
في أعماق الكتابة
في كثير من الأحيان، من عيوب الكتابة بالذكاء الاصطناعي وعلاماتها الكاشفة: انعدام العيوب والأخطاء البشرية الطبيعية، وغياب العفوية!
قصة قراءة خيري شلبي على صاحب القنديل
..................................
كانت دبلوماسية يحيى حقي العظيمة تتجلى في معاملته للأدباء الشباب كما يذكر خيري شلبي في كتابه الجميل «أساتذتي». طالعتُ الكتاب ووقفتُ على هذه القصة، فحينما كان حقي رئيسًا لتحرير مجلة «المجلة» المصرية، التي كانت بحقٍّ سجلًّا للثقافة كما يذكر شلبي، استطاع حقي من خلالها أن يكون الأب الحقيقي لهذا الجيل، ولذا فإنه مِن أشدِّ الكُتاب الكبار تأثيرًا في جيل شلبي، إنْ بالأدب أو بالسلوك.
..................................
والسبب كما يقول خيري شلبي: "ليس لأن تسعين في المئة من الكتب الأولى لزملائنا الشبان كانت مُعزَّزة بمقدماته التي لم يبخل بها على أحد يستحقُّها قَطّ، بل في سلوكه الشخصي معنا، فلم نشعر قَطُّ بأنه "رئيس تحرير"، أو حتى بأنه "قَيِّم" على إنتاجنا».
..................................
ثم يذكر خيري شلبي قصة طريفة عن طقوس قراءة الأدب على يحيى حقي في مجلته، فيقول: "الواحد مِنّا كان يذهب بقصّته أو قصيدته أو دراسته إلى مقرّ المجلة في شارع عبد الخالق ثروت، وقد وَقَرَ في ذهنه أنه ذاهب إلى مكانٍ أليفٍ جدًّا، ربما كان "مندرة" دارهم في القرية. ففي حين يجلس رئيس التحرير -عادةً- في حجرة خاصة يقف على بابها حارس يمنع الزوار من إزعاجه إلا بموعد سابق ورسميّ، لم يكُن يحيى حقي يجلس إلى مكتب، بل لا يعترف بحجرة خاصة، فمقر المجلة عبارة عن شقة صُمِّمَت في الأصل لتكون سكنًا، بابها مفتوح على الدوام.
..................................
يدخل الواحد منّا إلى الصالة المربعة الحافلة ببعض مقاعد جلدية أُعِدَّت لاستقبال الزوار، فإذا يحيى حقي جالس فيها... وبعض الزوار من الكُتاب والشعراء، ما على الواحد منا إلا أن يُلقي السلام على الجالسين ويسلِّم باليد، ثم يجلس معهم يراهم يتكلمون في مسائل أدبية وفنية، ويرى أنه من الممكن أن يشارك في الحديث فيشارك، ويشعر يحيى حقي أنه صاحب البيت، فإذا هو يشجع الزائر الجديد على أن يُعلِن غرضه من الزيارة: "هاتِ ما لديك"، فإذا بك تُخرِج ما لديك من قصة أو قصيدة أو دراسة، ثم تُقدِّمها ليحيى حقي، فإذا هو يُلقي عليها نظرة سريعة، ثم يُعيدها إليك قائلًا: "حسنٌ، اقرأها لنا".
..................................
لن تطول بك الدهشة، لأنك ستعرف بشكلٍ ما أنَّ الزوار الذين سبقوك إلى هذه الجلسة قرؤوا أعمالهم على الجالسين، فإذا أنت تقرأ، وإذا هُم جميعًا يستمعون في شغف واهتمام، مهما كان مستوى العمل الذي تقرؤه. فما إنْ تنتهِ من القراءة حتى يسند يحيى حقي خدَّه على راحة يده الممسكة بعوجاية العصا، ثم يرفع رأسه قائلًا بعد برهة: "إيه رأيك يا حساني؟"، ذلك أن الحساني كان يتمتع بقدرة على قول رأيه بشكل مباشر، فيندفع معلنًا رأيه في العمل دون مواربة، فيشجع بذلك الجالسين على الإدلاء بآرائهم في شجاعة، ومِن رأي إلى رأي يتأكد يحيى حقي أنك قد عرفت الرأي الحقيقي في عملك، وأنك لم تعُد في حاجة إلى تأشيرة من رئيس التحرير، وأنك يجب أن ترجع بعملك هذا لتُعيد النظر فيه من جديد. كل ذلك دون أن يتطرق إليك إحساس الحقد أو الغضب، بل تكون سعيدًا، لأن كل هؤلاء انشغلوا بما كتبت، وناقشوه بكل هذه الجدِّيَّة.
..................................
