحدة. هذا التوتير المحسوب بين الجانبين، الذي يسعى كلاهما لضبط إيقاعه، يتفهم الطرفان قواعده جيدا، فلا الولايات المتحدة ولا إيران تريدان حربا مفتوحة قد تتحول في الغالب إلى حرب إقليمية قابلة لتدخل أطراف خارجية ما يضع العالم كله على شفا بركان.
وأوضح ما يبرز هذه القواعد المستبطَنة، هو حرص الطرفين على عدم إقحام الكيان الإسرائيلي في المعادلة الحالية، فمن جانبها تضغط الولايات المتحدة على الحليف الإسرائيلي، وتحاول كبح جماحه حتى لا يشارك في العمليات العسكرية ضد الأهداف الإيرانية، حرصا منها على عدم توسيع رقعة الحرب.
وبدورها تتجنب إيران في الرد العسكري استهداف دولة الاحتلال للهدف نفسه، وتوجه صواريخها كالعادة صوب دول الخليج وحدها، بدعوى استهداف المصالح الأمريكية، من دون توجيه ضربات إلى الساحة الإسرائيلية الأكثر إيلاما لواشنطن، على الرغم من تهديدات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر، بأن إسرائيل لن تكون بمنأى عن رد المقاتلين الإيرانيين.
وهكذا يجد الطرفان نفسيهما داخل معادلة ظاهرها التناقض، لكنها مستقرة في الواقع نسبيا، فكلاهما يقوم بالتصعيد لإقناع الآخر بضرورة التفاوض لا القفز عليه وإسقاطه من الحسابات، لذا غالبا ما يعقبه الدخول في جولة أخرى من المفاوضات، بأوراق وأدوات ورؤى وأهداف مغايرة.
على الرغم مما يوفره هذا النموذج من مرونة سياسية، إلا أنه لا يخلو من مخاطر، فالتفاوض تحت النار يقوم على افتراض قدرة جميع الأطراف على الاستمرار في ضبط مستوى التصعيد، ومنع الخروج عن السيطرة، وهو أمر لا يملك أحد حياله ضمانات مستمرة حتى النهاية.
أكثر ما يهدد هذا النموذج هو التباين الكبير في أهداف ومطالب كل من الطرفين، أبرزها العقوبات ومستقبل البرنامج النووي والدور الإقليمي لإيران في اليوم التالي للحرب، وهي ملفات يصعب التوافق حولها من الطرفين، ومن ثم لا تُرى في الأفق مؤشرات لانتهاء الحرب بشكل كلي في الوقت الحالي، ومع استمرار الشد والجذب والتصعيد المضبوط، يتدخل عامل الوقت ويضعف من احتمال صمود التفاوض تحت النار.
كما أنه لا يمكن لدى قراءة هذا النموذج تجاهل القوى الداخلية لكل دولة وأحزاب المعارضة والضغوط التي يمكن أن تمارسها على النظام، والتي يمكن أن تحدث تأثيرا في هذا المنحى.