
في أعماق الكتابة
من الكتب التي قرأتها مؤخرًا وكانت من أمتع وأفيد ما قرأت، وفيه شرح رائعة عبديغوث الحارثي (ألا لا تلوماني كفى اللومَ ما بيا)، وقد رُزق الشارح الأستاذ حامد المالكي بياناً عالياً، وغوصاً على درر المعاني، فأنا بين إبداع الشاعر وتفنن الشارح في نعيمٍ وحبور.. على صغر حجم الكتاب، فقد جاء في ٨١ صفحة، إلا أن الكتب بمعانيها لا بمبانيها.. وكم أرجو من الأستاذ وفقه الله أن يتحفنا بمثل هذا الشرح لعيون القصائد العربية الأخرى، فهو من أحق الشرّاح بامتشاق القلم والكتابة في هذا الفن الماتع النافع المقرِّب لتراثنا الشعري الثمين.
إنني أبحث عن عبارة تُحرِّر كل ما هو حبيسٌ داخلي.
- هنري ميللر
في هذا الكلام يحكي القاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني -متوفى سنة ٣٩٢ هـ رحمه الله- موقفًا عن العرب وقع له أيام إقامته بمكة.. ويُقرر فيه قوة بيان العرب الأوائل وقدرتهم الشعرية، في معرض حديثه عن كثرة ما ذهب من شعرهم ولم يُدَوَّن ويُحفَظ.
من كتابه (الوساطة بين المتنبي وخصومه).
وما أجمل بيان الجرجاني وأحلاه.
كنت أقرأ اليوم وريقات عن الأديب والمترجم محمد عناني (ت ٢٠٢٣) .. من المبهر حقا أن يكون في زماننا رجل بمثل هذا الإنتاج والتميّز ..
وكم تألمت عندما علمت عن كثير من محبي الفكر والثقافة أنهم لا يعرفون عنه شيئا، أو ربما بعضهم سمع بترجمته كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد فقط.
أين أنتم عن معجمه المذهل (المصطلحات الأدبية الحديثة) ، ترجمته (الفردوس المفقود) ، وترجمته لكتابي الباحثة العميقة كارين أرمسترونج (سيرةالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، القدس)، وعشرات الكتب ما بين ترجمة ونصوص مسرحية، وأدب الطفل، ودراسات نقدية ..
الأديب الحقيقي هو اللسان الصادق للبشرية، لا لنفسه فقط، وكم أطرب وأنتفع بالأديب الذي يكتب عن آلامه وأحزانه كما يكتب عن أفراحه، ويكتب عن إخفاقاته كما يكتب عن نجاحاته، فترى في حياته وكلماته صورةً من ضعفك ومعاناتك، فتمتد بينك وبينه أواصر الإنسانية النقية، وأسباب التأثير النافع، وبساط الأنس والبهجة والعزاء.
الكتابة طوق نجاة
حين حُكم على دستويفسكي ورفاقه بالإعدام، ووقفوا في ساحة الإعدام، ثم أُعلنَ تخفيف الحكم إلى: النفي إلى سيبيريا مع الأعمال الشاقة مدة أربع سنوات، كتب إلى أخيه ميشيل رسالةً منها هذه السطور:
"أمِن الممكن ألّا أُمسك بالقلم من جديد، أبداً؟ أظن أني سأستطيع أن أفعل ذلك، بعد أربع سنوات، ولو مُنعتُ من الكتابة فإني سأموت".
وقبل السفر إلى سيبيريا التقى دستويفسكي أخاه الأكبر ميشيل المتأثر جداً بما حصل لأخيه وبفراقه، فقال له دستويفسكي:
"كف عن هذا يا أخي أنت تعرفني، فأنا لا أنزل إلى القبر. وأنت لا تمشي في جنازتي، وليسوا بهائم أو حيوانات أولئك الذين سألتقي بهم في السجن، بل رجال، وربما كانوا أفضل مني، وربما كانوا يفوقونني بكل شيء... وعندما سأخرج من السجن، سأستأنف الكتابة. وقد خبرت كثيراً من الأمور، خلال هذه الشهور الأخيرة، وسأرى الكثير منها، وسأختبر غيرها الكثير الكثير، هناك وسيكون لدي آنذاك ما سوف أكتب عنه".
https://share.google/ZofAsAOQQ7aHJOBcO
مقولة خاطئة جدا
الأمر يشبه ما ذكره الله جل وعلا عن خلقٍ آخر وهو النبات:
(يُسقى بماءٍ واحد ونُفضّل بعضها على بعضٍ في الأُكل)..
وكلٌ إنسان يغرِفُ من المعرفة بمقدار وعيه.
رأي الأستاذ فهد بن عسكر الباشا في التعامل مع الكتاب
من كتابه (الناطق الأخرس):