هذا إذا كان يحيى حقي لم يتحمس لنشر عملك لضعف مستواه الفني. أما إذا حظي عملك بإعجابه، فإنه يدَّخر الإعجاب لحين الاستماع إلى آراء الآخرين، غير أنه في هذه المرة لا يطلب رأي الحساني أوَّل ما يطلب؛ إنه لا يستنفر رأي الحساني إلا إذا أحسَّ بضعف العمل، أما إذا أحسَّ بقوَّته فإنه ينظر في الجالسين قائلًا: "هيه، إيه رأيكم؟"، فيتكلم الدكتور شكري، أو أحد الزوار، وفي النهاية يُعلِّق يحيى حقي تعليقًا مبتسرًا، يُنهيه قائلًا لك: "على كل حال سيبها لنا برضه نفحصها تاني"، ومعنى هذا أنَّ عملك سوف يُنشر بنسبة ثمانين في المئة».
..................................
انتهى حديث خيري. وما أجمل هذا المشهد الذي رسمه خيري شلبي بقلمه لحياة هذه الجماعة الأدبية التي تحتفي بأقصوصة أو قصة قصيرة أو قصيدة، لا يشغلها من أمر الدنيا خارجها إلا نص أدبي يرفعهم عن العالم المادي الأرضي ويرفعهم إلى سماوات الفن.
..................................
محمد عبدالعزيز الهجين
مقال اليوم من زاويته "لؤلؤة الغواص" في جريدة (الراية) القطرية.
أتدري ما أجمل ما في حركة العقل والوعي الإنساني؟ أن تشعر بأنك تعي، أي تلاحظ طريقتك في الوعي، أن يتفتح ذهنك، وترى أو تشعر بأن ذهنك الآن يتفتح، أن تستقبل المعلومة وتشعر في نفس الوقت أنها أضاءت مكانها من عقلك واشتبكت بما حولها، فشكّلت المعرفة، وهذا ما يجعلك تجد للمعرفة لذة فوق لذة المعلومة المجردة.. فالمعرفة كما هو معروف هي الوعي بالمعلومات، وكلمة الوعي تشمل عمليات: الفهم والربط والإدراك وملاحظة السياق وأثره.
من ألذّ المطالعات وأحفل موارد العلم والأدب:
تفكيك أبيات الشعر الجاهلي وصدر الإسلام، مما يحتاج فهمه إلى ترديد النظر والغوص على المعاني وتتبّع الدلالات.. فأول ما يحتاجه هذا الشعر هو معرفة معنى الغريب إن وُجد، وما أكثر ما يوجد، فإذا ارتفعت عِمايةُ الألفاظ وقفتَ أمام المعاني وجهاً لوجه، فما بقي عليك إلا السبح في فضاءاتها، ثم في احتمالاتها التي هي من أمتع ما تتذوقه في ذلك الشعر، فتتساءل: هل من الممكن أن يكون قصد الشاعر كذا وكذا؟ وتُعمِلُ في ذلك مُرجِّحات المعاني من الشعر نفسه، ومن حياة الشاعر، ومن معهود طرائق شعراء ذلك العصر في الإبانة عما يختلج في صدورهم.. فإذا رُزقتَ في ذلك أخاً مُعيناً ذوّاقاً، فتلك من أجلّ مباهج الأدب، وأوقعها أثراً في النفس.
وكثيراً ما أقول: إن شعرنا العربي القديم من أمتع وأروع ما تقرأ، عليك أن تزيح حاجزَ الألفاظ الغريبة فقط، وستجد فيه من الحكمة والسلوى، ومن أدقّ معاني النفس الإنسانية وأحاسيسها، ما يدهشك ويطربك!
الصنعة البديعية وزخرفة الكلام، كما أنها قد تُظهر القدرات البيانية للكاتب، فقد تُخفي عيوبه؛ ولذلك كثيرًا ما يستعين بها ضعافُ الكتّاب.
نصيحة للكاتب الذي في بداية طريق الكتابة:
حاول ألّا تُعوِّل كثيرًا على ثناء الناس، ولا سيما الكُتّاب والأدباء؛ فإنهم قليلًا ما يجودون بذلك.. والتعلّق بهذا الثناء مُحبط.
نعم، عليك أن تتواصل مع من تثق بملكتهم، وأن تعرِض عليهم ما تكتب، وتشاورهم، وتسمع منهم الثناء والنقد؛ فهذا من أعظم ما يؤسّس مَلَكَتك وينمّيها.
لكن كثيرًا من الدعم، والأثر الطيب، والإشباع الروحي الذي يحتاجه الكاتب؛ تحسّه من عموم الناس، ممن يقرؤك بحاسّته المتشوّفة إلى الإتقان والجمال والرقي، لا من منزلة الأستاذية والنقد المتخصص. وأعظم أثرًا من الثناء: الاهتمام، والتفاعل الحي الإيجابي، وشعور الآخرين بما تكتب.
ولا وقود للكاتب الأديب أعظم من القراءة النوعية الغزيرة، والانكباب على مصادر الفن والأدب، مع التنويع فيها؛ فهذا يصنع للكاتب ما يُسمّى في دنيا الاقتصاد: الاكتفاء الذاتي.